البث المباشر.. من آذان بلال إلى فيسبوك زوكربيرغ

البث المباشر.. من آذان بلال إلى فيسبوك زوكربيرغ

انفجار مبنى أمني (خالد الحريري / رويترز )

في طفولتي البعيدة، يقاس الزمن لا بعدد السنين بل بعدد النكبات والفواجع، في تلك الطفولة التي امتلأت بالذكريات الحزينة حتى فاضت نحو الشباب ونحو خريف العمر، كان هنالك الكثير مما يمكن أن يثير فضول طفل مثلي في بلد كبلدي العربي الذي اشتهر بمواقفه الثابتة والمبدئية تجاه الإمبريالية العالمية ممثلة بالشيطان الأكبر أمريكا، والشيطان الأصغر إسرائيل، فعلى سبيل المثال كيف لا يسأل ذلك الطفل عن قمة ذلك الجبل الذي اعتدنا في برنامج "حماة الديار" على رؤية قمته وقد غرس فيها جندي باسل علم الوطن بعد انتصار ساحق في معركة ما، فنحن أهل الانتصارات وتحرير الأراضي، ونحن أطفال البعث وطلائعه، وجدير بنا كما علمونا أن نحفظ ونردد ما لقمناه، وأن نسأل عما نجهل. 

البث في بلادي يتأخر دقائق عن وقته، كي يتمكن المراقبون من بتر وشطب وتفنيد أي رأي مفاجىء

ثم إن الفضول يمتد بطفل المرحلة تلك نحو المصطلحات العجيبة الغريبة، كاسم ذلك البرنامج "التقرير الجوال"، أو الآخر "أضواء على الأحداث"، وهما برنامجان مختصان بفلترة الأخبار العالمية وطبخها كما يليق بوجبات الأخبار المخصصة لعقول شبيبة البعث ورجاله، ممن يهيأون لمواجهة العدوان المستقبلي الذي لابد منه في يوم من الأيام، كذلك يغدو مصطلح "البث المباشر" غريبًا ومتعبًا لسن الطفولة، فكيف يدرك طفل التلفاز ذو الأنتين العتيق أن هنالك ما يمكن بثه مباشرة من مكان ما غير مكانه، وفي نفس الوقت، ماطًا الزمن عبر المكان وماطًا المكان عبر الزمن، أصلًا في تلك الفترة من الطفولة البعثية قد يغدو من الصعب على ذلك الطفل أن يدرك أن هنالك أمكنة أخرى غير الوطن، بل غير الحارة والمدرسة المسورة، ويشب ذلك الطفل ليعلم لاحقًا بأن بلاده البعثية الطبع كانت تخشى من البث المباشر للأحداث، وأن تضليلًا كان يمارس على عقول المواطنين يجري كلما بثت مباراة مباشرة أو لقاء ما، فالبث في بلادي يتأخر دقائق عن وقته، كي يتمكن المراقبون من بتر وشطب وتفنيد أي رأي مفاجىء، أو حدث غير مرغوب لا يتفق وبعثية الحياة، ولا يتوافق مع مواقف التصحيحية التي كنا نرزح تحت نيرها بقيادة الأب والأخ والمعلم والقائد الخالد المتجهة بثبات نحو الأبد، ونحو برزخ توريث الحكم.

اقرأ/ي أيضًا: أسباب لرفض الانتخابات المحلية الفلسطينية القادمة

تخيل يا سيدي إذا لو أن شخصًا تجرأ وبث انتقادًا عبر أثير الهواء المباشر ليطال به فساد وزير بيئة لا يعرف نهر العاصي من نهر الفرات، أو وزير صناعة لا يعلم هل الحديد أقسى أم الألمنيوم! بل تخيل لو أن ذلك قد حصل خلال فترات الحكم المتفرغ لمواجهة الصهيونية التي قضمت جولاننا الحبيب، أو لمواجهة تغول الرأسمالية التي تريد اقتحام أسواقنا المكتفية خمسيًا ورابعيًا وثلاثيًا وثنائيًا وصفريًا، إذًا لأضحى عبرة لمن يعتبر!

هكذا ترعرع الطفل الذي يسكنني حالمًا بزمن ممطوط وأمكنة ممطوطة عبر الصورة الحرة، حتى جاء ذلك اليوم الذي أتيحت فيه إمكانية للبث المباشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي الفيسبوك، فغدا الأمر شيقًا لعقل الطفل الذي يتمرد على قلب الرجل، سيما وأن الوطن الممانع قد امتط بطوله وعرضه فتمزق، وطار كنفيخة مبللة باللعاب يمنة ويسرة علوًا وانخفاضًا ورمى بأحشائه بين أقدام الغرباء من كل حدب وصوب، فلمن نبث مباشرة عبر الفيسبوك أحزاننا، ولمن ننقل صور البط والبجع الحالم في البحيرات الوادعة في العالم الآخر الذي يمتلك السكينة؟

ترعرع الطفل الذي يسكنني حالمًا بزمن ممطوط وأمكنة ممطوطة عبر الصورة الحرة

قد تغدو تلك الأفلام القصيرة التي نبثها مباشرة أهم الوثائق يومًا ما عن المغترب القسري الذي نعيشه، تلك الفيديوهات التي تبث مباشرة أين أنت الآن، وبماذا تفكر وكيف تشعر ولمن تتوجه بكلامك، وقد تغدو لو حفظت معًا في ترتيب احترافي فيلمًا طويلًا ظاهره سعادة وباطنه قهر وعذاب.

اقرأ/ي أيضًا: النفط والبطالة: وجهان لدولة آل سعود

نعم تسرح بي الأفكار وأنا طفل السينما نحو هذه الهواجس، فأفتح عين الكاميرا واختبأ خلفها ثم أنقل للسادة المشاهدين في بث حي كل ما يدور حولي، ثم أختفي ولا أتجرأ على الظهور، فأنا لا أنتمي في هذا البث المباشر لهذا المكان، وألعن هذا الزمان، أنا أنتمي لمكان آخر تبث منه أبشع الصور والفيديوهات عن جثث تتفحم وأبنية تتدمر ومدن تحتضر وقرى تهجر وتباع، في بثي المباشر من المغترب أحاول أن أقترب ممن أعرف أنه يفهم حزني ووجعي وحنيني، ممن سيبث لي حزنه بدوره فنغدو كلاعبي التنس اللذبن يضربان الكرات في الخواء، وأتذكر فيما أتذكر ما قرأت عن بلال الحبشي، وعن صعوده جدران الكعبة ثم إطلاقه أول آذان عبر التاريخ، هل كان ذلك بثًا مباشرًا بطريقتهم!

وهل تلك المقاربة صحيحة، هل كان جرس الكنيسة أيضًا يعلن عبر بثه المباشر يوم الأحد عن الرغبة في نقل شيء ما ومشاعر ما في لحظات يتفق الجميع على وقتها؟ تسرح بطفل السينما داخلي الأفكار كأغنام الأنبياء، ثم يغلق عين الكاميرا ويوقف بثه المباشر ليعود لأرض الواقع الجديد، واقع يتميز بالانتظار، انتظار ما سيقرره القدر.

اقرأ/ي أيضًا:

ألا تستحقّ موريتانيا الاعتذار؟

السنوات الأخيرة لدولة المماليك "العسكرية"