البكاء الأثيم بين اليمن وسوريا

البكاء الأثيم بين اليمن وسوريا

طفلتان في سوريا (Getty)

أصوات خليجية وسعودية وعربية أيضًا، أصوات كثيرة ومرتفعة ومتشابكة، أصوات ساخطة، وغاضبة، وحانقة، صارخة. البعض يبكي، وآخرون ينتحبون ويلطمون، وكل هذا السيل الهادر من العواطف الجياشة، والشعارات الثائرة، تأتي -كما تبدو- لنصرة شعب وأطفال سوريا المكلومة. تجد القوم في غاية الأسى جراء ما يحصل من طحن للأبرياء وسط رحى الحركات المسلحة والنظام القمعي، تلك الرحى الدموية الكارثية، والتي تدور هناك منذ أعوام بلا رحمة.

لماذا لا تجد بين الأصوات الخليجية والسعودية من يبكي الحال التي يعيشها أطفال اليمن، كما يبكي فظاعة حال السوريين

ولعله جدير بالاحترام والالتزام، ذلك الموقف المناهض لنظام الأسد الوحشي، وما خلفه بتعنته وتمسكه بالسلطة، من دمار كبير وهائل شمل كل شيء في سوريا، من الأطفال إلى المدن وحتى التراث التاريخي العريق لأقدم بقاع الأرض المأهولة بالبشر. فضلًا عن جعل سوريا في صدارة الدول التي يهرب منها أهلها لاجئين ومتسللين عبر البحار والقفار.
 
أقول: إنهم يبكون سوريا، وأطفال سوريا، وضحايا الحرب الطاحنة بين الحركات المسلحة والنظام المسعور في سوريا، وتسمع نحيبهم كل يوم على المهجرين والنازحين من ديارهم في سوريا، والمحاصرين في المناطق المنكوبة بالحرب والمجاعات في سوريا، وأنا كذلك مثلهم حزين على سوريا وأطفالها وشيوخها وأبريائها الذي يسحقون في صراع ليس لهم فيه ناقة ولا جمل دام لأكثر من خمس سنوات دون انقطاع! وكذلك على ثورتها الطاهرة التي دنست، ودمرت، واستحالت إلى لعنة ليس لها من آخر.

هذا الموقف بلا شك، هو في ظاهره، جميل جدًا. وأخلاقي.. ونبيل، لكن لماذا في الوقت نفسه، لا تجد من بينهم، من يبكي الحال -التي لا تقل فظاعة عن حال السوريين- التي يعيشها أطفال اليمن؟ لماذا لا يبكون مأساة أطفال تعز وصعدة وصنعاء وغيرها من محافظات ومدن وقرى اليمن، والذين بحسب تقرير للأمم المتحدة قد قتل منهم 505 أطفال على الأقل، وجرح أكثر من 700 آخرين وذلك فقط خلال الأشهر الستة منذ بدء "عاصفة الحزم"! 

إنهم يبكون ويلطمون وقد نذروا أنفسهم للبكاء على ضحايا الحرب الأهلية في سوريا، لكنهم صم بكم عمي عن الكوارث المماثلة في المناطق المجاورة. فمثلًا، لا ترى منهم من يبكي على شعب يقدر بأكثر من 300 ألف إنسان، ذهبوا ضحية لبطش الإرهاب الذي قادته داعش بشكل مركز على الإيزيديين في جبل سنجار، ما بين سبايا وعبيد وفارين ومحاصرين وقتلى تأكل الحيوانات جثثهم المرمية في العراء.

ثمة من يتخذون مأساة السوريين كسلاح طائفي رخيص ضد من يعادونهم طائفيًا في سوريا

هؤلاء الذين يجسدون كارثة عالمية وفريدة من نوعها لا تهز شعرة في الذين ابتذلوا البكاء على ضحايا النظام السوري المتوحش في قمعه للخصوم، ولمن سعوا في خراب الثورة السورية سعيًا في خراب سوريا ذاتها وإقامة دولة الخرافة.

هل تعرفون سبب هذه الانتقائية العاطفية؟! إنه الدافع، أو الفاعل الطائفي والمذهبي الذي يهيج وجدانهم وعقولهم، ويجعلهم إنسانيين بحسب الموقع الجغرافي والانتماء الديني والطائفي.. فهم يتخذون مأساة السوريين كسلاح طائفي رخيص ضد من يعادونهم طائفيًا في سوريا وغيرها. فقد جعلوا من كوارث السوريين وأطفالهم أداة قذرة وبذيئة لخدمة موقفهم الطائفي العميق.. ولحشد الكراهية وتجييش العاطفة المذهبية ضد العدو المذهبي. فالنظام السوري المجرم السفاح، بالنسبة لهم، هو عدو الطائفة لا عدو الإنسانية والحرية والحياة!
 
ألا في الفتنة سقطوا.. فالإنسانية قيمة أطهر وأشرف من أن تحركها النزعة الطائفية الشريرة.

اقرأ/ي أيضًا:

هل الربيع العربي من جلب الخراب؟

محمد فهد القحطاني.. نشيد الحرية في جزيرة العرب