الدراما السورية منشغلة بالتطرف

الدراما السورية منشغلة بالتطرف

من المسلسل السوري بلا غمد

تتفق مجموعة من نظريات الأمن أن السلطة السياسية لا تقدم وعدًا للناس بتحقيق الأمن لهم، بقدر ما تعدهم بمواجهة مخاطر أو مخاوف معينة، مجرد مواجهة، والمثال اليوم يبدو أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، إذ تستطيع دولة المخابرات العربية إسكات أي معارضة، من خلال شيطان المجموعات الدينية الأكبر، فتنتزع لنفسها الحق بالقمع والعنف والتهميش، من خلال إظهار مسببات عنف أخرى، سواء مجموعات دينية أو غيرها! وتنشغل السلطة بعرض الأخطار الكبرى على حياة الناس وعلى أمنهم، وتستغرق وسائل إعلام مخابراتها، بوصف المجموعات التي صارت مشكلة العالم الأولى والأخيرة.

يظهر شكر لوزارة الدفاع السورية في شارة "باب الحارة"، رغم عرض المسلسل على شاشة سعودية!

لكن الأهم، أن ظروفًا مختلفة ساهمت بتعميم المخاوف المذكورة، بحيث صار كل إنسان في أي دولة من دول العالم، يشعر نفسه مهددًا، والفرق الأساسي، أن خطر النظام حتى لو أتفق على إدانته، يظل خطرًا محليًا، يتناقش الناس من خارج هذه الدولة عنه على موائدهم، أما خطر المجموعات الدينية، فصار خطرًا عامًا وعالميًا، يمس بشكل مباشر وشخصيّ كل من يناقشه أو يشاهد مسلسلًا عنه. ولعلنا نجد فيما أشرنا إليه، مدخلًا لفهم ما يتكرر في أعمال كثيرة من الدراما السورية هذا الموسم.

اقرأ/ أيضًا: محمد دحة.. أن تحارب الإسمنت بقيثارة

لكل موسم انشغالاته الخاصة، التي لها أسبابها ومبرراتها، لكن الانشغال الذي كان واضحًا في الموسم الحاليّ من الدراما العربية إجمالًا، يحمل مؤشرات لا إمكانية لتجاهلها أو القفز عنها. فنجد في أعمال كثيرة سواء في الدراما السورية أو المصرية أو غيرها، تكرارًا لموضوع التطرف الديني أو الإرهاب، بما يبدو تكرارًا ليس مفهومًا أو مبررًا على الأقل، ليس إنكارًا لأهمية القضية، ولكن لأن التكرار والتوقيت يجعلاننا أمام أسئلة كثيرة قد لا تكون إجاباتها فنية فقط.

لا نريد القول إن هناك مواقف سياسية واضحة لهذه المسلسلات، مع أنها كانت موجودة في مسلسلات عدة، ولا نريد القول إن التواطؤ مقصود بالضرورة، مع أنه كان كذلك في أعمال كثيرة أيضًا، ولكن على الأقل فإن انشغالات الأعمال، وتكرار المواضيع المطروقة فيها، شكلت على ما يبدو تلائمًا مع ما يريده النظام على أقل وأبرأ تقدير.

ليس الوصول إلى هذه العلاقة صعبًا، إذ يجد المشاهد أن مسلسلات مختلفة شكرت مؤسسات النظام نفسها، تربعت على قوائم المشاهدة، ولعل "باب الحارة" الذي كان موقفه واضحًا وفجًا، كان مثالًا واضحًا على ذلك، إذ تظهر شارة المسلسل شكرًا لوزارة الدفاع السورية! إضافة إلى شكر مؤسسات أخرى تابعة للنظام الفاشيّ، وهذا طبعًا رغم عرضه عبر أكبر شاشة ترفيهية سعودية، بينما أرهقت باقي الشاشات "السعودية" مسامعنا بادعاءات خصومة الدكتاتور. 

وحتى بالنسبة لمسلسلات كان أمل المتابع منها كبيرًا، على غرار "بقعة ضوء" (سيف الشيخ نجيب، ومجموعة كتاب) في الجزئين الأخيرين اللذين خيبا آمال كثيرين، إذ تحول المسلسل الذي ساهم طوال عشر سنوات في تكوين وجهة نظر ناقدة ساخرة من الفساد، إلى كوميديا خاصة بالمجموعات الدينية، بشكل شبه كامل. والصفة نفسها جائزة على معظم المسلسلات الكوميدية التي قسمت إلى حلقات أو أكثر منفصلة، على غرار مسلسل "تنذكر وما تنعاد" (سامر سلمان وعلي شاهين).

صار رصد الإرهاب الديني قيمةً من قيم الجمال والإثارة، وجذب الجمهور في دراما الموسم الأخير

لم يتوقف الاستغراق في وصف التطرف عند الأعمال الكوميدية فقط، فكان عمل "بلا غمد" ( عثمان جحى وفهد ميري) نموذجًا مضافًا إلى باب الحارة وأعمال أخرى، تخصصت في رصد التطرف الدينيّ في مراحل مختلفة. على أية حال فإن أعمالًا كثيرة لم تتخصص كاملة لرصد المجموعات الإرهابية، لكنها ذهبت أيضًا إلى إدخال أجزاء أو مقاطع تشير إلى الموضوع نفسه. أما الشق الثالث والأخير، فقد كانت الأعمال التي استغرقت في التأكيد على فردوس قبل الثورة، وسوريا الخالية من أي نزعات تطرف ديني، والقائمة على تعايش كامل بين المتدينين والعلمانيين والطوائف المختلفة.

اقرأ/ أيضًا: إسماعيل مالكي.. أن تترصّد للموت بصورة

يبدو إذن أن رصد الإرهاب الديني صار قيمة من قيم الجمال والإثارة، وجذب الجمهور في دراما الموسم الأخير. عربيًا بشكل عام، ظهر هذا الدور في مسلسلات مصرية عدة مثل مسلسل "القيصر" (أحمد جلال ومحمد ناير) ومسلسلات أخرى، أو سوريًا بشكل خاص مثل ما ذكرنا سابقا. ويبدو أن استغلال القلق أو المخاوف الجمعية من خلال استخدام صورة المجموعات الدينية كما تظهر في خطاب النظام، ساهم بتعزيز موقف النظام الذي لا ينفك يؤكد على المقولة نفسها.

من الواضح أن رهانًا جديدًا صار موجودًا على إنتاج الدراما في سوريا، وفائدة جديدة ومغنم آخر لاصطفاف الأعمال الدرامية مع النظام، حيث تأخذ المسلسلات التي وقفت معه، نصيب الأسد من المشاهدة. هذه القاعدة الجديدة التي صارت أكثر وضوحًا في موسم الدراما السورية لهذه السنة، والتي كان مقص الرقابة فيها أكثر حدة. 

ويبدو أيضًا أن الموسم الجديد قدم إجابة على السؤال الملح القديم في أذهان صناع الدراما: كيف تأخذ نصيب الأسد من المشاهدة؟ ويبدو أن الإجابة كانت واضحة أيضًا: أن تقف مع "الأسد" نفسه.


اقرأ/ أيضًا: 

حمزة نمرة.. راوٍ يتجول بالأغاني

نيستاني.. فنان إيراني دخل السجن بفعل حشرة