البذاءة السياسية وانعدام اللباقة الدبلوماسية تفضحان صورة نتنياهو
20 أغسطس 2025
لا تمرّ العلاقات الأوروبية ـ الإسرائيلية بأفضل حالاتها، فمع تزايد إعلان العواصم الأوروبية عن نيتها الاعتراف بالدولة الفلسطينية في أيلول/سبتمبر المقبل، تتصاعد التوترات وتطفو على السطح مع مهاجمة المسؤولين الإسرائيليين لنظرائهم الأوروبيين، متهمين إياهم بتغذية معاداة السامية والتخلي عن إسرائيل وعن يهود أوروبا.
باريس وتل أبيب
هاجم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشدة الموقف الفرنسي بشأن الاعتراف بالدولة الفلسطينية، معتبرًا أنّ دعوة الرئيس إيمانويل ماكرون للاعتراف بفلسطين "تؤجج نيران معاداة السامية". وزعم نتنياهو أنّ نسب معاداة اليهود ارتفعت بشكل قياسي في فرنسا عقب تصريحات ماكرون.
وفي بيان شديد اللهجة، نفى نتنياهو عن المساعي الفرنسية صفة "الديبلوماسية"، واصفًا إياها بأنها "مكافأة لإرهاب حماس وعنادها في رفض إعادة الأسرى وتسليم سلاحها". وأضاف في رسالته الموجهة إلى الإليزيه أنّ هذه الخطوة "تشجع من يهددون اليهود الفرنسيين، وتغذي موجة الكراهية التي تجوب الشوارع الفرنسية".
وختم نتنياهو رسالته بدعوة باريس إلى "استبدال الضعف بالفعل، والتساهل بالحزم، وذلك قبل موعد واضح: رأس السنة العبرية في 23 أيلول/سبتمبر المقبل".
من المنتظر أن تعلن باريس بحلول أيلول/سبتمبر من العام الجاري عن اعترافها رسميًا بدولة فلسطين
يشار إلى أنّ باريس تقود جهودًا دبلوماسية للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وذلك ردًّا على ما تعتبره تعنّتًا إسرائيليًا في وقف الحرب على غزة المستمرة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، واستخدام التجويع كسلاح عبر منع إدخال المساعدات المتكدسة عند المعابر، وتحويل نقاط توزيع الإغاثة المحدودة إلى مصائد موت للفلسطينيين.
ومن المنتظر أن تعلن باريس، بحلول أيلول/سبتمبر المقبل، اعترافها رسميًا بدولة فلسطين، وفق تعهد سابق أطلقه الرئيس إيمانويل ماكرون. وقد تبنت عدة عواصم أوروبية التوجه ذاته، من بينها إيرلندا والنرويج ومالطا، إلى جانب دول أخرى ككندا وأستراليا.
رد الإليزيه
كان رد الرئاسة الفرنسية على رسالة نتنياهو قويًا، إذ وصفت الربط الذي أقامه رئيس الوزراء الإسرائيلي بين الاعتراف الفرنسي بفلسطين ومعاداة السامية بأنه "دنيء ومبني على مغالطات". وأكد الإليزيه أن تطاول نتنياهو على فرنسا وقيمها الجمهورية "لن يمر دون رد"، مشددًا على التزام الدولة الفرنسية بحماية "مواطنيها اليهود". وأضاف البيان: "نمر بفترة تتطلب التصرف بجدية ومسؤولية، لا التشويش والتلاعب".
وفي السياق ذاته، قال الوزير الفرنسي المنتدب للشؤون الأوروبية، بنجامان حداد، ردًا على نتنياهو: إن فرنسا "لا تحتاج إلى دروس في محاربة معاداة السامية".
تفاقم التوتر مع كانبيرا
لم يتوقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عند مهاجمة الموقف الفرنسي، بل وجه أيضًا هجومًا لاذعًا إلى نظيره الأسترالي أنتوني ألبانيزي، واصفًا إياه بـ"السياسي الضعيف الذي خان إسرائيل وتخلى عن يهود أستراليا". وجاءت تصريحاته على خلفية موقف كانبيرا الداعم للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وانتقادها قرار الحكومة الإسرائيلية سحب تأشيرات الدبلوماسيين الأستراليين لدى السلطة الفلسطينية، واعتباره "ردًا غير مبرر" على إلغاء أستراليا تأشيرة دخول سياسي إسرائيلي من أقصى اليمين.
وردًا على هذه التصريحات، قال ألبانيزي، اليوم الأربعاء، إنه "يعامل قادة الدول الأخرى باحترام"، مضيفًا: "لا آخذ هذه الأمور على محمل شخصي، أتعامل مع الناس بشكل دبلوماسي. نتنياهو قال أمورًا مماثلة عن زعماء آخرين".
وأوضح رئيس الوزراء الأسترالي أنه نقل لنتنياهو "إشارة واضحة حول وجهة نظر أستراليا بشأن مستقبل الصراع"، مشيرًا إلى أنه "منحه فرصة لتحديد الحل السياسي لكنه لم يغتنمها". وأضاف أن قراره الأخير جاء بعد "سقوط أعداد كبيرة من المدنيين في غزة ومنع دخول المساعدات"، معتبرًا أن "المجتمع الدولي والأستراليين كذلك يرون الأمر بالطريقة نفسها".
"نموذجًا للسياسي الفاسد"
فضلًا عن كونه مطلوبًا لدى المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة، فإن بذاءة نتنياهو السياسية وانعدام اللباقة الدبلوماسية لديه أظهراه أمام قطاع كبير من الإعلام العالمي والإسرائيلي باعتباره "نموذجًا للسياسي الفاسد" الذي يفتقر إلى الأخلاق وحسن إدارة الاختلاف مع نظرائه من الساسة عالميًا.
ومصداقًا لذلك الاستنتاج، قالت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، في مقال للكاتب سيفر بلوكر، إنّ نتنياهو "أصبح رمزًا للسياسة الفاسدة والمتعجرفة والخالية من الضوابط الأخلاقية". ولعلّ هذا ما يفسر جزئيًا تزايد أعداد الملتحقين بالمظاهرات الداعية في إسرائيل إلى وقف الحرب واستقالة نتنياهو، الذي ربط مستقبله السياسي في السلطة بالحرب، ولذلك لا يريد لها أن تنتهي، رغم حالة الاستنزاف التي يتعرض لها جيش الاحتلال والتي تدفعه إلى استدعاء المزيد من قوات الاحتياط.






