الانتخابات البرلمانية العراقية.. حدود التأثير والتغيير
8 نوفمبر 2025
توقّفت في العراق، اليوم السبت، الحملات الدعائية للانتخابات العامة، تمهيدًا لتوجّه الناخبين، يوم الثلاثاء المقبل، إلى صناديق الاقتراع لاختيار برلمان جديد، فيما يبدأ نحو 1.4 مليون ناخب من القوات العسكرية والأمنية والنازحين، صباح غدٍ الأحد، عملية التصويت الخاص.
وتُعدّ الانتخابات المرتقبة السادسة من نوعها منذ الغزو الأميركي وتغيير نظام البعث عام 2003، إذ جرت أول انتخابات برلمانية عام 2005. كما تشكّل، بحسب وكالة "رويترز"، اختبارًا مهمًا لرئيس الوزراء العراقي الحالي محمد شياع السوداني، ولنظام يرى كثير من الشباب العراقيين أنه لا يساهم إلا في إثراء النخب الحاكمة.
وتتجه أنظار المراقبين إلى نسبة المشاركة، في ظل مقاطعة تيارات بارزة، أبرزها التيار الصدري. إذ إن انخفاض الإقبال سيعزز القناعة بخيبة الشارع العراقي من التغيير تحت النظام السياسي الحالي، بينما قد يمنح الإقبال القوي "المرشحين الإصلاحيين والأصغر سنًّا نفوذًا محدودًا في البرلمان"، وفق رويترز.
وبالنظر إلى التعقيدات التي ترافق عادةً عملية الفرز والمصادقة على النتائج من قبل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، يُتوقّع أن يتأخر إعلان النتائج لعدة أيام، فيما قد يستغرق تشكيل الحكومة الجديدة شهورًا، بالنظر إلى عمق الانقسامات بين مكونات المشهد السياسي.
تسود حالة من خيبة الأمل في الشارع العراقي من الطبقة السياسية في البلاد
يُذكر أن البرلمان العراقي يتألّف من 329 مقعدًا، وبعد المصادقة على نتائج الانتخابات يجتمع لاختيار رئيسه ونائبيه، ثم انتخاب رئيس الجمهورية الذي يكلّف بدوره الكتلة الأكبر في البرلمان بتشكيل الحكومة.
خيبة أمل شعبية
تسود حالة من السخط الشعبي في العراق بسبب الفساد والبطالة وتردّي الخدمات العامّة، ويحمّل كثير من العراقيين النظامَ الانتخابي مسؤولية هذه الأوضاع، لكونه يكرّس المحاصصة الطائفية التي أدّت إلى استئثار أحزاب وتيارات سياسية بعائدات الثروات الوطنية وتقاسم المناصب على أساس الولاء الحزبي والطائفي.
وتلاحظ وكالة رويترز ومراقبون مفارقةً مفادها أنه في الوقت الذي "تنحسر فيه الطائفية السياسية إلى حدٍّ كبير بين العراقيين الأصغر سنًّا، فإنها لا تزال متجذّرة في النظام السياسي الذي يقسّم المناصب الحكومية على أساس الطائفة والعرق".
ويُشار إلى أن نحو 40% من المرشحين المسجلين تقل أعمارهم عن 40 عامًا، ما يسلّط الضوء على محاولات الجيل الجديد تحدّي الهيمنة السياسية لشبكات السلطة القديمة.
الائتلافات المتنافسة
يُعدّ ائتلاف الإعمار والتنمية الذي يقوده رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني الأكثر حظًّا في الانتخابات التشريعية، ويضم هذا الائتلاف مجموعة من الأحزاب الشيعية، وتركّز دعايته الانتخابية على وعود بتحسين الخدمات ومحاربة الفساد وتوطيد سلطة الدولة.
ويعوّل السوداني على تمديد ولايته من خلال الترويج لإنجازات اقتصادية واستثمارات في مجالي النفط والطاقة، وعلى سياسته المتوازنة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية.
ويواجه السوداني ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، المقرّب من إيران والمتّهم بتكريس الانقسام الطائفي الذي ساهم في صعود تنظيم الدولة الإسلامية عام 2014.
وإلى جانب هذين الائتلافين المتنافسين على "الصوت الشيعي"، تبرز أحزاب أخرى ذات ارتباطات وثيقة بإيران وبجماعات مسلحة، حيث ترشّحت هذه الأحزاب على قوائم منفصلة.
أما القوى السياسية السنية، فيبرز منها حزب تقدّم بزعامة رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي، الذي يركّز في دعايته الانتخابية على إعادة بناء مؤسسات الدولة وتمكين المجتمعات السنية بعد سنوات من الصراع والتهميش.
ويشارك الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني في الانتخابات، سعيًا إلى تعزيز مكاسبه الانتخابية وزيادة حصة إقليم كردستان من عائدات النفط، في ظل منافسة من حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة بافل طالباني، الذي يدعو إلى "تعزيز العلاقات مع بغداد".
أما التيار الصدري، فيتصدر لائحة المقاطعين، مبرّرًا قراره بـ"تفشّي الفساد" و"انعدام الثقة في العملية السياسية"، رغم احتفاظه بنفوذ واسع داخل مؤسسات الدولة من خلال التعيينات الحكومية.
الانتخابات وحدود التأثير
يستبعد المراقبون أن تُحدث الانتخابات التشريعية تغييرات جوهرية في المشهد السياسي، إذ تنتهي المفاوضات الطويلة بين القوى النافذة عادة إلى توافقات تحفظ امتيازاتها ومواقعها داخل الدولة.
كما أن النظام السياسي الطائفي يحدّ من فرص التغيير الحقيقي، نظرًا إلى توزيع المناصب العليا على أسس طائفية وإثنية: رئيس الوزراء شيعي، ورئيس الجمهورية كردي، ورئيس البرلمان سني.
ومع ذلك، تبقى تطلعات الشارع العراقي عامل ضغط متزايد على أي حكومة مقبلة، في ظل تفاقم الفساد وتردّي الخدمات العامة واستمرار الغضب الشعبي من أداء الطبقة السياسية.






