الانتفاضة اللبنانية بين فكي الأحزاب

الانتفاضة اللبنانية بين فكي الأحزاب

ميشال عون (يسار) وحسن نصر الله (OLJ)

عملت السلطة في لبنان، بكل أطيافها ومكوناتها، منذ بداية الانتفاضة، على الحدّ من انتشارها وتوسّعها، بعد أن استطاعت -ولأول مرة في تاريخ لبنان الحديث- خلق  صدمة عابرة للطوائف والمناطق في أكثر الأنظمة المحصنة طائفيًا ومناطقيًا.

كان ولا يزال الدم الوسيلة الفضلى للأحزاب السياسية في لبنان لتنفيذ الأجندات وحماية المعسكرات

والدم، سواء في السلم أو في الحرب، كان ولا زال الوسيلة الفُضلى للأحزاب السياسية في لبنان لتنفيذ الأجندات وحماية المُعسكرات، إذ لطالما دأبت تلك الأحزاب خلال فترة الحرب الأهلية وبعدها، على استغلال دماء الضحايا والأبرياء، لبناء زعامةٍ تارة، ولاستخدامها في مفاوضات المكاسب السياسية تارة أخرى.

اقرأ/ي أيضًا: البلطجة لبنانيًا: عالقون بطوائفهم ضد متحررين منها

سقط الشهيد الأول حسين العطار في أوج الانتفاضة. وقتها، كانت القوى السياسية لا تزال تحت تأثير الصدمة، ولم تكن قد استوعبت بعد ما يحدث كي تتمكن من استغلال دم الشهيد، إضافةً إلى أن ظروف استشهاده حالت دون المتاجرة بدمه.

بعدها،  تسارعت الأحداث وتطورت، وبدأت الأحزاب تستوعب الصدمة قبل أن تُشعل محركاتها السياسية مجتمعة، محاولةً امتصاص الغضب في الشارع، بما يسمى الورقة الإصلاحية، التي ولدت ميتة أصلًا، وأسقطها المنتفضون لانعدام ثقتهم في الطبقة السياسية التي أمعنت في الكذب والوعود والإنجازات الوهمية من جهة، ولعدم جدية وواقعية بنودها في ظلّ الأزمة الاقتصادية الراهنة من جهة أخرى، مُكرّرين مطالبتهم بإسقاط الحكومة.

من هنا، بدأت مكونات القوى السياسية تتموضع وفق مصالح كل منها وأهدافها، سعيًا إلى تحقيق هدف موحد: الانقضاض على الانتفاضة المطلبية. وعليه، وكما يحصل في جميع ديكتاتوريات العالم، قاموا بتوزيع الأدوار.

وفيما اتجهت بعض القوى السياسية نحو التسلق على الانتفاضة من خلال قطع الطرق والمشاركة في الاحتجاجات بهدف تصفية حساباتها السياسية مع العهد، استثمرت أُخرى في الانتفاضة لإعادة تعزيز موقعها السياسي الذي "حجّمته" التسوية الرئاسية، معل العلم بأن هذه التسوية كانت من أبرز أسباب الفساد المالي والفشل الإداري المتراكم أساسًا منذ انتهاء حقبة الحرب الأهلية وبداية حقبة الطائف.

ثم شكّل سقوط الشهيد الثاني للانتفاضة علاء أبو فخر، المنتفض على حزبه، فرصةً لقيادات الأخير، لاستغلال دمه سياسيًا قبل أن يجف، ومناسبةً لسرقة التحرّكات المطلبية. إلّا أن محاولة "الركوب" فشلت، نوعًا ما.

وعلى المقلب الآخر، هناك قوى سياسية هي الأقوى شعبيًا وعسكريًا وماليًا وجدت الانتفاضة عدوًا لها، فأشهرت جميع أسلحتها غير العسكرية في وجهها، مستخدمةً كلّ الأساليب لمحاصرتها، المحرّمة وغير المحرمة أخلاقيًا واجتماعيًا وإنسانيًا.

وعملت ماكيناتها الإعلامية على التحريض والتخوين وإظهار الانتفاضة بأنّها مؤامرة غربية كبرى موجهة ضدّ فئة معينة وطائفة محددة، وهدفها الأساسي سلاح المقاومة. و"أبدعت" في اختلاق الأكاذيب واستغلال أي حدث أو خطاب أو عمل فردي، وتسليط الضوء عليه من أجل الترويج لـ"انحراف" الانتفاضة، وتصويرها على أنها موجهة من طرف سياسي على آخر، مستغلين كل حدث مهما كان بسيطًا وتضخيمه لاقناع الجمهوربالمؤامرة وللتخويف من تكرار الحرب الأهلية المشؤومة.

إن الانتفاضة المطلبية الشعبية لا تُناسب حزب يستفيد من اهتراء الدولة ليكون هو الدولة، ويستفيد من اهتراء المؤسسات العامة ليقوي مؤسساته الخاصة، ويستفيد من ضعف الدولة بشكل عام ليحكم على بيئته بالقبضة الحديدية.

فلا الوعي السياسي الذي يمكن أن يتسرب لبيئته من خلال هذه الانتفاضة يناسبه، ولا الاستقرار المالي، ولا خسارة حلفائه ممّن وضعه  في الحكم تحت شعار "لكم فسادكم ولي سلاحي". ومن ثُمّ، أتت الحادثة الأليمة التي أدت إلى استشهاد شخصين من آل شلهوب على طبق من فضة، ليُمعن هذا الطرف باستغلال دم الشهيد، الذي هو في الأساس ضحية إنارة الطرقات المظلمة والتي راح ضحيتها العشرات، قبل ان يكون ضحية قطع الطرق.

استنهض الحزب الشارع بشعارات طائفية وعصبية ومذهبية تناقض كل شعارات الانتفاضة الداعية إلى إسقاط كل شعارت التفرقة وإلى نبذ الطائفية، والمُنادية برفع شعار المواطنة والعدالة الاجتماعية. جلّ ما تريده الطبقة السياسة بكل مكوناتها، إعادة التموضع السابق بين "8 آذار" و"14 آذار" أو ما يشبهها بهدف إنهاء الانتفاضة.

توزيع أدوار واضح من أجل ضرب مصداقية المنتفضين، وأخذ الصالح بعزاء الطالح، فجمهور الثنائي الشيعي هو أكثر المتضررين من الفساد والفقر، إلا أن القيادة اختارت الاصطفاف بعيدًا من الانتفاضة المطلبية المحقة، فتركت الساحات عن علم أو دون علم لجميع الخصوم السياسيين كي يركبوا موجة الانتفاضة.

الانتفاضة الشعبية لا تُناسب حزب يستفيد من اهتراء الدولة ليكون هو الدولة، ومن اهتراء مؤسساتها ليقوي مؤسساته الخاصة

ربما نجحت بمكان ما، وربما استطاعت شحن النفوس. وهذا ظهر جليا قبل الحادث الأليم لآل شلهوب على جسر الرينغ أو "جسر الثورة" كما يحلو للبعض تسميته، حيث وجد شارع مقابل شارع وشعارات بعيدة كل البعد عن أهداف الانتفاضة. لا شك أن وهج الأخيرة قد خفت، لكنه لم ينتهِ بعد. لذلك، على المنتفضين رصّ الصفوف وإقامة أطر تنظيمية لأن الانتفاضة هي عمل سياسي لن يستقيم من دون تنظيم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

توسع الاشتباكات تزامنًا مع تأزم تشكيل الحكومة في لبنان

لماذا لا توجد قيادة للانتفاضة في لبنان؟