البحر القاتل: مأساة مهاجري غرب إفريقيا المتكررة في الأطلسي
29 أغسطس 2025
تحولت رحلة البحث عن حياة أفضل إلى كابوس مميت على مياه الأطلسي، عندما انقلب زورق صغير على متنه نحو 160 مهاجرًا من السنغال وغامبيا قبالة سواحل موريتانيا. ولم يتمكن خفر السواحل الموريتاني من إنقاذ سوى 17 شخصًا، جميعهم رجال، بينما ابتلع البحر البقية في مأساة مؤلمة.
الناجون يروون قصصًا مؤلمة عن رعب البحر والموت القريب. أحدهم قال لمراسلة إذاعة "فرنسا الدولية": "لقد سبحنا أكثر من ساعة تحت الظلام، نتمسك ببعضنا البعض فقط لكي نعيش". كانوا على بعد حوالي 80 كيلومترًا شمال العاصمة نواكشوط عندما رصدتهم دورية خفر السواحل حوالي الحادية عشرة والنصف مساء الأربعاء الماضي، شمال ميناء تانيت.
تفاصيل الحادث
وفقًا للناجين، كان القارب قد غادر غامبيا قبل أسبوع ويقل نحو 160 شخصًا من السنغال وغامبيا. تعطل محرك الزورق أثناء الرحلة، وأرسل المهرب زورق إنقاذ من موريتانيا لمساعدتهم. لكن عند محاولة نقل المحرك المعطل، أصيب الركاب بالذعر وتشبثوا بقارب الإنقاذ، مما أدى إلى انقلاب الزورق.
انقلب زورق صغير على متنه نحو 160 مهاجرًا من السنغال وغامبيا قبالة سواحل موريتانيا. ولم يتمكن خفر السواحل الموريتاني من إنقاذ سوى 17 شخصًا
مقطع فيديو صوّره مواطنون سنغاليون أظهر عشرات الجثث التي جرفتها المياه وتناثرت على أحد الشواطئ الموريتانية، وعُثر على أوراق هوية بعض الضحايا، بما في ذلك مواطن سنغالي من منطقة توبا.
أوضحت مراسلة إذاعة "فرنسا الدولية"، ليا ليزا ويسترهوف، أن الناجين السبعة عشر هم 11 سنغاليًا و6 من غامبيا، وقد نجوا بعد أن سبحوا لأكثر من ساعة للوصول إلى الشاطئ.
ومنذ مساء الأربعاء، واصلت دوريات بحرية وبرية البحث عن ناجين محتملين، وسط استمرار ارتفاع أعداد المهاجرين الذين يخاطرون بحياتهم على هذا الطريق المائي.
الناجون بين الصدمة والأمل
الناجون السبعة عشر تحدثوا عن معاناتهم في البحر: الجوع والعطش، والبرد في الليل وحرارة الشمس أثناء النهار، والعزلة في وسط المحيط، كلها عوامل جعلت من الرحلة معركة للبقاء على قيد الحياة. يقول أحدهم: "كنا نرى الموت أمام أعيننا، كل موجة كانت تهددنا بالغرق".
رغم ذلك، نجحوا في الوصول إلى الشاطئ، وتمت رعايتهم من قبل السلطات الصحية والإدارية، وسط استمرار البحث عن ناجين محتملين.
طريق الهجرة المميت
على مدى السنوات العشر الماضية، أصبح الطريق البحري من ساحل غرب إفريقيا إلى جزر الكناري في إسبانيا أحد أكثر المسارات خطورة للمهاجرين من جنوب الصحراء الكبرى. يسلك الراغبون في الهجرة هذا الطريق هربًا من الفقر والبطالة وانعدام الفرص، مستخدمين زوارق صغيرة غير صالحة للإبحار لمسافات طويلة، مقابل دفع مبالغ مالية للمهربين.
تبلغ المسافة نحو 1500 كيلومتر وتستغرق الرحلة عدة أيام، غالبًا في ظروف قاسية تشمل الجوع والعطش وأشعة الشمس الحارقة والعواصف، ما يعرض المهاجرين لمخاطر جسيمة.
على مدى السنوات العشر الماضية، أصبح الطريق البحري من ساحل غرب إفريقيا إلى جزر الكناري في إسبانيا أحد أكثر المسارات خطورة للمهاجرين من جنوب الصحراء الكبرى
على الرغم من انخفاض أعداد الوافدين إلى جزر الكناري خلال 2025، وفق وزارة الداخلية الإسبانية، لا يزال الطريق قاتلًا. وفقًا لتقرير صادر عن منظمة "كاميناندو فرونتيراس" الإسبانية غير الحكومية، فقد لقي 10.457 مهاجرًا حتفهم أو فُقدوا أثناء محاولتهم الوصول إلى إسبانيا عبر البحر في عام 2024، مما يمثل زيادة بنسبة 58% مقارنة بالعام السابق. فيما سُجلت 1482 حالة وفاة خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2025 فقط.
الحاجة الماسة لحماية المهاجرين
مأساة الزورق المقلوب أمام سواحل موريتانيا لا تقتصر على حادث مأساوي وحسب، بل هي تذكير صارخ بالقسوة اليومية التي يواجهها آلاف المهاجرين الساعين وراء حياة أفضل. وراء كل رقم إحصائي، هناك قصص حقيقية لأشخاص تركوا أسرهم ووطنهم، ليغامروا بحياتهم على مياه المحيط في رحلة محفوفة بالموت.
تظل الحاجة ملحة لوضع حلول إقليمية ودولية تضمن سلامة هؤلاء المهاجرين، من خلال مراقبة رحلاتهم، وتوفير بدائل قانونية وآمنة للهجرة، والحد من اعتمادهم على شبكات المهربين الخطرة. كما يبرز هذا الحادث أهمية تعزيز آليات الإنقاذ السريع، وتحسين التعاون بين الدول الساحلية، لضمان ألا تتكرر مثل هذه الكوارث المأساوية.