البرلمان الجزائري يتجه لإقرار قانون يجرم الاستعمار الفرنسي.. السياقات والتداعيات المحتملة
16 ديسمبر 2025
بحلول 21 كانون الأول/ديسمبر الجاري، يناقش البرلمان الجزائري، للمرة الأولى علنًا، مشروع قانون يقضي بتجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر، الذي امتدّ لأكثر من 13 عقدًا بين عامي 1830 و1962.
ولا يمكن فصل هذه الخطوة الجزائرية، بحسب متابعين، عن التوترات التي تشهدها العلاقات الجزائرية–الفرنسية منذ فترة، على خلفية دعم باريس مقترح الحكم الذاتي المغربي للصحراء الغربية.
ومن شأن موافقة البرلمان الجزائري على مشروع القانون المُجرِّم للاستعمار الفرنسي أن تُفاقم العلاقات المتوترة أصلًا بين باريس والجزائر، نظرًا إلى الحساسيات التاريخية والراهنة المحيطة بهذا الملف لدى الطرفين، إذ يفتح تمرير المشروع الباب أمام مطالب جزائرية بتعويضات عن الحقبة الاستعمارية، فضلًا عن استعادة الأرشيف المنهوب، بعد وضع الإطار القانوني اللازم لذلك.
في المقابل، تبدو باريس أبعد ما تكون عن الإقرار بالذنب في ماضيها الاستعماري، في ظل صعود خطاب اليمين المتطرف وتزايد التصريحات الممجِّدة للحقبة الاستعمارية والمنكرة لارتكاب أي جرائم تاريخية بحق الشعب الجزائري. وسبق للبرلمان الفرنسي أن أقرّ، عام 2005، قانونًا وصفته الجزائر بـ"المستفز"، لما تضمنه من تمجيد لممارسات الاستعمار الفرنسي في الجزائر، الأمر الذي أثار غضبًا رسميًا وشعبيًا واسعًا آنذاك.
الجزائر: جرائم الاستعمار الفرنسي لا تسقط بالتقادم
ويجري، في الجزائر، ربط التوجّه نحو التشريع القانوني المُجرِّم للاستعمار الفرنسي بالبروز المتصاعد للسردية اليمينية في فرنسا، فضلًا عن أنّ هذا الخيار يحظى بإجماع جزائري واسع، ويُصوَّر بوصفه تكريمًا للمقاومة وثورة التحرير وشهدائها ورموزها.
وبحسب بيان صادر عن المجلس الشعبي الوطني، فإن "قانون تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر يحظى بالإجماع، وقد لاقى تجاوبًا من مختلف التيارات السياسية".
وأوضح بيان البرلمان أن الجلسة المخصّصة للمصادقة على مشروع قانون تجريم الاستعمار "ستتضمن تقديم مقترح القانون والتقرير التمهيدي، إلى جانب مداخلات رؤساء المجموعات البرلمانية".
وكانت لجنة برلمانية جزائرية، مكوّنة من سبعة نواب يمثلون مختلف الكتل البرلمانية، قد تولّت صياغة مشروع القانون، بعد تنصيبها من طرف رئيس المجلس، إبراهيم بوغالي، في 23 آذار/مارس الماضي.
مضامين القانون وأبرز بنوده
يتكوّن مشروع قانون "تجريم الاستعمار الفرنسي" للجزائر من 26 مادة، وينصّ على "المطالبة باعتراف رسمي وعلني بجرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وتصنيف تلك الجرائم كجرائم دولية خطيرة لا تسقط بالتقادم، مثل الإبادة الجماعية والعدوان".
ويتحدّث مشروع القانون عن 27 جريمة من هذه الجرائم، تتمثل في: "القتل وتوجيه الهجمات العسكرية ضد السكان المدنيين، والاستخدام المفرط للقوة المسلحة، واستخدام الأسلحة غير التقليدية والمحرّمة دوليًا، وزرع الألغام، وإجراء التجارب والتفجيرات النووية، والإعدام خارج نطاق القانون، والسطو على خزينة الدولة الجزائرية، وإخضاع الجزائريين، دون سواهم، للقوانين الاستثنائية، وممارسة التعذيب الجسدي والنفسي الوحشي على نطاق واسع، والتعمّد في المساس الخطير بالسلامة البدنية أو بالصحة العقلية، والتمييز العنصري والمعاملة اللاإنسانية، والحرمان المتعمّد من الحقوق الأساسية، والترحيل غير المشروع للسكان المدنيين، ومصادرة الممتلكات، والنفي خارج الوطن، والمحاكم الخاصة، والإخفاء القسري واحتجاز الأشخاص، وتجميع السكان في محتشدات واستخدامهم دروعًا بشرية، إضافة إلى الحرمان من التعليم، والاغتصاب أو الاستعباد الجنسي، وتدنيس دور العبادة وتخريبها، وجرائم التنصير القسري ومحاولات طمس الهوية الوطنية، وإلحاق الألقاب المشينة بالجزائريين بشكل منهجي، والتجنيد الإجباري في القوات المسلحة الفرنسية، بما يشمل الحربين العالميتين الأولى والثانية".
كما ينصّ مشروع القانون على تقديم تعويضات مالية عن "الأضرار المعنوية والمادية، بما في ذلك جرائم التجارب النووية وزرع الألغام"، إضافة إلى تجريم كل من يُشيد بفترة الاستعمار.
ويشترط مشروع القانون "اعتراف فرنسا واعتذارها الرسمي كأساس للعلاقات المستقبلية" بين البلدين، كما يشترط أيضًا استعادة "الأرشيف الوطني الجزائري المنهوب".
ويتضمّن مشروع القانون كذلك آليات لتخليد الذاكرة الوطنية، من خلال الحديث عن "إنشاء مؤسسات لحماية الذاكرة وتصحيح الأسماء التي شوّهها الاستعمار".
ويمكّن مشروع قانون تجريم الاستعمار الحكومة الجزائرية من اللجوء "إلى الآليات الدولية، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية، عند الضرورة".
وقد وصف الصحفي الجزائري إسماعيل طلاي مشروع قانون تجريم الاستعمار بأنه "سابقة في تاريخ العلاقات بين الجزائر وفرنسا"، لافتًا إلى وجود "محاولات سابقة لتمرير مشاريع مماثلة، لكنها لم تصل إلى قبة البرلمان في جلسة معلنة".
ويرى طلاي أن الحكومة الجزائرية مصمّمة، أكثر من أي وقت مضى، على تمرير مشروع القانون، بالنظر إلى التصريحات الصادرة عن رئاسة البرلمان، والتي تطالب باريس صراحة "بالاعتراف والاعتذار عن جرائمها الاستعمارية".
ومع أنّ التقديرات ترجّح احتمال أن يؤثر مشروع قانون تجريم الاستعمار في العلاقات الفرنسية الجزائرية، إلا أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون سبق أن قال إن "قانون تجريم الاستعمار الفرنسي لا يجب ربطه بالعلاقات الثنائية بين البلدين".




