البشر كحيوانات في حدائق

البشر كحيوانات في حدائق

كانت حدائق الحيوانات البشرية جزءًا من آليات صناعة المركزية الأوروبية (وسائل التواصل الاجتماعي)

لطالما تساءلت، عندما كنت بعد حديث العهد في ألمانيا، عن السبب الذي جعل إحدى الألمانيات اللطيفات في المؤسسة التي استضافتني تقول لي حين أردت الذهاب إلى قلب المدينة: لاتخف، شكلك أقرب إلى الأوروبيين، سيظنونك إيطاليًا ربما! وبعد فترة كنا مجموعة من الضيوف غير الأوروبيين في تلك المؤسسة نقول لبعضنا بعضًا على سبيل المزاح: أنت تبدو إسبانيًا، أو إيطاليًا، وبالتالي لن تتعرض لنظرة تنطوي على شعور بالفرق، أو تساؤل، أو استغراب، أو ازدراء، أو عنصرية من أحد ما!

خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى النصف الثاني من القرن العشرين جلب أوروبيون أناسًا من شعوب أخرى: من آسيا وأفريقيا وأستراليا وأمريكا الجنوبية، وعرضوهم في حدائق كانت أصلًا حدائق حيوانات

بالبحث عن السبب سنعثر على العمل الدؤوب الذي أسس لمفهوم "المركزية الأوروبية" و"العرق الأبيض"، وسنعثر على الحقبة الاستعمارية التي أسست لنظرة أوروبية ترى نفسها "أعلى"، بالمعنى التراتبي العرقي، من باقي شعوب الأرض، خاصة الشعوب التي تم استعمارها واستعمار بلدانها، وقد تأسس ذلك كله عبر الكثير من الكتب والكثير من اللوحات الفنية والكثير من الصور الفوتوغرافية والكثير من الدعاية وغيرها.. لكن، لا بد من أمر آخر إضافي كي تستقر تلك النظرة التفوقية وتأخذ هذا الشكل المستمر على نحو أو آخر حتى الآن، لا بد من أمر عياني، مادي، ملموس قادر أن يحفر  في الذاكرة البشرية على نحو يصبح معه قارًّا حتى في اللاوعي الجمعي للشعوب، وحيث أن الشعوب الأوروبية في معظمها لم ترَ بأم العين شعوبًا أخرى "غريبة وعجيبة"، كان أن تم إحضار نماذج من تلك الشعوب إلى أرض أوروبا لتتعرف عليها بصفة "شخصية"!

اقرأ/ي أيضًا: بعد 60 عامًا على آخر "حديقة حيوان بشرية".. بلجيكا تتطهر من ماضيها المظلم

خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى النصف الثاني من القرن العشرين جلب أوروبيون أناسًا من شعوب أخرى: من آسيا وأفريقيا وأستراليا وأمريكا الجنوبية، وعرضوهم في حدائق كانت أصلًا حدائق حيوانات! بدأ ذلك في فرنسا وألمانيا وبلجيكا ثم انتشر وعم لينتقل أيضًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

في الأعوام 1870-1871 وأثناء حصار باريس من قبل الجيوش البروسية ونتيجة المجاعة التي حلت بالباريسيين افترسوا الحيوانات المعروضة في حدائق الحيوانات، فكان أن عوضت الحكومة الفرنسية هذا الفراغ من الحيوانات ببشر من شعوب أخرى عرضتها في تلك الحدائق كـ "حيوانات بشرية" هذه المرة.

انتقل عدوى هذه الحدائق إلى بلجيكا فنقلت الحكومة البلجيكية مئات من الكونغوليين وعرضتها في مدن بلجيكية ليتمتع البلجيكيون بمشاهدة أقوام غريبة. وتلبية لرغبة الشعب أمر الملك البلجيكي عام 1897 ببناء حديقة حيوانات بشرية في العاصمة بروكسل، وأملأها بـ 260 كونغوليًا. وقد زارها حوالي مليون ونصف مواطنًا بلجيكيًا.

وفي العام 1914 أنشأت النرويج أيضًا حديقة مشابهة وأملأتها بـسنغاليين. وقد زارها نصف الشعب النرويجي. وزار المعرض الدولي الذي أقيم في فرنسا 1889 "للحيوانات البشرية" أكثر من 18 مليون شخص.

عام 1870 أحضر تاجر ألماني من مدينة هامبورغ يدعى كلاوس هاغينبيك مجموعة "متوحشين بدائيين" من سكان لابلاند وعرضها في إحدى الحدائق، وحقق نجاحًا كبيرًا! وتحولت رغبة الألمان في رؤية "الحيوانات البشرية" إلى نوع من الشراهة، فتم تنظيم رحلات إلى مدن ألمانية أخرى كبرلين ولايبزيغ وغيرها... وقد كثرت نماذج الشعوب "الحيوانية" فشملت كلًا من: أسكيمو، كونغوليين، صوماليين، إثيوبيين، بدو، نوبيين، سكان أستراليا الأصليين، الزولو، جزر أندامان، الكالميك، وعرب... وسواهم.

حققت هذه الحدائق سمعة "طيبة" لدى شعوب القارة الأوروبية المتفوقة والبيضاء، وتطلع الأوربيون إلى مزيد منها فانتشرت في كل من بريطانيا وإيطاليا وإسبانيا وغيرها، على نحو عم القارة الأوروبية.

كانت المعايير التي انتبه إليها شيئًا فشيئًا منظمو تلك الحدائق أن تكون "الحيوانات البشرية" ليست سوية بحيث أنهم يشبهون الأوروبيين، فهذا لن يُحدث فرقًا ودهشة لديهم من ناحية، ومن ناحية أخرى ليسوا "متوحشين" إلى الدرجة التي تثير فيها قرف الأوروبيين وخوفهم. لذلك تم انتقاء المختطَفين من الشعوب الأخرى بعناية، ولا مانع أن يكون بعضهم مريضًا مرضًا خلقيًا: الرأس أكبر من الجسد مثلًا، أو أصغر على نحو شديد، أقزام، مصابون بالصدفية، توائم ملتصقة... وهكذا.

كان يُطلب من "الحيوانات البشرية" أن تؤدي بعض الوظائف التقليدية لشعوبها، كأن تأكل مثلما يأكلون في بلدانهم الأصلية، وبرقصون مثلما يرقصون في بلدانهم الأصلية، ويتصارعون... إلخ، مقابل أن يتلقوا بعض الطعام من الزوار، لكنهم كانوا يتلقون مع الطعام حجارة ترمى عليهم وعبارات مهينة وسخرية وضربًا بالعصي، مع عدم نسيان أن يضع المنظمون إلى جانبهم في الأقفاص عظامًا بشرية للدلالة على أنهم يأكلون  البشر! وكانوا يأمرونهم بتمثيل أكل العظام كي يظهروا بمظهر أكلة لحوم البشر! وحيث أنهم أجبروا على طعام لا يأكلونه عادة كالعظام مثلًا، انتشرت بينهم أمراض أدت إلى وفاة بعضهم. وتم التخلص من المرضى الآخرين الذين لم يتمكنوا من علاجهم نتيجة جدّة الأمراض عليهم آنذاك بإرسالهم إلى بلدانهم ليموتوا فيها بعد أن يصيبوا آخرين بالعدوى. كما تم ترك بعض المرضى الآخرين يموتون في العراء! في أول حالة مرضية مات طفلان. فالعروض الترفيهية شملت الأطفال والنساء والرجال.

كانوا يجعلونهم يلبسون الثياب التقليدية التي يلبسونها في بلدانهم الاستوائية الحارة، أي ثيابًا خفيفة، أقل ما يمكن من الثياب، في مدن أوروبية متجمدة! في الصور يظهر الزوار بملابسهم الشتوية السميكة، فيما يظهر "المتوحشون" في ثياب قليلة، الأمر الذي أدى إلى أمراض تفشت بينهم وأدت إلى وفاة بعضهم، وتم التخلص من مرضى آخرين بالطريقة ذاتها، أي بإعادتهم إلى بلدانهم، وبترك آخرين يموتون في العراء.

كانوا يضربونهم أمام الزوار بالسياط وبالعصي كي يهربوا منهم كما تهرب الحيوانات، وكي يقوموا بصد الضربات كما تفعل الحيوانات المحصورة في مكان محدد، وكي يصرخوا بلغة غير مفهومة للأوروبيين فتبدو أصواتهم مجرد أصوات حيوانات، وكانوا يأمرونهم بالتصرف كحيوانات... وذلك لإثبات حيوانيتهم أو عدم بشريتهم.

في فرنسا كان بعض "المتوحشين" يعرفون الفرنسية نتيجة استعمار بلدانهم الطويل من قبل فرنسا، لكن كان ممنوعًا عليهم التكلم باللغة الفرنسية مع الزوار تحت طائلة العقوبة (يمكن أن تكون الموت)، فالـ "متوحشون" لا يعرفون الفرنسية! فهم ليسوا بشرًا أصلًا!

ما يؤسف له في هذه الممارسات التي تعتبر من أكثر الممارسات البشرية انحطاطًا على مستوى التاريخ برمته،  إن لم تكن الأكثر انحطاطًا على الإطلاق، ليس فقط موقف الأوروبيين آنذاك وقبولهم واستمتاعهم بالتعامل مع المختلفين عنهم بمتعة ما بعدها متعة، بل أيضًا انحياز علماء ومفكرين ومؤسسات علمية لحدائق الحيوانات البشرية تلك. كانت نظرية داروين في "أصل الأنواع" في قمة ازدهارها، وكانت النقاشات حولها صاخبة على نحو غير مسبوق. وتفرع عنها ما سمي: الداروينية الاجتماعية، لإثبات أن هناك أعراقًا لم تتطور إلى مستوى إنسان. الإنسان المثال هو الأوروبي. كان العلماء يقيسون جماجم "المتوحشين" وأسنانهم، وأذرعهم، وأعضاءهم... ومقياسهم هو الإنسان الأوروبي، وكل اختلاف في المقاييس يفسَر لصالح عدم تطور تلك الشعوب لمرحلة الإنسان. وكانت المؤسسات العلمية مدعومة من قبل دولها على أنه ظاهريًا دعم للعلم، لكن حقيقة هو دعم لتفوق الإنسان الأوروبي على غيره من بني البشر. وقد وضعوا سلمًا للتطور البشري، كان الأوروبي في قمته، والأسود في أدنى درجة. صنفوا المخلوقات وفق ثلاثة أصناف: القرود ثم العرق البيض ثم المخلوقات في حدائق الحيوانات وسلالاتها، وقد تم اعتبار تلك السلالات على أنها حلقة الوصل بين القرود وبين الإنسان الذي هو، فقط، الأوروبي.

في هذا السياق تبرز قصة أوتا-بينغا القزم من الكونغو الذي تم خطفه من عائلته وأولاده وإحضاره إلى أمريكا، مدينة سانت لويس، (بعض المصادر تقول تم قتل عائلته وأولاده) ووُضع في الحديقة مع قرد من نوع الشامبانزي وتم تقديمه مدعومًا برأي مكتشفه أحد العلماء على أنه يمثل الحلقة المفقودة بين الإنسان والقرد. عام 1916 لم يطق أوتا-بينغا حياته الحيوانية تلك، فانتحر بطلقة في الرأس، وكان تم إطلاق سراحه بتدخل من أحد رجال الدين، تاركًا ورقة كتب عليها بنفسه: "أنا إنسان، أنا رجل".

في العام 1931 تم إنهاء هذه الحدائق في ألمانيا وفرنسا وغالبية الدول، لكن في بعض البلدان، كفرنسا وألمانيا، تحولت بعض حدائق الحيوان البشرية ذاتها إلى حدائق حيوان، غير بشري، الأمر الذي أبقى تلك الذاكرة السوداء يقظة وذات آثر لم يزل حيًا حتى تاريخ الناس هذا.

بعض "الحيوانات البشرية" الذين تم إطلاقهم في  ألمانيا بعد إنهاء تلك الظاهرة المنحطة عاشوا وتزوجوا وأنجبوا، لكن لم يتم الاعتراف بهم كمواطنين ألمان، ولم يتم قبولهم في العمل إلا في بعض المؤسسات الأجنبية، وفوق هذا لم يُسمح لهم بالهجرة ومغادرة البلاد.

لكن بعض الدول الأوروبية استمرت في عرض "المتوحشين" في حدائق، وكانت أخريات الصور التي انتشرت تعود لطفلة أفريقية في حديقة حيوانات بشرية في بروكسل في بلجيكا عام 1957.

تجب الإشارة إلى أن تلك الحدائق لم تُسمّ في حينها "حدائق الحيوانات البشرية" فالاسم جاء لاحقًا، إنما كانت تسمى: الحدائق الإثنوغرافية. أي علم سلالات الشعوب، في تواطؤ غير أخلاقي وشديد الانحطاط بين العلم وبين الهيمنة الأوروبية.

اقرأ/ي أيضًا: حدائق الحيوان "البشرية".. مشاهد من فاشية الغرب الباقية

لابد أن هذه الذاكرة الحية تشكل أحد الأسباب القوية لشيوع نظرية التفوق الأوروبي في العالم، وجذرًا قويًا (أحد الجذور القوية) لكل عنصرية أو شعور بالفرق تظهر هنا وهناك تجاه الآخر سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة.

كل ما أخشاه بعد موجات الهجرة واللجوء القوية من بلدان شتى إلى أوروبا والولايات المتحدة وغيرها أن تتحول مخيمات اللجوء على حدود هذه الدول التي ترفض استقبالهم، أو حتى تلك المخيمات داخل حدود الدول إلى شكل آخر من أشكال تلك الحدائق، إنما هذه المرة ستكون: مخيمات الحيوانات البشرية.