البرلمان العراقي.. من كوميديا التشريع إلى الإباحية

البرلمان العراقي.. من كوميديا التشريع إلى الإباحية

أحمد فلاح/ العراق

لم يُجمع نواب البرلمان العراقي يومًا على قرار. هم منقسمون دائماً. المصالح تُفرّقهم ورؤساء الكتل السياسيّة يضغطون عليهم. يكاد الإجماع داخل البيت التشريعي العراقي من أجل تشريع قانون أو اتخاذ قرار أمرًا مستحيلًا. ثمّة ما يُفرّق هؤلاء النوّاب دائمًا.. وربما أبدًا.

الإباحية والبرلمان وجهان لعملة واحدة بالنسبة للمتظاهرين العراقيين 

لكن، والتظاهرات تعم مُدن الجنوب العراقي ضدّ فساد الحكومات المتعاقبة وسرقاتها، ظهر نائب من بين ركام خوف السياسيين إلى واجهة موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" ليعلن عن جمعه 150 توقيعًا لتشريع قانون يحظر المواقع الإباحية في العراق. كان همّ النائب واضحاً وهو يُحاول الحفاظ على أخلاقيات المجتمع العراقي من "الرذيلة" التي حلّت به.

150 توقيعًا يكاد يصل إلى نصف أعضاء برلمان هذه البلاد التي تشهد خلافات سياسيّة مستعرة. لا شيء يدعو إلى الغرابة في إجماع نواب الشعب على مصلحة مواطنيهم، إلا أن الغريب في الأمر، هو أن هذا النائب بذاته كان أبرز "النائمين" أثناء جلسات البرلمان العراقي، إذ لم يُشاهد يومًا على إحدى الفضائيات، ولم يسجل له العراقيون أيّة مُداخلة في جلسات البرلمان. كان نائمًا فعلًا، وفجأة قفز إلى الواجهة، وهذه القفزة العجولة كفيلة بتحويله إلى مادّة سخريّة كبيرة من قبل العراقيين الذين يحولون همومهم إلى "نكات" تقطّع المصارين لطرافتها.

شغل النائب الصحافة وملأ المنازل والمقاهي بالضحك، وتخيّل الجميع بعد أن وصلت التظاهرات إلى بغداد أنه نُسي، لكن واقع الحال لم يكن هكذا، فقد صار مشهورًا جدًّا، أصبح أيقونة في ساحة التحرير وسط بغداد حيث يتجمع المتظاهرون، بل أنّه جلب الفضيحة لزملائه من النواب. أدخلهم إلى عالم الإباحية السري بسبب تصريحه الغريب والعجيب.

رفعت اللافتات الساخرة التي تنتقص من البرلمان سريعًا. تحوّل البيت التشريعي إلى أكبر موقع إباحي في العالم. الجميع يُشير إلى "إباحيته" في اللافتات الصغيرة والكبيرة التي ملأت ساحات التظاهر. النائب جلب "الشتيمة" لزملاءه، مثلما يجلب الولد العاق "المسبّة" لأهله.

"مايا خليفة أشرف من البرلمان"، "الموقع الأزرق أكثر شرفاً من البرلمان"، "البرلمان العراقي.. xnxx"، هذه اللافتات وأكثر منها أدانت النواب. الإباحية والبرلمان وجهان لعملة واحدة بالنسبة للمتظاهرين العراقيين المُطالبين بأبسط حقوق العيش الكريم.

ربما لم يشهد العالم بطرًا وفجاجة أكثر من فجاجة النائب الذي طالب بإغلاق المواقع الإباحية. لم يشهد أيضاً بلادة على شاكلته. بلد مثل العراق ليس لديه قانون عمل، ولا قانون أحزاب. الفساد يستشري ويلتهم كل الأموال التي تدخل خزينة الدولة، والعصابات تسير وتقتل على مرأى الجميع، ثلث مساحة البلاد بيد تنظيم "داعش" البشع، و4 ملايين عراقي يعيشون داخل خيم وعلى أرصفة الشوارع، ومثلهم على أرصفة دول الجوار بانتظار أن يُعاد توطينهم في دولة تحترم إنسانيتهم. والنائب يدعو إلى تشريع قانون يحمي من "الرذيلة"! هل هذا النائب يغرّد بالبلادة وحده في بلاد ما بين النهرين؟ 

يذكر العراقيون أن رئيسًا سابقًا للبرلمان يحوّل الجلسات إلى مسرحيّة ساخرة. يجلس الجميع أمام الشاشات التلفاز ليتفرّجوا على آلامهم وهي تتحول الى قصّة كوميدية لا نهاية لها، وجاء بعده نائب وصف الشعب بالـ"دايح"، وهو وصف عراقي يُطلق على العاطل عن العمل الذي لا مأوى له ولا يحظى باحترام. وثمّ جاءت نائبة تُطالب بأن يتساوى القتل في العراق بين السنّة والشيعة وفق مبدأ المحاصصة بدلًا من أن يُقتل الشيعة وحدهم، وجاء نائب آخر ليقلّد قصّة شعر كريستيانو رونالدو ويتكلّم كآلة تسجيل. كل هؤلاء وقّعوا على مطالبة بتشريع قانون حظر المواقع الإباحية. فمن أكثر "إباحية" في العراق، المواقع أم البرلمان؟