الانتقام وفرشاةُ الأسنان الواحدة

الانتقام وفرشاةُ الأسنان الواحدة

لوحة لـ رشيد قريشي/ الجزائر

الأصوات التي كانت تصدر من ساعة الحائط لم تكن تشبه ما قبلها، في لحظة سريعة صارت حركة العقارب تُشبه الضربَ على الوريد، مؤلمة، طويلة، وتتركُ أثرًا على الجسد.

فضفضةُ الروح لا تحتاجُ لتغذية راجعة لُتصلح نظامها، بل تُريدُ التخلص من كومة الذكريات العالقة فيها، لتستريح

كانت كلُّ حركة كأنها اللحظة الأخيرة في حياة لم يعشها كما يُريد، الحياة ذاتها التي أنفق ما استطاع أن يُنفق في كي تطاوعه، ابتعدت عنه كأنها تشتَمُّ فيه نجاسة، كلّما اقترب منها، ابتعدت، وكلّما اقتربت منه، تجمدّت قدماه كأنه لا شيء إلّا أحلامٌ ينفخها مع دخان السيجارة الأخيرة.

اقرأ/ي أيضًا: كيف ننجو هذه المرة؟!

حين اعتقد أن جسده سيكفيه لما شاء من عُمرٍ، رأى كل قطعة منه تتفكك من نَفسِها، ذابت يداه، ضمر عقله، أُغلقت عيناه، قَصُرت أصابعه، صَغُرَ قلبه، تداعت عظامه، صارَ يشبه كيس القُمامة الذي تجمعه سيارات البلدية كل أسبوع، يحتاجُ لحائط يرتكي عليه، فيستقيم.

لم يكن الانتقام يغريه يومًا ما، كان يستسخفُ الفكرة إن ذكرت أمامه، لم يحتج على ما ألقته الحياة في وجهه، ولم يعترض على أي حفرة اضطرَ أن يقفزَ فوقها. الانتقام صنعة الضعفاء، هذا ما ردّد من إيمانٍ تلبسَهُ، العفو عند المقدرة جُملةٌ فضفاضة، لم تعن له شيئًا، لكنّه استكانَ لها حين مسّه الأذى من هو أقوى منه.

سينامُ مُرتاحًا الليلة لأنه هو الذي تلقى الصفعة، وليسَ من اقترفها.

*

الفراغ خليلُ الوحيدين.

هو الذي يُنصت ولا يرد، الذي يستوعب ولا يعترض، الذي يندهش ولا يقول، الذي يتحمّل كلَّ تناقضاتنا ولا يُحركُ ساكنّا ليوقفنا.

نحتاجه كما هو، فقط لأننا نُريدُ أن نتخلص من عبء الكلام، ففي اللحظة التي يقفزُ الحرف الأخير من حديثنا يأخذُ معه كيلوهاتٍ كثيرة عن أكتافنا، كأننا نُجيّر مشكلتنا للآخر هذا، يخفُّ وزنها حتى تتلاشى، لكننا دائمًا ننسى أننا بفعلتنا هذه قد خلقنا سببًا جديدًا للقلق عندَ غيرنا، وها نحنُ بانتظار الهجمة المرتدة ليعودَ القلق يسكننا مُضافٌ إليه رأي لا يُعجبنا على الأرجح، فنحنُ، حينَ نسترسلُ في الحديث، نستهدفُ إفراغَ الذاكرة، لا أكثر.

فضفضةُ الروح لا تحتاجُ لتغذية راجعة لُتصلح نظامها، بل تُريدُ التخلص من كومة الذكريات العالقة فيها، لتستريح.

الفراغُ وحيٌّ قد يتخذُ شكلَ لوحة، أو قصة، ولربما قصيدة أو رواية، ومن الممكن أن يتحولّ إلى لعناتٍ تُلاحقُ الأيام التي أوصلتنا إليه، نكرههُ فيكرهنا، نُعاديه فيحرمنا من اللذة التي نسعى لنعيشها، يتخذُ لون خط النهاية ونحنُ بكلِّ ما نملكُ من حياة، وقوّة، نظنُّ أننا الآن قد بدأنا.

يدّعي العلم أنه قادرٌ على تفسير أقسى الظواهرِ الطبيعية، لكننا لم نجد حتى اليوم، ورقةً بحثية واحدة تشرح ذلك الشعور الذي يعشعش فينا حين تلتقطَ أعيننا حقيقةَ بسيطة سنشعرُ بها حين نتناول فرشاة الأسنان الواحدة، الوحيدة التي تجلسُ في كأسٍ مخصص لفرشاتين.

خدعتنا التكنولوجيا حين ادّعت أن العالم قرية صغيرة.

لكن الحقيقة التي لن يعترف بها أحد تقول أن هذه التكنولوجيا ذاتها، قد خلقت فينا عوالمَ مُنفصلة تحاول قدر اتساعها أن تحتوي هذه العوالم المختلفة.

رسائلنا النصية عرّت نتائج امتحانات الإملاء التي خُضعنا لها، وصفحاتنا الاجتماعية ادّعت صورة كنّا نتمنى أن نكونها.

الجرأة التي منحتنا إياها الحياة الافتراضية فازت على الحقيقة، فصرنا نستسهلُ استبدالَ الواقع الملموس بشيفرات إلكترونية لا قدرة لها على رفع طرف اللحاف إن شعرنا بالبرد ساعة الفجر.

أكلنا الفراغ للدرجة التي لم نجد مفرًّا من مصاحبة العنكبوت الذي احتلَّ الشُرفة، والسوسُ الذي احتل أرجل الطاولة القديمة.

نبحثُ عن بساطة الأشياء في أيامٍ تمشي وفق لوغاريتمات أكبر من قدرتنا الاستيعابية، وحين نُقرر أن نعلن انسحابنا نُستفزُّ باتهامٍ تافهٍ أننا ضعفاء

أكَلنا للدرجة التي قررنا فيها أن نُعيد طلاء الجدران البيضاء بالأبيض مرّة أخرى، لا لتغيير نُريده، بل لكي لكي تقتربَ منّا برودته ميلمترًا إضافي حين تتعطل المروحة.

اقرأ/ي أيضًا:  السلطة في مكان آخر

نبحثُ عن بساطة الأشياء في أيامٍ تمشي وفق لوغاريتمات أكبر من قدرتنا الاستيعابية، وحين نُقرر أن نعلن انسحابنا نُستفزُّ باتهامٍ تافهٍ أننا ضعفاء، وأننا لم نحاول قدر ما يكفي، وأن الطريق لايزال في بدايته، ولم ينتبه أحد أننا وصلنا بداية الطريق هذا، ونحنُ نَعدُّ نهاية خطواتنا لنستريح.

*

تتقاطع الطرق المتوازية حين يعتقد سالكها أنه لو أخذ الطريق الآخر لكان أفضل، وفي تلك اللحظة بالتحديد، تقع الحوادث.

*

لا يُشبه الانتقام أيَّ شيٍ حي، فهو الوحيدُ، على أغلب الظن، الذي يكبر في الفراغ.

وهو الوحيد الذي يولدُ ميتًّا، وينمو في موتنا ولو كنّا أحياء.

كما أنه الخدعة الوحيدة التي نرغب أن نعيشها بلذّة المنتصر، لكن الواقع الذي سنحياه بعدها سيعلّمنا أنهُ لا لذّة فيها ولا نشوة.

من جرّبَ كشط مربعات ورقة اللوتري يعلم تمامًا أثر الأدرينالين فيه حين يصل المربع الأخير، كما يعلم أيضًا شعوره حين يلقيها في سلّة تدوير الخيبات، والأحاسيس، وكلَّ الكلام الذي لم نجرؤ على قوله فنعاود شراءه على شكل قسائم أمل، أو وصولات تبرعات تغسلُ فقرَ أيامنا وإنسايتنا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

طابور الثقافة الطويل

دولة المواطن المتعثرة