الاقتصاد في دولة الأسد.. الإدارة بالهراوة

الاقتصاد في دولة الأسد.. الإدارة بالهراوة

نجحت سياسة الهراوة التي لجأ إليها النظام

ما إن انتهى الأسد من إصدار مرسومه التشريعي رقم 3 لعام 2020، القاضي بتشديد العقوبة على كل من يتعامل بغير الليرة السورية في المعاملات التجارية المحلية، وأتبعه بالمرسوم رقم 4 لنفس العام، الذي يغلّظ العقوبة لكل من تسول له نفسه الإعلان أو المشاركة بالإعلان عن سعر صرف الليرة السورية السوقي في وسائل التواصل الاجتماعي، حتى وجد السوريون أنفسهم عرضة لحملة مطاردة شرسة. كان عرّاب قيادتها الجنرال محمد خالد رحمون وشرطة داخليته التي قررت أن تأخذ كل من يملك دولارًا واحدًا بشبهة المتاجرة بالعملات الأجنبية، تلك التي لا يمثل امتلاكها من قبل الناس بحد ذاته فعلًا جرميًا، بدليل إعلان البنك المركزي السوري عن استعداده لشراء تلك العملات بالسعر التفضيلي الجديد (700 ليرة للدولار الواحد)، دون مطالبة مالكيها بسند يثبت مصدر حصولهم عليها.

أثبتت مراسيم الأسد الرئاسية عبر نجاحها في تثبيت سعر صرف الليرة مقابل الدولار أنه ليس بالعقل وحده يدار الاقتصاد، بل بالهراوة

في مسابقة الزمن لوقف النزيف الحاد في سعر صرف الليرة مقابل الدولار، أثبت رحمون كفاءة منقطعة النظير في تفسير محتوى المرسومين التشريعيين لبشار الأسد، حتى قبل أن تصدر اللوائح التنفيذية المفسرة لبنوديهما، إذ سرعان ما قام بالإغارة على جميع مكاتب تحويل العملة المرخصة في البلاد ، بحجة شرائها للدولار بسعره المتداول في السوق السوداء، مع العلم أن تلك المكاتب لم تكن تتبع في معاملتها المالية تلك، سوى تعليمات حاكم مصرف سوريا المركزي حازم قرفول، الذي شجّعها على شراء الدولار من الأسواق المتاحة بغض النظر عن سعره السوقي، نتيجة حاجة النظام الماسة لتمويل متطلباته من المواد المستوردة.

اقرأ/ي أيضًا: انهيار الليرة السورية.. هل يوجه لبنان الضربة القاضية لنظام الأسد؟

أثبتت مراسيم الأسد الرئاسية عبر نجاحها في تثبيت سعر صرف الليرة مقابل الدولار في السوق السوداء عند حد الـ 1000 ليرة، أنه ليس بالعقل وحده يدار الاقتصاد، بل بالهراوة، التي قدّر لها أن تجرف بطريقها نايف الأحمر، مالك شركة غولدن للإنتاج الفني، الذي أحتاج لشفاعة تسعة من كبار مسؤولي النظام بمن فيهم الرأس الأكبر، كي تتم تبرئته من تهمة التعامل بغيرالليرة السورية.

في الوهلة الأولى يتبدى للمرء أن ارتفاع أسعار السلع المستوردة في السوق المحلية، له علاقة بتذبذب سعر صرف الليرة في السوق السوداء، إلا أن التحقيق الذي أجراه "موقع الحل" في العاشر من الشهر الحالي، أشار بشكل جلي إلى علاقة تبادل المنافع التي حكمت القائمين على وزارة الاقتصاد والمستوردين المحسوبين على النظام أو الذين يتاجرون باسمه، الذين لم يلقوا بالًا لأحوال الناس الاقتصادية في معرض تحديدهم لهوامش ربحهم التي تجاوزت حدود الـ 200 %.

 ففي تتبعنا لسعر تكلفة الكيلو الواحد من السكر نجد أنه لا يتجاوز الـ 170 ليرة سورية فيما لو تم احتسابه على أساس سعر صرف البنك المركزي 438، ذلك أن سعر الطن الواحد من المصدر (330 دولارًا) مضافًا إليه جميع التكاليف الاخرى (60 دولارًا) لا يتعدى الـ 390، الأمر الذي يجعل سعر الطن الواحد (390+438 = 170 ألف ليرة تقريبًا للطن)، بينما لا يتجاوز سعره عند سعر صرف السوق السوداء الـ410 (390 + 1053= 410 ألف ليرة تقريبًا للطن).

الأمر الذي يجعل المرء يتساءل عن المكان التي كانت فيه هراوة رحمون الفرعونية تحتجب، في الوقت الذي كان سعر الكيلو الواحد من السكر يباع بسعر 700 ليرة في السوق المحلية، على مرأى ومسمع كل مسؤولي النظام الإقتصاديين والأمنيين.

يصر النظام بالتذاكي على أنصاره عبر خدعة بيعه إياهم لبعض المواد المستوردة، وفق سعر صرف البنك المركزي السابق 438 من خلال بدعة البطاقة الذكية، كل ذلك لعدم رغبته بالاعتراف بمصدر تلك المواد، التي تعود لحصته المجانية المقدرة بـ15 % من المواد التي يحتكر استيرادها التجار الكبار (يقال إن عددهم لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة)، في مقابل إطلاق يدهم في تحديد السعر الذي يرغبونه لبضائعهم.

في الأنظمة التي تحكمها العائلات المافيوية على غرار عائلة الأسد، غالبًا ما تنجح تلك العائلات بتحويل مصائب الناس إلى مكاسب، ففي الوقت الذي كان يضغط التآكل المتزايد في القوة الشرائية لمحازبيها لناحية القيام برفع رواتبهم الشهرية، بكل ما يحمله ذلك من عبء على الميزانية العامة الخاوية، كان التلاعب بسعر الصرف وسيلة مناسبة لامتصاص تلك العلاوات على الرواتب. فلقد ساعد الانخفاض الجنوني في سعر صرف الليرة إلى مستوى 1200 ليرة مقابل الدولار الواحد، إلى تخلص النظام من عبء تقويم المواد المستوردة بسعر 438، ليصار إلى تقويمها بسعر700، الأمر الذي عنى إبطال مفاعيل تلك الزيادة وإعادة توريدها إلى ميزانيته العامة من جديد.

في لجوء النظام لسعر 700 ليرة، أوهم الناس بأنهم سيستطيعون الحصول على حاجاتهم من البضائع المستوردة بذلك السعر، وهو أمر لا يمكن أن يكتب له النجاح إلا إذا أستطاع النظام الحصول على تلك الأموال المحولة من الخارج بذلك السعر، وهو أمر مستبعد ما دام الشخص الذي في الخارج يمتلك إمكانية تحويلها بسعر الـ1050 عبر مكاتب الصيارفة، التي لم تعدم الحيلة رغم الحملة الامنية المشددة، لإيصال المال للناس الذين في الداخل بهذا السعر.

في الأنظمة التي تحكمها العائلات المافيوية على غرار عائلة الأسد، غالبًا ما تنجح تلك العائلات بتحويل مصائب الناس إلى مكاسب

من أجل الاحتيال على هذه الورطة، لجأ النظام لزيادة سعر شراء الدولار من كل مصدّر بواقع 807 ليرة. فإذا أخذنا الزيادة في سعر الصرف بواقع مائة ليرة، مضافًا إليها تكاليف تحويل الأموال المقدرة بنفس القيمة تقريبًا، يصبح سعر البضائع دون تكليف شحنها وتأمينها مقومة وفق سعر 900 ليرة، الأمر الذي يعني أن سعر كلفة الكيلو الواحد من السكر سيصل لعتبة الـ 350 ليرة بدلًا من الـ 270 ليرة، هذا ناهيك عن هامش الربح الذي سيتم التحكم به من التجار ومشغليهم.

اقرأ/ي أيضًا: رسم اغتراب أم تعفيش عابر للقارات؟

نجحت سياسة الهراوة التي لجأ إليها النظام في ضبط سعر صرف الليرة على المدى القصير، إلا أنه لا يخبرنا عن الوسائل التي يملكها في سبيل تثبيت سعر ذلك الصرف على المدى الطويل، ما دامت خزينة المصرف المركزي من العملات الأجنبية فارغة، وقدرته على ملئها أقرب إلى الصفر، حيث لا عائدات للسياحة ولا تحويلات مالية من الخارج يعتد بها، ولا صادرات مجزية، ناهيك عن تبعية اقتصاده للعالم الخارجي بشكل كبير في تأمين معظم حاجاته الأساسية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

رحلة الليرة السورية إلى الانحدار.. الخفايا والمآلات

الاقتصاد السّوري.. الانهيار المُخيف