البطالة تدفع شباب الجزائر إلى الصحراء

البطالة تدفع شباب الجزائر إلى الصحراء

معسكر إقامة لعمال في الجنوب الجزائري (أ.ف.ب)

يضطر كثير من الشباب الجزائري، من حاملي الشهادات الجامعية وخريجي معاهد التكوين المهني وغيرهم من الحرفيين، للعمل في جنوب البلاد وتحمل صعوبات العيش في الصحراء الجزائرية هروبًا من شبح البطالة الذي ينتشر في الشمال والمدن الداخلية.

يكشف واقع الشباب الجزائري  أن نسبة البطالة أكبر بكثير من النسبة المصرح بها حكوميًا

وذلك في الوقت الذي يؤكد فيه وزير العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي الجزائري محمد الغازي أن "سياسة الدولة في التشغيل نجحت في تخفيض نسبة البطالة إلى 10% بعدما كانت في السنوات السابقة  تتجاوز 30%". لكن يكشف واقع الشباب الجزائري، الذي ما زال يحلم بعقد عمل براتب زهيد، حقيقة أخرى مفادها أن نسبة البطالة أكبر بكثير من النسبة المصرح بها.

ويظهر ذلك جليًا في فرص العمل شبه المعدومة في الشمال والمحافظات الداخلية، والتي تنحصر في مسابقات التوظيف في الوظيفة العمومية على مستوى البلديات أو في قطاعي الصحة والتربية والتعليم، بعدد مناصب جدّ محدود مقابل العدد الكبير للمترشحين الذي يصل عادة إلى ألفين مشارك في مسابقة حول 20 منصبًا.

يعلق الشباب على هذا الواقع عادة بعبارة "نعرف أن قوائم الناجحين موضوعة مسبقًا لكننا نسجل وجودنا ونعلق مالنا على ضربة حظ!". وتمتد أزمة الشباب إلى القطاع الخاص الذي لا يوفر فرصًا أكبر للعمل، بسبب مركزية الاستثمار، فالشركات الوطنية والأجنبية تتواجد عادة في العاصمة وبعض المدن الكبرى.

الرحلة إلى الجنوب.. مال وامتيازات أخرى

وهكذا يصبح النزوح نحو الجنوب أحد أبرز الخيارات المطروحة أمام الشباب الجزائري، أين تنتشر الشركات الوطنية والأجنبية المختصة في مجال البترول والغاز والتنقيب عن المعادن وغيرها من المشاريع التي يتم إطلاقها بشكل مستمر سواء من أجل تعبيد الطرقات أو التنقيب عن منابع أخرى للطاقة.

توفر هذه الشركات عادة فرص عمل للشباب من إطارات، مهندسين، تقنيين، طباخين وحرفيين وغيرهم، وبأجور مغرية بسبب نقص اليد العاملة في هذه المناطق الجنوبية كـ"تمنراست" و"حاسي مسعود" و"جانت". ويفوق أجر أبسط عامل في الصحراء، الذي يقدّر بحدود 500 دولار أمريكي، أجر أستاذ جامعي في الشمال والمدن الداخلية والذي لا يتعدى 400 دولار. ومن جملة الامتيازات الأخرى التي يتيحها العمل في الجنوب، توفير الشركات للإقامة الداخلية من غرف وغذاء وباقي احتياجات العمال إلى جانب تحمل تكاليف تذكرة سفرهم أثناء العطل الرسمية.   

عدم الاستقرار.. أكبر التحديات

يفوق أجر أبسط عامل في الصحراء أجر أستاذ جامعي في الشمال والمدن الداخلية 

يرجح البعض أن الحوافز التي تقدمها الشركات في الجنوب لا تغطي حجم تضحية الشباب في سبيل العمل هناك، فإلى جانب صعوبة التأقلم مع حرارة الجو والعزلة الكبيرة كون معظم هذه الشركات تعمل في مناطق بعيدة عن التجمعات السكانية وتنعدم فيها تغطية شبكة الهواتف النقالة والأنترنت، يواجه العمال أيضا تحديا أكبر ألا وهو عدم الاستقرار.

ويرجع ذلك إلى كون العمل في الجنوب ينظّم بعقود عمل ذات فترة زمنية محدودة أقصاها 5 سنوات، بينما لا تتعدى في شركات أخرى سنتين أو ثلاثًا، وذلك حسب مدة العقد الذي يربط الشركة ذاتها مع الجزائر، والفترة التي يفترض أن تبقى فيها في الجنوب، مع إمكانية تجديد عقود العمال سواء على مستوى الشركة ذاتها أو تحويل العامل إلى شركة أخرى لا تكون بالضرورة بنفس المنطقة.

يجد عامل في شركة بمنطقة "ورقلة" نفسه في فرع أو شركة أخرى بـ"حاسي مسعود"، التي تبعد عنها حوالي 70 كم، أو بمنطقة "جانت" مثلًا، وهو ما يعتبره العمال نوعًا من عدم الاستقرار وتهديدًا لمناصبهم، ويدفعهم لاعتبار العمل في الصحراء عملًا مؤقتًا، ويعلق منير، الذي يعمل في الصحراء منذ 8 سنوات، لـ"ألترا صوت"، "أفضل أن أبقى هنا بما أنني أعزب، أجمع المال ثم أعود إلى الشرق وأفتح مشروعًا خاصًا بي ثم أستقر".

وقد أفرزت معايشة الشباب العازبين لمعاناة زملائهم المتزوجين هذا التفكير بسبب الحرمان العائلي وما يعانونه من غربة وعزلة تجعلهم غير قادرين حتى على الاتصال بعائلاتهم وأبنائهم أحيانًا. وفي سياق متصل، يقول أحد العمال خلال حديثه لـ"ألترا صوت"، "سأعود بمجرد انتهاء عقد عملي بعد سنتين إذ أفضِّل أن يكبر أبنائي إلى جانبي".

بينما يضطر آخرون إلى إتخاذ قرارات أصعب كالاستقالة مثل حالة العامل عبد الحق. ويفسر قراره قائلًا "تعرض ابني لحادث وعندما رفضت الشركة أن تمنحني إجازة قدمت استقالتي وغادرت لرؤيته في المستشفى".