الانتخابات التركية.. فرصة

الانتخابات التركية.. فرصة "الرجل الواحد" للتفكير في الجميع

قد يكون تشكيل أردوغان لإدارة أكثر ثباتًا فرصة أمام تحسين الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد (Getty)

 لم يكن ما آلت إليه الانتخابات التركية سواء الرئاسية أو البرلمانية صادمًا، وعلى الرغم من عبور الحزب الحاكم بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، عتبة الخطر، إلا أن النتائج عكست انقسامًا واسعًا داخل المجتمع التركي، ودشنت على ما يبدو، نهاية سنوات الانتصار الكاسح لحزب العدالة والتنمية. إذ فاز أردوغان بأغلبية غير مريحة، تجاوزت الخمسين في المئة بقليل، بينما فشل حزبه في تحقيق أغلبية برلمانية، مع كسر أحزاب صغيرة لحاجز الـ10% ودخولها إلى البرلمان.

يرى مراقبون أن الصلاحيات الفائقة التي سيتمتع بها الرئيس التركي، لن تكون كافية لتحقيق الاستقرار المطلوب

يبدو المشهد في تركيا، على ضوء التعديلات الدستورية، في الطريق إلى انقسامات حادة، حيث يرى مراقبون أن الصلاحيات الفائقة التي سيتمتع بها الرئيس التركي، لن تكون كافية لتحقيق الاستقرار المطلوب، ويبدو أن فشل الكتلة البرلمانية التابعة لحزب العدالة والتنمية، بالفوز في أغلبية المقاعد، سيسبب إزعاجًا متواصلًا للرئيس التركي، على الأقل في السنوات الخمس القادمة، رغم أن التحالف الذي يجمع الحزب الحاكم بالحزب القومي يكفي لسن تشريعات في البرلمان، لكنه لا يكفي لتطبيق تغييرات دستورية.

وقد أكد أردوغان في غير مرة، على ضرورة وجود سلطة تنفيذية حازمة لخلق دولة مستقرة من شأنها أن تتخذ "خطوات للمستقبل بطريقة أقوى"، لكن ما أراده الرئيس التركي الذي يهيمن على السلطة في البلاد منذ 15 عامًا، لا يبدو أنه سيتحقق على المدى القريب. وعلى العكس، فإن التعزيز من صلاحيات السلطة التنفيذية، التي حازت بفعل التعديلات على ميزات تشريعية واسعة، قد يضع البلاد أمام موجة من عدم الاستقرار بسبب نتائج الانتخابات الأخيرة.

اقرأ/ي أيضًا: كل ما تحتاج إلى معرفته عن الانتخابات التركية

ومن خلال التعديلات الجديدة، التي سيبدأ العمل بها مع الولاية الجديدة للرئيس، سيتمكن أردوغان من تعيين نواب الرئيس والوزراء والمسؤولين رفيعي المستوى وكبار القضاة، بالإضافة إلى حل البرلمان وإصدار مراسيم تنفيذية وفرض حالة الطوارئ.

ماذا عن المشاكل الاقتصادية؟

قد يكون أردوغان اختار الوقت المناسب فعليًا من أجل إجراء انتخابات مبكرة، ولم يكن ربما سيحصل على نفس العدد من الأصوات لو أنه انتظر حتى الموعد الرسمي للانتخابات في العام القادم، خاصة مع سيطرة الأحاديث عن الوضع الاقتصادي على الشارع التركي. لكن هذه الأزمة ستظل بالتأكيد من الأزمات الأهم التي تواجهها إدارته الجديدة، ولا يمكن تجاوزها بتحييد تأثيرها الحاسم على الانتخابات.

يقول النقاد ومعارضو حزب العدالة والتنمية، إن نجاح أردوغان في الانتخابات الرئاسية، سيعزز من سلطة الرجل الواحد

ويقول أردوغان إن سلطته المتزايدة ستمكّنه من معالجة المشاكل الاقتصادية التركية وهزيمة المتمردين الأكراد في جنوب شرق البلاد، لكن هذا الادعاء لا يقنع كثيرًا من المراقبين، الذين يقولون إن الإدارة المركزية للدولة، التي ستتعزز تحديدًا خلال هذه الولاية، تحيل الاقتصاد إلى تراجع محسوم، خاصة أن زعيم حزب العدالة والتنمية يريد فرض وصايته على البنك المركزي، ويسعى إلى فرض تصوره الشخصي عن ضرورة تقليل الفائدة قدر الإمكان، وهو ما تسبب بطبيعة الحال بإغراق الأسواق التركية بالقروض ووصول الليرة التركية إلى أقل مستوى مضارباتي لها منذ فترة طويلة.

الخلافات مع الغرب ونتائج الانتخابات

من غير المعروف إن كانت الانتقادات الحادة التي يتعرض لها الرئيس التركي، تتزايد بسبب خلافاته مع دول الاتحاد الأوروبي، والإدارة الأمريكية الجديدة التي لا تزال تحتضن فتح الله غولن، الذي تتهمه أنقرة بالوقوف خلف محاولة الانقلاب التي حصلت في صيف عام 2016.

اقرأ/ي أيضًا: اللاجئون السوريون يقودون أردوغان إلى النصر

وترافق فوز أردوغان، مع كثير من الجدل حول الصلاحيات الجديدة التي سيحظى بها، وتثير هذه القضية لبسًا كبيرًا، إذ إن بعض الدول الأوروبية تتهم ما يجري بأنه عداء للديمقراطية، لكن السلطات التركية تنفي ذلك، وتقول إنه خيار الشعب، الذي عبر عنه من خلال الاستفتاء النزيه. وحسب مراقبين، فإن هناك انتقادات واسعة لخطوات أردوغان، نتيجة خلافات لا علاقة لها بهذا الملف، وأنه حتى لو كانت التغييرات الدستورية تذهب بتركيا باتجاه سلطة تنفيذية واسعة وخطيرة، إلا أنه من حق أردوغان رفض تدخل دول الإقليم الأوروبي في السياسات الداخلية، وهو تدخل قد ينتهك السيادة السياسية للبلاد.

إلى أين تذهب تركيا؟

يقول النقاد ومعارضو حزب العدالة والتنمية، إن نجاح أردوغان في الانتخابات الرئاسية، سيعزز من سلطة الرجل الواحد، حيث إنه سيكون أول رئيس تركي يتولى المنصب مع الصلاحيات الجديدة التي أقرها الاستفتاء، وهو ما يعني أن المستقبل ما زال مجهولًا، وأنه ليس من المعروف كيف سيستغل الرئيس التركي هذه الصلاحيات وفي أي اتجاه.

ومع أن هؤلاء المعارضين يتوقعون أن يستثمر أردوغان في هذه التعديلات من أجل قمع ناشطي المعارضة، فإن ما يجري قد يكون فرصة لعكس ذلك تمامًا في نفس الوقت. إذ إن أردوغان رغم محاولة الانقلاب الفاشلة، ثم تدهور الليرة التركية والمشاكل الاقتصادية وخلافاته مع الغرب، ومع حصول المعارضة على أرقام غير مسبوقة في الانتخابات، لا يزال منتصرًا، فقد استطاع تجاوز المشاكل الأهم والعقبات التي كان من الممكن أن تقف أمام توليه للسلطة من جديد، وهو ما يعني تشكيل إدارة أكثر قوة وثباتًا، من المفترض أن تجعله أكثر تسامحًا مع الأصوات المعارضة، وأكثر تقبلًا للفاعلين الآخرين، سواء في شؤون السياسة أو الاقتصاد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كيف خسر أردوغان الليبراليين؟

7 استفتاءات دستورية في تاريخ تركيا الحديث.. ماذا تعرف عنها؟