الانتخابات النيجيرية.. مصارعة سعودية - إيرانية في العمق الأفريقي

الانتخابات النيجيرية.. مصارعة سعودية - إيرانية في العمق الأفريقي

كانت الانتخابات النيجيرية ساحة للصراع بين المساعي الإيرانية والسعودية (ْGetty)

عبرت الانتخابات النيجيرية التي أجريت للتو بمطبات سياسية عميقة، تمثلت في الأوضاع الأمنية الهشة مع استمرار الهجمات المتفرقة من قبل جماعة بوكو حرام، وخيبة أمل شعبية في تقدم رئيس يمنح الأمل لشعب فقير يعيش في بحيرة ثرية من النفط، بجانب صراع القوى السعودية الإيرانية المتنافسة داخل نيجيريا ومنطقة غرب أفريقيا عمومًا.

 انصب الاهتمام السعودي على نيجيريا، كمحاولة لردع  الوجود الإيراني في منطقة الساحل الأفريقي، تحديدًا بعد موت الرئيس الليبيي معمر القذافي الذي بسط ولايته على هذه المنطقة

 انتهى السباق الرئاسي في نيجيريا بفوز الرئيس الحالي محمد بخاري مرشح التحالف التقدمي الكامل (APC)، وهو قائد سابق للجيش، على منافسه أبوبكر أتيكو مرشح الحزب الديمقراطي الشعبي، لتكسب معه مراكز ثقل داخلية وخارجية تفضل التحالف مع الرئيس الحالي الممسك بزمام الأمور العسكرية والسياسية.

اقرأ/ي أيضًا: قبلة الدكتاتوريات.. لماذا توطد إسرائيل علاقاتها في أفريقيا؟

ومع أن السباق كان محتدمًا إلى آخر لحظة بين أتيكو نائب الرئيس السابق ومحمد بخاري، إلا أن النيجيريين أبدوا حرصًا فاترًا على إصدار حكمهم النهائي على السياسات الحكومية الرامية إلى معالجة التحديات الاجتماعية والاقتصادية المستمرة، المتمثلة في ارتفاع معدلات الفقر وعدم المساواة وارتفاع مستويات البطالة بين الشباب، بجانب فساد أباطرة النفط، وهى المعضلة الكبرى منذ عقود.

نشدان الاستقرار

ونظرًا لمكانة نيجيريا المحورية كأكبر بلد أفريقي تقريبًا من حيث عدد السكان والنزاع العرقي، وأكبر اقتصاد أيضًا في المنطقة، فضلًا على أنها تعد لاعبًا رئيسيًا في سوق النفط العالمية، بدا واضحًا حرص المراقبين المحليين والدوليين على ضمان أن تكون الانتخابات مشروعة وحرة ونزيهة ظاهريًا على الأقل، لتجنيب البلاد ومنطقة غرب أفريقيا مخاطر أمنية جمة.

كانت إيران سباقة في العبور باكرًا إلى العمق الأفريقي، إذ أدركت أهمية هذه القارة وجوارها العربي، بجانب قدرتها على تأمين المخزون الغذائي والطاقة البديلة. ووفقًا لمراقبين فإن إيران منحت نيجيريا اهتمامًا كبيرة من خلال بناء المساجد وتشييد المدارس الدِّينية، في محاولة منها لتهيئة الأرضية لنشر المذهب الشيعي، والاستفادة أيضًا من الموارد المتاحة، بينما انصب الاهتمام السعودي كردة فعل على الوجود الإيراني في منطقة الساحل الأفريقي، تحديدًا بعد موت الرئيس الليبيي معمر القذافي الذي بسط ولايته على هذه المنطقة، ولربما تأخر هذا الاهتمام السعودي كذلك، أو أنه لم يجد أرضية ملائمة بسبب انتشار الطرق الصوفية في البلاد.

حزب الله النيجيري

يعتبر الزعيم الديني النيجيري إبراهيم زكزاكي من أبرز الموالين لإيران والمدافعين عن مشروعها، وكانت إيران تسعى عبره لاستنساخ تجربة أشبه بحزب الله في مدينة زاريا المقدسة عند الجماعات الصوفية النيجيرية، لا سيما وأن زكزاكي تأثر بأفكار الراحل سيد قطب والمرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران آية الله الخميني، وبدأ حياته حركيًا يدعو إلى مشروع إسلامي في بلد تبلغ نسبة المسلمين فيه نحو 55%.

ولا يزال الشيخ زكزاكي حبيسًا منذ سنوات، وقد اتهم لأكثر من مرة بتقويض النظام العسكري خلال حقب سابقة، لكن الجيش النيجيري ظل أيضًا يطارد جماعته، وقد جاءت حادثة اقتحام مدينة زاريا في العام 2015 من قبل الجيش النيجيري بشكل صارم للقضاء على أنصار الرجل ومشروعه، حيث اتَّهمَت الحكومة أنصار الرجل بتدبير محاوله اغتيال رئيس هيئة الأركان في الجيش الجنرال توكور يوسف بوروتاي، مِمَّا أدَّى إلى مقتل المئات واعتقال زعيم الحركة زكزاكي إلى الآن.

مواجهة النفوذ الإيراني

وكادت تلك الواقعة أن تتسبب في أزمة دبلوماسية بين الحكومتين الإيرانية والنيجيرية، وهو ما يبدو أن السعودية انتبهت له مؤخرًا، حيث دخلت في خط التطبيع مع محمد بخاري منذ ولايته الأولى، بل ومضت السعودية إلى دعم حملة الرئيس الحالي، وبعثت إلى أبوجا يوم الأربعاء الماضي وزير الدولة للشؤون الأفريقية أحمد بن عبدالعزيز قطان، ناقلًا للرئيس محمد بخاري رسالة من ولي العهد محمد بن سلمان، أشبه بالمساندة التي رجحت محاولات دعم ظاهرة.

علاوة على ذلك تدعم المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة القوة العسكرية المشتركة لمنطقة الساحل، وهي أحدث مؤشر للتنافس على النفوذ مع إيران في غرب أفريقيا، وتندرج القوة تحت عنوان G5 الساحل، الذي يجمع موريتانيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد بجانب نيجيريا، وخصصت المملكة العربية السعودية نحو 118 مليون دولار ، وعرضت الإمارات 35 مليون دولار لتمويل القوة العسكرية المشتركة، من أجل ما وصفته بالتعاون الإقليمي في القضايا السياسية والأمنية، كذلك التخطيط لحضور طويل الأمد في المنطقة ومواجهة النفوذ الإيراني.

ومن المهم أيضًا الإشارة إلى زيارة قام بها المرشح الرئاسي أتيكو أبوبكر وأعضاء حزب المعارضة في نيجيريا إلى قبر مؤسس الدولة العثمانية في غرب أفريقيا بمدينة سوكوتو عاصمة الدولة العثمانية، وذلك في مستهل الجولة الأولى للحزب المعارض في شمال البلاد، وهو تقريبًا ما أثار مخاوف السعودية من تلويح رئيس محتمل خارج نطاق تحركاتها وهواجسها السياسية.

جسور التواصل العربي

يرى الخبير المختص في الشأن الأفريقي مكي المغربي أن نيجيريا دولة تتربع علي نصف القرار الأفريقي جنوب الصحراء، مبينًا لـ"ألترا صوت" أن نيجيريا هي القائد الفعلي لكتلة غرب أفريقيا، ولذلك فإنها محل تقاطع نفوذ دولي رهيب. يضيف مكي أن "الرئيس بخاري في دورته الأولى حصد اهتمامًا غربيًا كبيرًا، وفي بدايات عهد ترامب كان من القلائل الذين صرح الرئيس الأمريكي بتعويله على التعاون معهم في الاستثمار في أفريقيا".

وأشار المغربي أيضًا إلى أن بخاري اجتهد في مد جسور التواصل مع العالم العربي، لا سيما وأن هنالك وجودًا إيرانيًا استثماريًا وثقافيًا في نيجيريا، ولكن الاضطراب من الجانب العربي كان أكبر، منبهًا إلى قمة أديس أبابا في بداية هذا العام، عندما قال رئيس المفوضية الأفريقية موسي فكي إن الشراكة العربية الأفريقية  أقل من غيرها. وأضاف المغربي: "أنا أعتقد موسي فكي محق في ذلك بل لا توجد شراكة بالمعنى الحقيقي أو بالحجم المطلوب، هي شراكات دول بعينها مع دول محددة وحتى هذه الشراكات باتت موبوءة بالتنافس بسبب الخلافات العربية، وصار العرب يصدرون أزماتهم لأفريقيا بدلًا من تنميتها".

اقرأ/ي أيضًا: كيف تستعيد الأمم السوداء كرامتها؟

شكوك بالتزوير

وبالعودة للانتخابات النيجيرية التي فاز فيها محمد بخاري للمرة الثانية، بفارق نحو خمسة ملايين صوت، فإن مرشح المعارضة أبوبكر أتيكو رفض الاعتراف بتلك النتيجة مدعيًا حصول تزوير، وكتب أتيكو على جدار صفحته الرسمية في فيسبوك قائلًا: "لن أعترف بهذه الانتخابات"، معتبرًا أن الديمقراطية لن تكون عاجزة في نيجيريا، مشيرًا إلى ما وصفها  بمخالفات واضحة ومتعمدة تلغي النتائج التي أعلن عنها.

منحت إيران  نيجيريا اهتمامًا كبيرة من خلال بناء المساجد وتشييد المدارس الدِّينية، في محاولة منها لتهيئة الأرضية لنشر المذهب الشيعي، والاستفادة أيضًا من الموارد المتاحة

ولفت أتيكو إلى استحالة تقدير الإحصائية في دولة دمرتها الحرب على الإرهاب، بما يعني توليد نسبة أعلى بكثير من نسبة الناخبين من الدول السلمية، وذهب إلى ما وصفها بالأصوات المكبوتة في بعض الأقاليم النيجيرية الواضحة جدًا، قائلًا "إنني أشعر بالخجل من كون حدوث ذلك مسموحًا به في نيجيريا"، معتبرًا أن إضفاء الطابع العسكري على العملية الانتخابية يسيء إلى الديمقراطية، ويقود إلى الارتداد إلى عصر الدكتاتورية العسكرية. ودعى أتيكو النيجيريين إلى استدعاء الشجاعة للدفاع عن الديمقراطية، وقال إن ذلك هو "الطريق الوحيد الذي يمكننا أن نتحرك فيه بعيدًا عن كوننا المقر العالمي للفقر المدقع" على حد وصفه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"مصافحة" إريتريا وأثيوبيا.. آخر أوراق ابن زايد في البحر الأحمر