البرازيل أمام فترة رئاسة

البرازيل أمام فترة رئاسة "ترامبية".. دروس من فوز بولسونارو

أمام كشك صحف في ريو دي جانيرو (أيفريستو سا/ألتراصوت)

ألترا صوت - فريق التحرير

كما حصل خلال العام 2016  عندما قللت العديد من جلسات التحليل الإخباري من توقعات فرص فوز المرشح الأمريكي للرئاسة آنذاك دونالد ترامب، شهدت البرازيل حالة شبيهة على مدار الأشهر الماضية بصدد المرشح اليميني المتطرف خاير بولسونارو. في نهاية جولة التوقعات الليبرالية واليسارية التطمينية فاز كل من ترامب وبولسونارو بمقاعد الرئاسة في بلديهما. 

إضافة لاشتراك بولسونارو الأسلوبي مع ترامب فإنه لم يغفل الهجوم على  الديمقراطية وتعميم تهمة الفساد على مجمل النظام الديمقراطي

كما اشتهر ترامب بعدة تسجيلات صوتية فضائحية ومقاطع فيديو أشد فظاعة بشان تحرشه بالنساء وعديد من القضايا العامة الأخرى، أتى بولسونارو إلى سدة الرئاسة بتاريخ حافل بالفضائحية والتنمر واستعداء قطاعات واسعة من المجتمع البرازيلي. مثلًا، حصل أن وجه بولسونارو حديثه لمرتين على التوالي لزميلات له في الكونغرس البرازيلي سابقًا، قائلًا لهما أنهما "أبشع من أن يتعرضن للاغتصاب"! ناهيك عن شتائمه العلنية بحق مواطنيه من ذوي الأصول الأفريقية أو السكان الأصليين وأبناء قبائل الأمازون. 

اقرأ/ي أيضًا: الانتخابات البرازيلية.. تقدّم أقصى اليمين بشعارات ترامبيّة

إضافة لاشتراك بولسونارو الأسلوبي مع ترامب فإنه لم يغفل الهجوم على  الديمقراطية وتعميم تهمة الفساد على مجمل النظام الديمقراطي. بل حتى أن الضابط السابق في الجيش قام  بامتداح الدكتاتورية العسكرية في البرازيل 1964-1985، ولم يجد أي عيوب في تلك الحقبة سوى أن دكتاتورية الجنرالات لم تقضي على الشيوعية في البلاد تمامًا. 

وفق المتداول في البرازيل، التي انتخبت بولسونارو بواقع 55% من الأصوات الصحيحة، عقب حملة تحريضية ترامبية تم استخدام فيها عشرات التكتيكات والمفاهيم الترامبية، فإن قطاعات واسعة من المجتمع البرازيلي تشعر باليأس حيال نتيجة الاقتراع الأخيرة. ليس فقط مثليي الجنس ولا سود البشرة ولا العمال، إنما أيضًا النساء. وفي هذا الصدد تقول عالمة الاجتماع البرازيلية – الفلسطينية سونيا عبد اللطيف لـ"الترا صوت": رغم السمات المحافظة للمجتمع البرازيلي في معظم الأقاليم إلا أن الشكوك كبيرة عن مدى قدرة هذا المجتمع تحمل رئيس بمثل صفات بولسونارو، خاصة أن البلاد أرهقت سابقًا من ثقل الدكتاتورية العسكرية، وها هو بولسونارو اليوم يعدها بما يتفوق على الإرهاق الجمعي الذي تسببت به حقبة حكم الجنرالات. 

يبدو أن القوى السياسية اليسارية والليبرالية في البرازيل بدأت تعيش حالة الندم اليوم، في أول صبيحة للبلاد مع نتائج اختيار بولسونارو لشغل مقعد الرئاسة، خاصة أن هذه القوى فوتت على مدار الأسابيع الأخيرة فرص الحشد والتوحد خلف مرشح قوي كان بإمكانه هزيمة بولسونارو لو تمتع بمزيد من الدعم على مستوى تحالف شعبي أوسع من قاعدة حزبه. إذ تعرض فريناندو حداد لإحدى أبشع حملات التشهير التي عرفها العالم في هذا القرن، بل وتم تصويره من قبل ماكينة بولسونارو الدعائية على أنه الغول الذي ابتلع البرازيل، علمًا أنه قضى مسيرته السياسية بين العمل النقابي العمالي والأكاديمي ولم تكال بحقه أي تهمة فساد أو أخطاء عدلية متعلقة بالشأن العام أو الخاص. 

يبدو أن القوى السياسية اليسارية والليبرالية في البرازيل بدأت تعيش حالة الندم  على عدم توحدها، في أول صبيحة للبلاد مع نتائج اختيار بولسونارو لشغل مقعد الرئاسة

من بين ما واجهه المرشح حداد على يد حملة بولسونارو، كان تحميله وزر إرث 4 فترات رئاسية حكم فيها حزب العمال اليساري، واجترار كل التهم، صحيحة وملفقة، التي مورست دعائيًا ضد الحزب طوال العقدين الماضيين وتركيزها على كتفي حداد. تمامًا بما يشبه هجوم ترامب على المدافعين عن حقوق الإنسان في بلاده متهمًا إياهم بمحاولة فتح أبواب البلاد كي يتم احتلالها من المهاجرين والمسلمين!

اقرأ/ي أيضًا: لماذا عادت الشعبوية إلى صدارة المشهد العالمي؟.. إجابات لاتينية

من الدروس المستفادة، عالميًا وليس فقط برازيليًا، في حالة ترامب وحالة بولسونارو مؤخرًا، أن التقليل من أهمية أو خطورة أي من المرشحين لم يجدي نفعًا، بل أسهم في مفاجئة وصول اليمين المتطرف العنصري والشعبوي للسلطة عبر حملة شعواء تخلط بين السذاجة الخطابية والرسائل الفضائحية وإعادة إنتاج أي أكاذيب قابلة للترويج. خاصة عبر منصات "السوشال ميديا" التي أنفق عليها بولسونارو ذات المقدار الذي أنفقه على بقية جوانب حملته الرئاسية.  

مما قد يشرح بعضًا من الزخم التصويتي الذي حازه بولسونارو ما قاله سبستيان إلما غورتيز من حركة فلاحون دون أرض البرازيلية لـ"التراصوت" بشأن إقبال الناخبين على منح أصواتهم للمرشح الفاشي المتطرف بولسونارو على حساب المرشح اليساري التحرري حداد، إذ قال غورتيز "العديد من الناس يرون أن بولسونارو يمثل كل شيء يرفضون الإيمان به، تجدهم ضد العنف بينما هذا المرشح يدعو للعنف، تجدهم ضد السلاح بينما بولسونارو يدعو إلى حمله وتعميمه والعودة لأسوأ ما شهدته البلاد في ظل الدكتاتورية العسكرية، لكن في الوقت عينه يفترض أن نتفهم حاجة الناس للتغير، وإن بغير وعي تام لثمن هذا التغيير، فالعديد من الناس سئموا من حكم حزب العمال، وحملوا أخطاء الحزب لمنافس بولسنارو".

أما عن "عدمية" اختيار بولسونارو يضيف غورتيز "أسهم حزب العمال في إعادة توزيع الأراضي على الفلاحين وتمليكها، وعلى منح العمال المزيد من الحقوق والاستحقاقات، كما ساعد البلاد في توسيع قاعدتها الإنتاجية وتوسيع الطبقة الوسطى، لكن أمام تهم الفساد، سواء صحت أم لا، تشهد بحرًا من الدعاية المتداولة التي لا شك تنسي الناس كل الإيجابيات التي شهدوها وتقنعهم بأن الأحوال كانت أسوأ مما يمكن أن يجلبه بولسونارو، لذلك يمكن القول أننا في عالم يقع ضحية قوة الدعاية مرارًا". 

من الدروس المستفادة، في حالة ترامب وحالة بولسونارو مؤخرًا، أن التقليل من أهمية أو خطورة أي من المرشحين لم يجدي نفعًا، بل أسهم في مفاجئة وصول اليمين المتطرف العنصري والشعبوي للسلطة

هذا وتتصاعد المخاوف متعددة الجوانب مما سيجلبه بولسونارو للبلاد في حقبته، إذ يحذر المدافعون عن البيئة وعن مجتمعات الأمازون من أنه سيفتح وادي الأمازون أمام شركات الاحتطاب وشركات التنقيب عن النفط والتعدين على مصراعيه دون أدنى حساب لمصالح البيئة أو السكان.

في الوقت عينه تسود وجهة نظر تحذر من خطورة سياسات بولسونارو على أمن البلاد، إذ اشتهر خطابه بالشحن العنصري والتحريض على العنف كما أنه مؤمن بالدكتاتورية العسكرية. إضافة لكل هذا تسود التخوفات من نوايا الرئيس الجديد توسيع الخصخصة والقضاء على القطاع العام في البلاد للحدود الدنيا، وفتحه الباب أمام جنرالات الجيش والمخابرات للتدخلات السياسية في البلاد، والأهم بالنسبة لبقية العالم إلى جانب الناخب البرازيلي، أن من المتوقع أن يقف بولسونارو ضمن عباءة ترامب بالكامل في سياساته الخارجية، محولًا بذلك البرازيل نحو واقع جمهوريات الموز الذي تفرضه السياسات الأمريكية على كثير من دول أمريكا الوسطى وبعض دول القارة الأمريكية الجنوبية. 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

ما وراء خطوط الشعبوية.. هل هو عصر إذابة الدولة القومية الحديثة؟

هل تحكم الشعبوية المجتمع الغربي؟