الانتصار بالموت في أدبيات حزب الله

الانتصار بالموت في أدبيات حزب الله

من جنازة أحد كوادر حزب الله (Getty)

لم يسبق لأي أيديولوجيا أن جعلت الموت هدفًا في ذاته، فحتى الأيديولوجيات العنيفة، قدمت الموت باعتباره وسيلة لغاية أسمى مثل الوطن أو الحرية أو العدالة، أو نحو ذلك. أما ما فعلته أيديولوجيا الإسلام السياسي أنها جعلت الموت غاية في حد ذاته، وفق الشعار المركزي للإخوان المسلمين "الموت في سبيل الله أسمى أمانينا"، ووفق أدبيات حزب الله، وغيرهما.

ما فعلته أيديولوجيا الإسلام السياسي أنها جعلت الموت غاية في حد ذاته، ما يتجلى في شعارات الإخوان المسلمين وأدبيات حزب الله

الدعوة لنيل الشهادة؟

في الثقافة الاستشهادية لدى حزب الله ثمة مفهوم الدعوة لنيل الشهادة، فهم يخاطبون بعضهم البعض بالقول: "ادع لي بالشهادة"، و"إن شاء الله تكسب الشهادة وتنالها"، و"الشهادة شرف لنا"، ويردد نصرالله في خطاباته على مسمع عشرات الآلاف من الشيعة "نحن عشاق الشهادة". ومن ذلك أيضًا تكرار مقولة أخرى متداولة بكثرة: "إن القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة".

اقرأ/ي أيضًا: أسئلة يتغاضى عنها حسن نصر الله

ويعتبر نصرالله أن مقتل قاسم سليماني انتصارًا للمقاومة ومحور الممانعة، وفقًا لشعارهم "انتصار الدم على السيف" المؤسس على عقيدة قديمة. ويضيف نصرالله بالقول: "أنا أغبطه (سليماني) على استشهاده، فقد حقق أمنية الأماني بلقائه الله" على حد قوله. 

ثم في الجملة التالية يؤكد نصرالله أنه كان يحذر سليماني دومًا من أجل توخي الحذر. وحين نجا سليماني من محاولة اغتيال سابقة في مدينة كرمان بإيران، قال له نصرالله "الحمد لله على سلامتك"، كيف يمكن أن نحسد سليماني على استشهاده ثم نهنئه على النجاة من محاولة اغتيال؟ تناقض فج!

وبتشريح خطاب نصر الله، نلحظ أنه في تأبينه لسليماني وأبو مهدي المهندس، يقول: "المعادلة الإيمانية تحول نقطة قوة العدو القصوى إلى نقطة قوتنا القصوى، وبالتالي لا يمكن هزيمتنا، فحين ننتصر ننتصر، وحين نستشهد ننتصر".

وسرعان ما انتشرت صورة تُظهر قاسم سليماني معانقًا الحسين بن علي بن أبي طالب، في محاولة لتقديس سليماني وتمثيله لفكرة الموت عمومًا، بتشبيه جثته بجثث الرموز الدينية.

يستند حزب الله في عقيدته إلى حق إلهي معطى وثابت لا يمكن أن يزول بالنسبة إليه، فمن بين الشعارات المكتوبة والمنتشرة في المناطق الشيعية بلبنان نجد الشعار التالي: "نحن دائمًا على حق، فيما كان، وما هو كائن، وما سيكون". وبتحليل بسيط لهذا الشعار، يتضح أن الحزب، وفق عقيدته، إنما يقف على يقين بأن الحق لا يمكن أن يفارقه في كافة أفعاله في الماضي والحاضر والمستقبل!

قربان الموت

لطالما نشر إعلام حزب الله زغاريد الأمهات في مآتم أبنائهن القتلى، وأثناء مراسم التشييع، والتي تكون أشبه بالأعراس حيث تنثر الورود وحبات الأرز على جثث الموتى، تمامًا كما يحصل في الزفاف. وتشمل ثقافة "الشهادة" مزيجًا كبيرًا من الأغاني والقصص التي تسمو بالموت، باعتباره "قربانًا".

يمكن رؤية ذلك فيما تلتقطه وسائل إعلام تابعة، من حديث أسر القتلى الذي يعبر عن فرحة بتقديم الميّت/ القتيل/ "الشهيد"، قربانًا للقضية وفداءً لـ"السيد" حسن نصر الله. ويتغاضى الإعلام في المقابل عن تصوير الألم والبكاء ولحظات الضعف الإنساني على الفراق.

الشهادة حالة طبقية

و"الشهادة" حالة طبقية، تتضمن مراتب من الأعلى إلى الأدنى، فقاسم سليماني نال مرتبة "الشهيد العظيم"، فيما نال أبو مهدي المهندس مرتبة "الشهيد الكبير"، أما البقية ممن قضوا نحبهم فيذكرون برفيقيهما، دون حتى الاهتمام بذكر أعدادهم فضلًا عن أسمائهم. هم شهداء وفقط، بلا مرتبة، تمامًا كما يُفرّق بين الجندي والضابط الكبير والضابط الأكبر.

فمثلًا، لو قضى إلى جانب قاسم سليماني ألف رجل، سيُذكر في ثقافة هؤلاء: "اغتيال الشهيد العظيم قاسم سليماني وألفًا من رفاقه"! هذا فضلًا عن تمييز أسرة "الشهيد" عن غيرها من أسر الآخرين الذين ماتوا دون "شهادة"، وتفضيلها نخبويًا ورفعها درجة ودرجات عن غيرها.

الشهادة وتبرير العنف

تجاوزت الشهادة مفهومها الديني، وارتبطت بأبعاد سياسية لتبرير قتل الآخرين. وتجاوز الأمر هنا القتال دفاعًا عن الأرض أو العرض، للدفاع عن أيديولوجيا ومكاسب سياسية مغلفة بألقاب مثل "الحق" و"القضايا النبيلة" و"العدالة" وغيرها، دون أن تحقق أي من هذه الألقاب مقومات الحياة الكريمة لشعوبنا.

ثم ما هي القضايا التي يحملها حزب الله؟ فالقضية الوطنية تخطاها، بل هدمها، والقضية العربية ضربها بخدمة المشروع الإيراني، والقضية الإسلامية كذلك ضربها بالصراع المذهبي. وهكذا حتى بات المشروع الوحيد لحزب الله وحلفائه في المنطقة، هو نصرة الشيعة في العالم، ولو بطريق العنف.

تجاوزت الشهادة مفهومها الديني، وارتبطت بأبعاد سياسية لتبرير قتل الآخرين وتجاوز الأمر القتال دفاعًا عن الأرض والعرض، للدفاع عن أيديولوجيا

إن تداعيات انتشار ثقافة الموت تنمي في الإنسان دوافع الموت على حساب دوافع الحياة. ودوافع الموت قد تنفع في الحروب، لكنها لا تنفع أبدًا حين نريد بناء الحضارة والوطن والعمران والتمدن لشعوبنا ودولنا. فهل مفهوم الشهادة أقرب إلى ثقافة الحياة أم إلى ثقافة الموت؟ هل الشهادة ثقافة تشاؤم أم ثقافة تفاؤل؟ ثقافة حب أم ثقافة كراهية؟ مآلات الحاضر والمستقبل يحددان ذلك.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الحرب والمقدس عند الشيعة في لبنان

صقور حزب الله واضطراب ما بعد الصدمة