الانسحاب الأمريكي من المنظمات الأممية.. تكتيكات الهروب من العدالة

الانسحاب الأمريكي من المنظمات الأممية.. تكتيكات الهروب من العدالة

نيكي هايلي مغادرة مجلس حقوق الإنسان أثناء انعقاده (Getty)

بعد أن فصلت السلطات الأمريكية 3700 طفل من أبناء المهاجرين عن آبائهم على الحدود، كما أوردت صحف ووسائل إعلام عدة خلال الأسبوع الماضي، وبعد أن وضعتهم في مراكز للاجئين يصرخون وينتحبون طلبًا لعائلاتهم، في انتهاك صريح لأبسط حقوقهم، فإنها تنسحب من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، في خطوة قال متابعون إن الولايات المتحدة تقدم عليها لأنها "باتت أحد منتهكي حقوق الإنسان"، وقد انكشف تحيزها السياسي.

 كان القرار متوقعًا، إلا أن الانسحاب الفعلي جاء بعد جملة من الاتهامات قادتها الولايات المتحدة ضد مجلس حقوق الإنسان

وعلى الرغم من أن القرار كان متوقعًا بالنسبة للمتابعين والمراقبين، إلا أن الانسحاب الفعلي جاء بعد جملة من الاتهامات قادتها الولايات المتحدة ضد مجلس حقوق الإنسان وأنشطته، واستخدمت "بطاقة الانسحاب" كورقة للضغط على المنظمة التي وصفت قراراتها ضد إسرائيل بالمتحيزة والمسيسة.

الانسحاب من مجلس حقوق الإنسان.. الدفاع عن الانتهاكات بالقوة

كانت أحد أهم المواجهات بين المنظمة والولايات المتحدة عندما صوتت 128 دولة على بطلان قرار إعلان القدس عاصمة لإسرائيل في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، وهو أحد المبررات التي وضعتها نيكي هايلي، السفيرة الأممية للولايات المتحدة، كأحد أسباب الانسحاب، معتبرة "أن الهيئة يجب أن تخضع للإصلاحات"، وهو ما يظهر حسب مراقبين، الإدارة الأمريكية المثيرة للجدل، تريد اللعب منفردة على طاولة السياسة الدولية وبشروطها، بدون الأخذ بعين الاعتبار لرأي عام عالمي لا يعنيها إطلاقًا.

ورأى دبلوماسيون أن الانسحاب اليوم يعني دعمًا لدول ذات طابع شمولي، مثل كوبا وروسيا ومصر وباكستان التي تعارض ما تراه تدخلًا للأمم المتحدة في القضايا السيادية، وهو ما تثبته التقارير الحقوقية المتعلقة بسياسة الولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب تجاه المنظمات الحقوقية والأممية العاملة في ملفات حقوق الإنسان.

اقرأ/ي أيضًا: هروب ترامب من التزامات واشنطن الدولية.. الدور على مجلس حقوق الإنسان!

 وتتحدث تقارير حقوق الإنسان عن "استهداف ترامب اللاجئين والمهاجرين ووصفهم بالمجرمين وبأنهم يشكلون تهديدًا أمنيًا"، وتعزيزه للشوفينية البيضاء، وللسياسات المناهضة للمسلمين، "كما تبنت إدارته سياسات سببت تراجعًا في حصول النساء على الرعاية الصحية الإنجابية؛ وعملت على إقرار تغييرات في التأمين الصحي من شأنها أن تحرم أعداد كبيرة إضافية من الأمريكيين من الرعاية الصحية بأسعار معقولة؛ وقوضت مساءلة الشرطة عن الانتهاكات"، حسب تقرير لمنظمة "هيومن رايتس ووتش".

 وتفيد التقارير أنه في "أول يوم كامل له في منصبه، أعاد الرئيس ترامب وضع سياسة مكسيكو سيتي أو قاعدة تكميم الأفواه عالميًا بشكل كبير.  ووفقًا لهذه القاعدة فإنه يتم وقف التمويل الصحي الأمريكي للمنظمات غير الحكومية الأجنبية إذا استخدمت أموالًا من أي مصدر لتوفير معلومات عن الإجهاض، أو دعت إلى تحرير قوانين الإجهاض. وسيؤدي توسيع القاعدة العالمية إلى آثار كارثية تتجاوز القواعد السابقة التي تقيد نحو 8.8 مليار دولار مخصصة كمساعدات خارجية للخدمات الصحية، مثل تنظيم الأسرة، والرعاية الصحية للأمهات، وخدمات علاج فيروس نقص المناعة البشرية والملاريا، والسل في 60 بلدًا". وهو ما يعني أن عمل إدارة ترامب ضد المنظمات الأممية أو شن الحرب عليها، بات استراتيجية واضحة داخليًا وخارجيًا في مقابل مكاسب سياسية أكثر براغماتية.

رفض إدانة العنف في غزة.. الانسحاب أو الصمت

وبينما استشهد أكثر من 120 فسطينيًا في غزة، في أقل من خمسين يومًا، بالإضافة إلى حوالي 2400 مصابًا برصاص جنود الاحتلال الإسرائيلي الشهر الماضي. وافق مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة على تشكيل لجنة تحقيق مستقلة في هذه الأحداث، التي جرت تحت شعار "مليونية العودة".

ونتج عن التحقيقات التي تولتها اللجنة "أنّ الذين قتلتهم إسرائيل على الحدود مع الأراضي المحتلة، لم يشكّلوا أي خطر على جنودها المنتشرين، والذين يحملون أعتى الأسلحة وأدقها وأكثرها فتكًا، ما يعني تعمّد الاستهداف المباشر والقتل والإضرار بالفلسطينيين".

وأثارت هذه الخطوات والنتائج حفيظة الإدارة الأمريكية، وكذلك السلطات الإسرائيلية، التي اعتبرت المجلس متحيزًا ضد إسرائيل رغم ما ارتكبته من جرائم قتل. وكان من المتوقع أن تستخدم الولايات المتحدة ورقة الأحداث الأخيرة في غزة وغيرها من الإدانات للاحتلال الإسرائيلي، لتسحب يدها من المجلس في محاولة لعرقلته.

وفي هذا الإطار، اشترطت الولايات المتحدة على لسان سفيرتها نيكي هايلي أن يراجع المجلس سياساته تجاه إسرائيل حتى تعاود الانضمام إليه، حيث اتهمته الأخيرة بالقول: "انظروا إلى أعضاء المجلس، وسترون تجسيدًا عمليًا لعدم احترام مروع لأبسط الحقوق الإنسانية الأساسية".

وأضافت هايلي، التي أعلنت الانسحاب في وزارة الخارجية إلى جانب وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، إنه إذا قام المجلس بالإصلاح، فإن الولايات المتحدة "ستكون سعيدة للانضمام مجددًا".

وعلى الرغم من التوقعات المسبقة للقرار، فإن بيان منظمة "هيومن رايتس ووتش" وصف القرار بالمؤسف، وبأنه يعمل على تحييد الولايات المتحدة جانبًا عن أي مبادرات إنسانية على مستوى العالم. وقال كينيث روث، المدير التنفيذي للمنظمة: "تهدد الولايات المتحدة بالابتعاد عن مجلس حقوق الإنسان منذ أن تولى الرئيس ترامب السلطة، لذا فإن هذا القرار لم يكن مفاجئًا". ويتابع: "لقد قرر ترامب أن الشعار الذي رفعه وهو أمريكا أولًا يعني تجاهل معاناة المدنيين في أنحاء متفرقة حول العالم".

كانت أهم المواجهات بين مجلس حقوق الإنسان وأمريكا عندما صوتت 128 دولة على بطلان قرار إعلان القدس عاصمة لإسرائيل

وجاء في البيان أن "الولايات المتحدة لطالما انتقدت مجلس حقوق الإنسان بسبب البند 7 من جدول أعماله الدائم، حول انتهاكات الحقوق من قبل جميع الأطراف في الأراضي الفلسطينية المحتلة (والذي يأتي بإدانة كبيرة أيضًا للاحتلال الإسرائيلي). أدرج هذا البند عندما تم وضع جدول أعمال المجلس في ختام عامه الأول، في عام 2007، وفي الوقت الذي قررت فيه الولايات المتحدة عدم المشاركة في المجلس. قامت الولايات المتحدة بحملة نشطة لإزالة البند 7 من جدول الأعمال، وعارضت القرارات المتعلقة بالأراضي الفلسطينية المحتلة، حتى عندما لم يتم تقديمها في إطار هذا البند من جدول الأعمال".

ومن الجدير بالذكر أنه "تم إنشاء مجلس حقوق الإنسان من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2006 كأكبر هيئة لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة. وفي حين أن المجلس يعاني من أوجه قصور، بما في ذلك مشاركة منتهكي الحقوق المستمرة مثل الصين والمملكة العربية السعودية وفنزويلا  في عضويته، يلعب المجلس دورًا ما في معالجة انتهاكات حقوق الإنسان الخطيرة في جميع أنحاء العالم، والإعلان عنها. وقد شرع المجلس في إجراء تحقيقات في انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا واليمن وبوروندي وميانمار وجنوب السودان، وتناولت مواضيع رئيسية مثل الهجرة ومكافحة الإرهاب وغيرها".

اقرأ/ي أيضًا: في مصر.. عدو الحريات رئيسًا للجنة حقوق الإنسان

وبتخلي الولايات المتحدة عن عضويتها في المجلس مع تبقي ما يقرب من 18 شهرًا في فترة ولايتها، فإنها ستعزل نفسها من التواجد في القضايا الرئيسية التي يمكن أن تؤثر فيها على الحكومات المتحالفة معها.

ولم تنسحب أي دولة من المجلس بعد الترشح للانتخابات وهو ما يعني أن الانسحاب الأمريكي يعد سابقة في تاريخه.

 ومن غير الواضح من هي الدولة التي ستأخذ المقعد المفتوح الذي تركته الولايات المتحدة. وينص قرار الأمم المتحدة المتعلق بأعضاء المجلس على أن أي خليفة للبلد المنسحب، سيكون بلدًا آخر من المجموعة التي تضم أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية وأستراليا ونيوزيلندا وإسرائيل.

تفرض الولايات المتحدة بقوة الأمر الواقع سطوتها على الجهات الأممية المختصة بالخلفية الحقوقية لبؤر الصراع الدائرة في العالم، ولكنها تفعل ذلك هذه المرة بعدوانية كبيرة، تعكس لا مبالاة الإدارة الأمريكية سواء بالشأن الحقوقي، أو بالدور الاستراتيجي الذي دأبت أمريكا أن تلعبه في هذه المؤسسات.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

سرقة أطفال المهاجرين على الحدود الأمريكية.. جريمة ترامب لردع الهجرة

جحيم ترامب ضد المهاجرين.. 1995 طفلًا سُرقوا من ذويهم على الحدود