البحث عن أفريقيا

البحث عن أفريقيا

جدار في بورتو ريكو

من يدرس الأدب الإنجليزي، لا بد وأن يمر على قصيدة "بِيولف" Beowulf. وقصيدة "بيولف كتبت حول العام 1000 للميلاد بما يعرف بالإنجليزية القديمة، وهي إحدى أولى مراحل نشوء وتطور اللغة الإنجليزية، وتختلف تمامًا عن الإنجليزية التي بين أيدينا اليوم. ولكي نمنح القارئ غير المطلع نبذة سريعة عن هذه القصيدة، يكفي اختصارًا أن نذكر ما يأتي.

مريد البرغوثي: يكفي أن تبدأ حكايتك من (ثانيًا) حتى يصبح غاندي هو المسؤول عن مآسي البريطانيين!

بيوولف هي قصيدة ملحمية يرجع تاريخها إلى الفترة بين القرن الثامن والحادي عشر للميلاد في بلاد ما يعرف اليوم بالسويد والدنمارك. وتحمل القصيدة اسم الشخصية الأساسية فيها وهو بطلها "بيولف". وبيولف هو رجل وقائد يصفه راوي القصة بأسمى شمائل الشجاعة والبطولة والبسالة والمروءة، وأنه لا يتردد أبدًا في مساعدة من يطلب نجدته. يتلقى بيولف طلب نجدة من ملك الدنماركيين ويدعى خروثغار ليساعده في وضع حد لهجمات وحش يدعى "غرندل". وغرندل هذا هو أول شخصية شريرة يواجهها بيولف، حيث يتمكن بيولف من قتله. بعد ذلك تعتزم والدة غرندل الانتقام لمقتل ابنها فيقتلها بيولف هي الأخرى. في النهاية يعود بيولف إلى بلاده ويصبح ملكًا عليها، ثم يضطر لخوض آخر معركة في حياته وعدوه هذه المرة هو تنين ضخم لم يذكر اسمه في القصة. يتمكن بيولف بعد مواجهة شرسة من القضاء على التنين، إلا أنه يصاب بجرح بليغ يتسبب في وفاته هو الآخر بعد ذلك.

اقرأ/ي أيضًا: تاريخ كتالونيا في 300 صفحة

إلا أن الموضوع الأساسي هنا هو من يكون غرندل بالضبط؟ فمن وجهة نظر الراوي، فإن غرندل يصوَّر لنا على أنه وحش بشع همجي متعطش للدماء ويهاجم في آخر الليل بينما الناس نيام. بل إن راوي القصة يدعي على غرندل بأنه من سلالة قابيل (أي قابيل بن آدم الذي قتل أخاه هابيل)! لكن كيف نصدق أن هذه هي الحقيقة؟ وما الذي قد يدفع غرندل حقا إلى الانقضاض على خروثغار وقتل رجالها؟ هل هو فعلا وحش همجي عديم الرحمة فعلا؟ أم أن ثمة تفاصيل أخرى حول القصة وحول شخصية غرندل أخفاها الراوي عنا عن قصد أو من دون قصد؟ ولماذا لم يسمح الراوي لنا بأن نستمع إلى وجهة نظر غرندل من فمه شخصيًا؟

في عام 2009، ألقت الكاتبة النيجيرية تشيماماندا نغوزي أديتشي محاضرة في مؤتمر "تيد" بعنوان "خطورة القصة الواحدة". وتعرّف أديتشي مصطلح "القصة الواحدة" بأنه الرواية أو السردية التي تروى حول شعب ما أو مجموعة معينة من البشر لتظهرهم بصورة معينة، تكون سلبية في الغالب، مغفلة تمامًا التفاصيل السابقة أو المحيطة بهذه الصورة. فتكون النتيجة انطباعا خاطئًا مغلوطًا بعيدًا عن الحقيقة حول ذلك الشعب أو تلك المجموعة. ولتوضيح فكرتها، تذكر أديتشي مقولة للشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي يقول فيها: "يكفي أن تبدأ حكايتك من (ثانيًا) حتى ينقلب العالم.
يكفي أن تبدأ حكايتك من (ثانيًا) حتى تصبح سهام الهنود الحمر هى المجرمة الأصيلة، وبنادق البيض هى الضحية الكاملة!
يكفي أن تبدأ حكايتك من (ثانيًا) حتى يصبح غضب السود على الرجل الأبيض هو الفعل الوحشي!
يكفي أن تبدأ حكايتك من (ثانيًا) حتى يصبح غاندي هو المسؤول عن مآسي البريطانيين! يكفي أن تبدأ حكايتك من (ثانيًا) حتى يصبح الفيتنامي المحروق هو الذي أساء إلى إنسانية النابالم!".

غياتري سبيفاك: كيف يمكن دراسة ما يسمى بـ"العالم الثالث" مثلا بمعزل عن تطفل المشروع الاستعماري تجاهه؟

وبهذه السياسة، أي سياسة "القصة الواحدة"، يتكوّن الإنسان الذي يسمى في ضوء فلسفة أنطونيو غرامشي بـ"السب آلترن" subaltern، أو "التابع". والتابع هنا هو ببساطة شديدة فرد أو مجموعة من الناس لا يملكون صوتًا يعبّرون به عن أنفسهم، وإنما هم يذعنون لصوت الآخر وهو يتحدث بالنيابة عنهم وفقًا لوجهة نظره هو، وكأنها هي الحقيقة. من هنا يمكننا أن نقول بأن شخصية غرندل في قصيدة بيولف تمثل تجسيدًا قويًا لفكرة الإنسان التابع. فكما يقولون، إنما يُكتب التاريخ دائما بقلم الطرف المنتصر المتغلّب. هذه للأسف حقيقة تاريخية راسخة رغم كل ما بها من سوء وظلم.

اقرأ/ي أيضًا: تاريخ "الحنفية".. صراع اللغة والفقهاء

لكن السؤال هو، هل هذه الحقيقة عصية على التغيير؟ أو بمعنى آخر، هل بالإمكان العمل على إبطال مفعول هذه الحقيقة، إذا صح التعبير، وخلق واقع جديد حيث يمتلك التابع صوته المستقل ليسمع العالم كله قصته الحقيقية أو على الأقل، جانبه الحقيقي منها؟ كان هذا عنوان مقال شهير كتبته الباحثة الهندية غياتري سبيفاك وهو بعنوان "هل يمكن للتابع أن يتكلم؟". ولأن الحديث حول طرح سبيفاك قد يطول كثيرًا، يمكن الاكتفاء بالقول بأن سبيفاك هي واحدة من ثلاثة مفكرين وضعوا اللبنات الأولى لما يعرف بدراسات ما بعد الكولونيالية، والاثنين الآخرين هما المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد، والمفكر الهندي أيضا هومي بابا.

وفي مقالها سالف الذكر، تطرح سبيفاك تساؤلًا مهمّا وهو: كيف يمكن دراسة ما يسمى بـ"العالم الثالث" مثلا بمعزل عن تطفل المشروع الاستعماري تجاهه. بمعنى أوضح، كيف يمكن دفع العالم الثالث للانعتاق من براثن الإطار الاستعماري الذي بقي حبيسه فترة طويلة، وجعله يتحدث ويعبّر عن ذاته بنفسه أمام العالم؟ وكمثال، تناقش سبيفاك عادة قديمة في المجتمعات الهندية تعرف بـ"الساتي"، وهي طقس تقوم فيه الزوجة عند وفاة زوجها، عن رضا وقناعة في معظم الحالات، بإحراق نفسها بجانب جثمان زوجها المتوفى. 

من هنا، ظهرت تحرّكات ثقافية وأدبية وسياسية عديدة في القارة السمراء وفي المهجر، وخصوصًا في القارة الأمريكية في محاولة تحقيق هذا الهدف. نأخذ من بينها مثلًا تيّار حركة "الزنوجة"، وكان من أبرز قادته الشاعر والأديب والمفكر والرئيس السنيغالي الأسبق ليبولد سيدار سينغور، وبالمناسبة، فإن سينغور يعدّ حالة نادرة من حيث كونه شاعرًا معارضًا للحكومة يتمكن فيما بعد من الإمساك بزمامها ليصبح زعيمًا سياسيًا، وهو أمر نادر نوعًا ما في تاريخ العلاقة بين الشاعر أو الفنان والدولة عمومًا، أيضًا، كان سينغور أحد أبرز مؤسسي تيار ما يعرف بالاشتراكية الأفريقية.

قصة الكفاح الأفريقي، وخصوصًا في شقها الإنساني والثقافي، تشكل مجالًا خصبًا للتأمل والنظر

إلى جانب ذلك، يوجد في الأوساط الأكاديمية والثقافية المتخصصة مصطلح يسمى "الأفروسنتيرزم" أو الأفريقانية. وقد جاء هذا التيار المتمحور حول أفريقيا، إن صح التعبير، كرد مباشر على تيار ما يعرف بالـ"يوروسنتريزم"، وهو تيار يعنى بنظرة الرجل الأوروبي إلى العالم من زاويته ووفق رؤيته المحدودة. وكان من أبرز من أسسوا لتيار الأفريقانية المؤرخ والمفكر السنيغالي أيضًا شيخ أنتا ديوب. وكانت آراء ديوب مثار جدل كبير بين الباحثين والمتخصصين. ففي عام 1973، نشر كتابه المثير للجدل بعنوان "الأصل الأفريقي للحضارة"، والذي خصص جزءًا كبيرًا منه في محاولة إثبات أن كل ما نعرفه عن الحضارة والعلوم وحتى الأديان يعود أصله إلى أفريقيا، وتحديدًا إلى مصر القديمة.

اقرأ/ي أيضًا: لم كان بورخيس يكره كرة القدم؟

أما بالنسبة للجانب الأدبي، فقد خرجت أعمال أدبية كبيرة في الرواية والشعر وغيرها إبان احتدام حركات التحرر والنضال ضد الاستعمار الأوروبي. وتعد أعمال الروائي النيجيري تشينوا أتشيبي من أهمها على الإطلاق، وخصوصًا ما يسمى بثلاثية الرواية الأفريقية، وهي ثلاث روايات تحكي قصة الهوية الأفريقية وتأثرها بدخول المستعمر بآلته العسكرية والثقافية الكاسرة. والروايات الثلاث هي: رواية "الأمور تتداعى"، ورواية "نو لونغر آت إيز"، وأخيرا رواية "سهم الله" . 

وإضافة إلى تشينوا أتشيبي، هناك أيضًا روايات ومسرحيات الكاتب الكيني نغوغي وا ثيونغو، ومن أهمها رواية "النهر بين القريتين" ومسرحية "سأتزوج وقت ما أريد". جدير بالذكر هنا أن مسرحية "سأتزوج وقتما أريد" أثارت غضب السلطات الكينية وقتها، ومنع عرضها منعًا باتًا بسبب أنها تروج لأفكار تتعارض مع السياسة القمعية البوليسية التي كانت تنتهجها الحكومة آنذاك.

وفي الختام، يمكن القول بأن قصة الكفاح الأفريقي، وخصوصًا في شقها الإنساني والثقافي، تشكل مجالًا خصبًا للتأمل والنظر. إذ إن كثيرًا من القضايا التي يعالجها الأدب الأفريقي، مثل قضية الصراع بين الثقافة والعادات المحلية وبين الثقافة الدخيلة التي أتى بها المستعمر على سبيل المثال، لها ما يوازيها من القضايا في التاريخ العربي المعاصر. وفي مقال لاحق سأتطرق إلى بعض هذه القضايا بشيء من التفصيل بإذن الله.

اقرأ/ي أيضًا:

لا إبهامَ في "غامض مثل الحياة"

الكوميديا الإلهيّة.. تشويقة للمبتدئين