الالتفات إلى ألم الآخرين

الالتفات إلى ألم الآخرين

أطفال سوريون يصلون ميونخ (Getty)

نعم عزيزي نحن السوريّين لاجئون، لاجئون يحبنا العالم. هو نفسه العالم العقيم الذي نشتمه منذ خمس سنوات. أذكر منذ طفولتي حكايات عن أشخاص يغرقون في البحر الأبيض المتوسط في رحلة الهروب إلى أوروبا دون أن يهتم أحد بتلك الحكايات، تزاحمها الآن صورة طفل سوري ملقى على وجهه على شاطئ بحر تركي ضجّ العالم بها.

سيُسعَد الملايين من البشر حقًا، عند الاهتمام باللاجئين على قدم المساواة دون الانسياق وراء التهويل الإعلامي

كسوري مقيم في ألمانيا، وأُصنف، رغمًا عني، كـ"لاجئ"، أوّد القول إنّ تعاطف الناس مع اللاجئين السوريين يسعدني، لا بل أستطيع القول إنّ هذا هو الفعل الصحيح الذي كان لا بدّ للمجتمعات المدنيّة القيام بها، بغض النظر عن حكومات هذه المجتمعات،  لكن لا أحب أن أُعامل معاملة خاصة، إذ أعتقد بأنّ المُرحبين باللاجئين عليهم أن يُعاملوا كلّ اللاجئين، "البشر"، على قدم المساواة، فللأحياء الحق في أن يعيشوا أينما أرادوا.

لا أستطيع، مع كلّ هذا الاهتمام الإعلامي المتزايد باللاجئين السوريين، أن لا أفكر باللاجئين الآخرين، بأولئك الأفغان الذين يفترشون حدود بلادهم مع إيران، اللاجئون العراقيون الذين يسلكون طرقات السوريين ذاتها للوصول إلى الحلم الأوروبي، لاجئو الصحراء الغربيّة، اللاجئون الهاربون من الحروب الأفريقيّة، الصوماليون، سكان راوندا، فقراء العالم الذين يبحثون عن حياة كريمة، لا أستطيع إلا أن أفكر بمئات الملايين، من سكان هذا الكوكب اللعين، الذين يبحثون في كلّ دقيقة عن فرصة جديدة لبدء حياة جديدة متمتعين بحريّة وكرامة سكان "العالم الأول".

لا أريد أن يُفهم من هذا الكلام بأنّني ضد الاهتمام باللاجئين السورين، فوالله وبالله وتالله أنا سعيد بهذا، لكن سأكون سعيدًا بدرجات مضاعفة، وسيُسعَد الملايين من البشر إن استطاع "العالم الأول" أن يهتم بكلّ اللاجئين والمحتاجين من دول العالم على قدم المساواة دون الانسياق وراء القصص الإعلاميّة الضخمة. هذا الكلام موجه بالدرجة الأولى إلى السوريين عمومًا، واللاجئين منهم خصوصاً، وليس إلى أولئك الذين لا يقرؤون اللغة العربيّة.

عزيزي هناك بعض الأشخاص والمجتمعات التي تساعدنا وهي مشكورة على ذلك، لكن في خضم هذا الألم ألا يجدر بنا أن نفكر برّد الجميل إلى شعوب أخرى، شعوب تحتاج إلى مساعدة. 
لا يكفي أن نتماهى مع مجتمعاتنا الجديدة، بل عليّنا أن نوزع الحب والاهتمام الذي حصلنا عليّه من البعض على غيرنا، أن نهتم بقضايا أناس آخرين.

هل تعلم عزيزي أنّ العراقي، أو اللبناني أو الفلسطيني أو الأفغاني.. إلخ، الذي يحاول أن ينتحل شخصيّة السوري حين يُقدم طلب لجوئه، في ألمانيا مثلًا، لا هدف له سوى أن يحصل على حياة جيدة بوقت سريع مثلك تمامًا؟ هل تعلم أنّ هدفه ليس الانتقام منك أو أخذ امتيازتك؟ عزيزي إن لم يكن وضعه أسوأ من وضعك لما قرر أن ينتحل شخصيتك.

عزيزي تذكر أنّ أوضاع السوريين الذين كانوا يلجؤون إلى أوروبا قبل عام 2012 كان مأساويًا. التقيت في العام 2011 في مدينة ألبروك Albbruck في الجنوب الألماني بأحد اللاجئين القادمين من مدينة حلب، كان يسكن في الغرفة نفسها منذ عشرة أعوام ونصف، لم يحصل على حق اللجوء أو حق العمل. عائلة من أقربائي بقوا لاجئين عشرة سنوات في هولندا حتى حصلوا على حق اللجوء في العام 2007.

إنّ ما نعانيه نحن السوريين، كأفراد أو كجماعات، أمر هائل بالطبع، لكن إن لم نشعر نحن بآلام الآخرين ونحن من يعاني، من سيفعل؟ إن لم نساعد بشر آخرين في مناطق أخرى في هذا الكوكب سيأتي يوم لن يساعدنا فيه أحد. ليس للمتألم غير المتألم وليس للضعيف إلا الضعيف. تقول جدتي: ليس للفقير إلا الفقير.