البراميل من جهة والبطالة من جهة أخرى

البراميل من جهة والبطالة من جهة أخرى

لاجئون سوريون من تل أبيض إلى تركيا (Getty)

أصيبت ابنته بحروق قبل مدة، فاصطحبها إلى مستشفى أطمة الواقع في الجانب السوري من الحدود مع تركيا. لكنه اضطر لطلب مساعدة مادية لتأمين كلفة المواصلات. سامر، الذي يعيش في ريف معرة النعمان الشرقي بمحافظة إدلب، عاطل من العمل حالياً، ويواجه صعوبة في تأمين فرصة عمل بعدما كان يسافر إلى لبنان ويعمل في البناء، قبل أن تمنعه إصابة في قدمه وحواجز النظام من مزاولة عمله. يعيش سامر في المناطق المحررة في سوريا. يعيل زوجة وثلاثة أطفال، ويعاني لتأمين لقمة عيشه، شأنه في ذلك شأن الكثير من الشباب السوريين المقيمين في المناطق المحررة والمحاصرة، بينما يُقال إن أولئك الذين يعيشون في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام معفيون من هذه المشكلة، أو على الأقل، يواجهون صعوبات أقل في تأمين فرصة العمل، وإن كانوا جميعاً سواء في التطلع للهجرة والبحث عن العيش الرغيد والآمن خارج حدود البلاد التي تحترق. لكن رحلة سامر الصغيرة، يقوم بها آلاف السوريين العاطلين من العمل، ويحاولون دائماً.

بعد الثورة أظهر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في دمشق أن أكثر من نصف سكان سوريا يعانون من الفقر

البطالة بالأرقام

تعرِّف منظمة العمل الدولية العاطل عن العمل بأنه "كل من هو قادر على العمل وراغب فيه، ويبحث عنه، ويقبله عند مستوى الأجر السائد، ولكن من دون جدوى". لكن هذا التعريف لا ينطبق، بحسب محللين اقتصاديين، إلا على العمالة في الدول الصناعية المتقدمة، وذلك نتيجة غياب الضمانات الاجتماعية والحقوق المترتبة للعاطلين عن العمل في الدول النامية، وبالتالي عدم توفر المعطيات الدقيقة، سواء لدى مكاتب التشغيل أو لدى الدولة، عن حجم البطالة ونوعها، ما يعني أن الأرقام التي كان المكتب المركزي للإحصاء السوري ينشرها هي أرقام غير دقيقة إطلاقاً.

الرقم الذي اعتمده المكتب المركزي للإحصاء، التابع للنظام، لمعدل البطالة قبيل اندلاع الثورة السورية، أي عام 2010، هو 8.6%، وهو ما اعتبر آنذاك رقماً بعيداً عن الواقع، لا سيما أن الإحصاءات الرسمية كانت تحصي عدد "المشتغلين" في عموم البلاد وتخرجهم من مفهوم البطالة، سواء كانوا يحظون بعمل دائم أو مؤقت أو موسمي أو متقطع. أظهر مسح قوة العمل السنوي لعام 2009، الذي أجراه مكتب الإحصاء، أن عدد المشتغلين في سوريا وصل عام 2009 إلى 4.999 مليون، يعمل 68.6% منهم طواال السنة، و11.1% بشكل موسمي، و18% بشكل متقطع، و2.3% بشكل مؤقت.

أما بعد انطلاق الثورة، فقد أعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في دمشق أن أكثر من نصف سكان سوريا، البالغ عددهم 23 مليوناً، يعانون من الفقر، مع نهاية عام 2013 وهو رقم يمثل ضعف عدد الفقراء قبل الثورة. كذلك، لفتت  نائبة المدير القُطري لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في دمشق، أليسار شاكر، إلى ارتفاع نسبة البطالة لتصل إلى "48.6% من اليد العاملة"، موضحة أن "فقدان ما يقارب مليوني فرصة عمل يعرض عشرة ملايين شخص للخطر"، في إشارة إلى العاطلين عن العمل والأشخاص الذين يعتمدون عليهم.

وبحسب المنتدى الاقتصادي السوري، فقد ارتفعت معدلات البطالة على نحوٍ كبير جداً خلال السنوات الأربعة الماضية، نتيجة القصف المركز على الممتلكات العامة والخاصة خارج سيطرة النظام، مما أدى إلى إغلاق الكثير من المعامل والشركات التي كانت توظف ملايين الأشخاص، ممن أصبحوا خارج القوى العاملة، خاصة في محافظتي حلب وريف دمشق. وفي السياق نفسه، ارتفعت معدلات البطالة من 10% عام 2010 إلى 48.8% عام 2012، واستمرت في الارتفاع لتصل إلى 60% حتى نهاية عام 2014.

النظام يحاصر الاقتصاد

في حال قسمنا سوريا إلى 3 مناطق: محررة، ومحاصرة، وخاضعة لنظام الأسد، فإننا سنجد أن المناطق المحاصرة هي الأكثر معاناة على كافة الصعد، ولا سيما البطالة وانعدام فرص العمل. في ظل حصار خانق يمنع دخول المواد والمستلزمات الغذائية وغيرها، ونزوح أعداد كبيرة من أهالي هذه المناطق، يتراجع النشاط الاقتصادي إلى أدنى مستوياته، أحياناً ينعدم تماماً. أما المناطق المحررة، فقد تكون أحسن حالاً، مع دخول البضائع من الحدود، كما هي حال مناطق حلب وإدلب المحررة، إلا أن القصف الجوي بالبراميل المتفجرة ذات الأثر التدميري الكبير، يبقى عائقاً كبيراً أمام استقرار السكان، ما يدفع بعضهم للنزوح أو اللجوء إلى خارج البلاد، كما أن هذه المناطق لم تحظ حتى الآن بإدارة مدنية حكومية من قبل المعارضة، ويقتصر دور الحكومة المؤقتة على مساعدة ما يعرف بالمجالس المحلية، والتي تقدم بعض الخدمات المحدودة.

في حين أن المناطق الخاضعة لسيطرة نظام الأسد، ولا سيما أحياء حلب الغربية، ومعظم أحياء العاصمة دمشق، والمحافظات الساحلية، لا تزال تشهد نشاطاً اقتصادياً متعدد الجوانب، وتحاول حكومة الأسد باستمرار الإبقاء على خدماتها الأساسية، وتسليم رواتب الموظفين، حتى أولئك الذين تعطلت أعمالهم بسبب تدمير المنشآت أو خروجها عن سيطرة النظام، وذلك على اعتبار أن هذه الرواتب شأن سيادي، وسيؤدي انقطاعها بدون شك إلى فقدان النظام دور الدولة الذي يحاول أن يلعبه. وبسبب الحواجز الكثيفة التي يفرضها النظام في مناطقه، فقد تعطلت الكثير من المهن، كتلك التي تعتمد على الاستيراد والتصدير، كما أن العديد من الأسواق الرئيسية في البلاد أغلقت أمام الكثير من الصناعات نتيجة هجمات النظام وقصفه المستمر على المناطق المحررة، وحصاره الخانق لبعض تلك المناطق.

أغلقت العديد من المصانع بسبب هذه الأوضاع الأمنية، كما أفلس الكثير من الصناعيين ولم يتمكنوا من متابعة الإنتاج في منشآتهم. مثال على ذلك، منطقة الشيخ نجار الصناعية في حلب، التي شهدت اشتباكات عنيفة بين كتائب الثوار وقوات الأسد وداعش، ألحقت الدمار بأجزاء واسعة منها، وأغلقت المصانع فيها بصورة كاملة. ونقل بعض أصحاب المصالح والصناعات أعمالهم إلى الخارج، تركيا والأردن ولبنان، بحثاً عن الوضع الأمني المستقر، وهرباً القصف والتدمير أو تسلط الشبيحة وعناصر المليشيات الموالية للأسد، التي تفرض الأتاوات على التجار والمعامل والمطاعم، وباتت تتحكم في العديد من الأنشطة الاقتصادية.

هربت المصانع من حلب خوفاً من تسلط الشبيحة والميليشيات التي تفرض الأتاوات

محاولات بديلة

رغم كل شيء، ظهرت أشكال جديدة من النشاط الاقتصادي بعد سيطرة الثوار على منابع النفط في المحافظات الشرقية، لا سيما في دير الزور، راجت صناعة استخراج النفط وتكريره ونقله إلى المناطق الغربية في حلب وإدلب وريف حماة ومناطق أخرى، وحتى تهريبه عبر الحدود إلى تركيا، ما أوجد فرص عمل جديدة وذات دخل عال، لكنها لم تدم طويلاً، إذ أحكم داعش سيطرته على الرقة ودير الزور وريف حلب الشرقي، ما عطل هذا النشاط الاقتصادي، أو أضعفه كثيرا في أحسن الأحوال. ومن جانب آخر، ظهرت فئة من التجار في المناطق المحاصرة، مثل الغوطة الشرقية، احتكرت عملية إدخال المواد الغذائية والمواد الأساسية، مستفيدة من الحصار الخانق، ما أدى لتفاقم معاناة الأهالي من جراء ارتفاع الأسعار بشكل خيالي.

وفي المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، استفاد أصحاب الصناعات البسيطة من إغلاق معظم المصانع المشابهة في مختلف المناطق، ما أدى إلى قلة المعروض واستمرار الطلب في أسواق تلك المناطق، وهو ما أنعش هذه الصناعات، ولكنه أسفر عن إثراء أصحابها، أكثر من تأمين فرص عمل للشباب، الذي بات يعاني بين مطرقة الغلاء وكلفة العيش الباهظة، وسندان سوء الأوضاع الأمنية، والخوف من الملاحقات التي تهدف لسحب أكبر عدد منهم إلى الخدمة العسكرية. والخدمة العسكرية تعني الموت المحقق. وتالياً، بات الخروج من البلد واللجوء إما إلى دول الجوار أو إلى الدول الأوروبية الخيار المفضل، وربما الوحيد لمعظم هؤلاء الشباب. لكن هل يجدّون الطريق دائماً؟ فسامر، لم يستطع أن يؤمن حتى تكلفة المواصلات.