البحر ليس لأمثالنا

البحر ليس لأمثالنا

حامد عويس/ مصر

(يا أم هارون لو كنت أعطيتي ابنك ما طلب، أكان سيقتل كامل؟)

***

في ظلمة الليل، ثبتته المطواة في جانبه، فثبت وقال ثبتُ.

جاءت سيارة من أقصى الطريق، فظن أنه الفرج، وقبل أن يلوح لها مستنجدًا، سبقته يد اللصوص بالرصاص في الهواء ففرت العربة، وفرَّ الفرج، ولكن أيعود الذي لاحت الشجاعة عروس عينيه ليثبت ويقول ثبتُّ؟ لا لن يعود، بل سيثبت ويقاتل، ويكون من بين هؤلاء اللصوص حديث عهد بالشطارة، مجرور بالحاجة إلى سلوك المنسر، فيطلق الرصاص على كامل فيسقطه بين حالم ومقتول، ويحمله وباقي اللصوص إلى البحر فيلقون به، تتلقفه "الأمواج/ المراكب" إلى حال سبيله الأبدي.

كان يمكن لكامل أن يتلافى ذلك كله إذا استمع لنصيحة عمه وبات في البلد حتى الصباح، وكان بذلك سيُضيّع الفرصة على اللصوص أن يظفروا بكيس أمواله الأسود، لكن كامل لم يكن ليفعل ذلك، فالحمية في قلبه وفي قلب بعض نَسله من بعده، كالدودة تأكل في الإلية لا يسد نهمها إلا مذاق الغائط، ولم تكن لترتاح، دودة كامل، إلا بعد أن يصل إلى بيته ويفاجئ أهله بما كان من خبر الأرض وبيعها.

أما اللصوص فكان يمكنهم أن يستبدلوا هارون، حديث العهد بالسرقة، بآخر، أو يخرجوا دونه، لكن هارون كان سيخرج معهم أو بدونهم، فهو مجرور لا محالة إلى طريق المنسر، وكان سيقتل إما كامل أو غيره.

***

خرج من الغيطان، من بين الغيطان حيث يَكِن، وذهب ناحية بيته، كانت أمه تنام على الكنبة بجوار الباب وأخته تنظف "المواعين" بالمطبخ، رمى السلام، فلم يرجع إليه ردٌ. دخل إلى غرفة أخته، ومن بين ملابسها أخرج جلبابين وقميص نوم وألبسة داخلية.. ماذا تفعل ياهارون.. ليس لكِ صالح بما أفعل.. يا أمي الحقي هارون يأخذ الملابس من دولابي.. يا شرموطة أتخيفنني بالقحبة التي تنام على الباب، سأخرج وأريد أن توقفني إحداكما لترى ما أنا فاعل بها.

كان هارون يعرف أمه، يسبها فتعطيه الذي يريده؛ يقول لها يا شرموطة ويا قحبة ويا وسخة، ولكنها، وقبل أن يفارق العتبة، تعطيه مايريد. لذا فهو، بعد أن أخذ الملابس من دولاب أخته، ذهب ناحيتها وطلب منها أموالًا، فرفضت وسبها بما يسبها به كل مرة، لكنها هذه المرة بالذات لم تعطه أي أموال، وكان ذلك في الليلة التي سبقت مقتل كامل.

كان له صديق، تعرفا إلى بعضهما في شدة حشيش، وكان هارون في تلك الأثناء صاحب مال؛ حيث ادخر من عمله –خمس سنوات بورشة خراطة- أربعة آلاف جنيه، يصرف منها على مزاجه، وفي إحدى الجلسات فاتحه رفيق الكيف في رغبته بأن يضمه إلى عصبة المنسر التي يعمل معها، فلم يكترث هارون وقتها، وفي كل مرة، كان صديقه يحكي له فيها عن طرائف وأهوال مغامراته، كان في النهاية ينصحه بضرورة الانضمام معه إلى تلك العصبة، وفي النهار الذي خذلته فيه أمه، ذهب إلى صاحبه، وكان حظ هارون ذهبيًا؛ إذ كانت العصبة تتحضر لسرقة كامل، وفي اللحظة التي استغاث فيها كامل بقوته بعد أن ضاعت العربة في دروب الهروب من إطلاق الرصاص، وجه إليه هارون فوهة سلاحه، كطفل أهوج يضرب أمه التي لم توافقه فيما يريد، فأسقطه قتيلًا.

عرف هارون طريق الغيطان، بدعوة من ضرغام، وضرغام هذا لقب آلته الذكرية إذا أراد لها تدليلًا، خُبر أن صديقًا له هناك ومعه امرأة، وكان يريد أن "يتعامل"، لكن بينه وذلك الصديق عراك قديم، خصَّمه هارون؛ أبلى جسده ضربًا، بينما فاز منه صديقه فقط بطعنة سكين في ذراعه، لذا فعندما طلب ضرغام تحضر هارون إذ دخل الغيطان.. قال لصديقه أريد أدخل معك أو بعدك حتى، فرفض الصديق، فأخرج هارون سكينه من جانبه وضرب بها يد المرأة فأطار لها إصبعين. ومن يومها ولَّف الغيطان.

وفي شدة حشيش قوية، نصحه رفيق مزاجه بأن يفتح صدره لها بمضغة أفيون قدر حبة عدس، وسحبه المزاج إلى حبتين ثم ثلاث فأربع، وصار الصحن يمتلئ أمامه بالأفيون فيأكل نصفه ويحرق الباقي ليستنشقه، لقد أصبح يحبه أكثر من أمه وأبيه، حبًا يضاهي حبه لضرغام ذاته، ولا يفارق ألفته إلا إذا خرج إلى الطريق ليشتريه أو يصطاد أختًا له في المزاج، فيقضيان ما تيسر من الوقت معًا، وعندما يمل منها يضربها بأي حاد كان ثم يطلقها، وهي ونصيبها كيف يكون، إصبع يطير.. يد تنجرح، أما إذا كانت ممتلئة الردفين، قطَّع من لحم إليتها قطعة للتذكار.

ولما قضت أمواله نحبها، جاءت زيارته إلى أمه، ولما كانت تحيض المرأة إلى جواره كانت زياراته إلى دولاب أخته.

***

كانوا جلوسًا في مندرة العائلة، العم عبد الصمد، وكامل الذي سيبيع، وإبراهيم أبو أحمد الذي سيشتري، والعم غازي وابن العم سعد الشاهدين على البيع... حلال عليك يا إبراهيم.. مبارك لك يا "كامل".

كان الوقت بعد عصرِ حدود المغيب، وجاء طعام العشاء، وانبسط الجميع في مجالسهم، تشاركوا الأحلام والمستقبل.. سأبني دارًا ياعم غرب البلد.. لم تبعد عنا؟.. أنا بينكم ولكن الناحية هناك أروق وهوائها يشم من رائحة البحر.. على البركة، ومتى يكون ذلك... قريبًا، قريبًا جدًا فقط أريد أن أدبر مبلغًا أكبر من ثمن الأرض، فأنت تعرف البناء وتكلفته.. رزقك الرازق وبارك لك فيما معك.. إذن أقوم لأعود إلى البيت حتى ألحق بالمعدية.. الليل أعمى يا كامل فلتنتظر للصباح، بات معنا وغدًا عُد... اعفني ياعم فلدي ما يشغلني في الصبح، أنت تعرف تسجيل العقود وجع قلب.. بات وبكر في الاستيقاظ واخرج من هنا مع إبراهيم أبو أحمد فسجلا العقد كما تريدان ثم عد إلى منزلك.. لا يعلمون في البيت ببياتي معكم وأخشى قلقهم.. إذن يوصلك سعد ويعود.. لا تتعب نفسك يعم أأتوه، أم صغير أنا سيخطفني المنسر.. لا ولكن الليل أعمى وأنت والكيس معك صيد ثمين.. لا تقلق عليَّ يا عم، جالستكم العافية، السلام عليكم.

***

خرج من الغيطان، من بين الغيطان حيث يَكِن، وذهب ناحية بيته.

أمام كل بيت مصطبة وحصير مبسوط عليها فوقه ورجل أو اثنان يشربان الشاي أو يمتصان الظل من أعقاب السجائر، وفي الطريق، مارًا بهم، يرمي هارون السلام فلا يأتيه رد... يا ولاد الكلب.

لم يدخل هارون بيته، دلف -أولًا- إلى المنزل؛ فقط سحب من خلف الباب حصيرة، ثم خرج ففرشها فوق المصطبة، جلس فأخرج سكينه لفها في الهواء ثم اتكأ عليها نصف ساعة أو يزيد، تفل على الأرض ثم دخل بيته، كانت أمه تنام على الكنبة بجوار الباب وأخته تنظف المواعين بالمطبخ، رمى السلام، فلم يأته رده، فدخل إلى غرفة أخته، ومن بين ملابسها أخرج جلبابين وقميص نوم وألبسة داخلية.. ماذا تفعل ياهارون.. ليس لكِ صالح بما أفعل... يا أمي الحقي هارون يأخذ الملابس من دولابي... يا شرموطة أتخيفنني بالقحبة التي تنام على الباب، سأخرج وأريد أن توقفني إحداكما لترى ما أنا فاعل بها.

كانت أمه قد رأته وهو يفرش الحصير على المصطبة، وعرفت غرضه من الزيارة، فأخرجت من قلبها مائة جنيه وضعتها أسفل الوسادة التي تنام عليها، كانت ستعطيها إليه مباشرة، ليس خوفًا منه فقط، وإنما لأنها لا تريد له الوجيعة كذلك، يكفيه من المصائب الحال الذي صار جسده إليه، هي السبب فيما جرى له -لكنها لا تفقه كيف وما هو ذلك السبب فيما آل إليه- تظن أن عنادها حل لحاله، فتعند؛ فيقول لها يا شرموطة ويا قحبة ويا وسخة، فتزداد عنادًا، لكنها ترق بأي حال عندما تلمح في جفنيه السواد وفي جلده الزرقة بعد البياض، فتحن آسىً على حاله.

... أريد فلوس... امش يا بن الكلب واذهب للشرموطة الملقاة إلى جوارك بالغيطان... الشرموطة هي أنت، أقولك لك أريد مالًا... لن أعطيك.

رغم أنها تتكئ على المائة جنيه التي حضَّرتها لإعطائها له، لكنها في هذه اللحظة بالذات قررت ألا تعطيه أي شيء، حتى لو قتلها، لقد عقد العند قلبها.

(ماذا أنا فاعل بك يا أم هارون؟ أيقتلك ابنك بدلًا من قتله كامل؟ ... قتل! لا لن يقتلك.. هناك فكرة أفضل).

أريد فلوس... امش يابن الكلب واذهب للشرموطة الملقاة إلى جوارك بالغيطان... الشرموطة هي أنت، أقولك لك أريد مالًا... لن أعطيك. رفع هارون يده مقررًا ضرب أمه، وقبل أن تهوي على لحمها، هرعت أخته إلى أسفل الوسادة ثم ألقت المائة جنيه في وجهه، فأخذها وخرج.

عاد للغيط، وضرب امرأته فقطع حاجبها ورماها خارج الخُص الذي يكن فيه، جاءه صديقه بالمزاج فأشعل النار وعاد إلى المرأة فأدخلها وشربا ثلاثتهما.. ستأتي معي الليلة؟.. نعم سآتي.. هيا بنا إذن.

***

اثبت، وقل ثُبت..

لم يشعر كامل بفوهة البندقية في جنبه، إلا عندما سمع اللصوص من خلفه يطالبونه بما في يده، فلم يك يرى منهم غير أعين لامعة أضاءت الخوف في قلبه بين ظلمات الليل.

... اعطنا كل ما معك!

كاد كامل ليصدق أنها ساعة نحسه ويعطيهم كل ما حمل، لولا أن رأى حافلة قادمة على الطريق يضيء نورها الشارع من بعيد، فأيقن أنها ساعة فرجه، فأبى أن يعطي اللصوص الكيس الأسود، وقبل أن تهدئ السيارة من سرعتها تلبية لاستغاثته، أطلق اللصوص النار عليها ففرت هاربة، فما كان من كامل إلا الثبات والمقاومة، فغافله هارون وضربة بمؤخرة البندقية على رأسه فسقط خائر القوى، وكان اللصوص سيتركونه ويهربون، لولا أنه حاول التشبث بأقدامهم وهم يهمون بالفرار، فرفسه أحدهم ليتدحرج من أعلى الطريق إلى رصيف المعدية فيسقط في الماء، مسلمًا للبحر جسده طافيًا على سطحه بين حالم وفاقد للوعي.