الاقتصاد العالمي بين النفط والتضخم.. تداعيات حرب إيران تتسع
16 مارس 2026
تتزايد المخاوف من تداعيات اقتصادية واسعة للحرب الدائرة مع إيران، وسط اضطرابات كبيرة في أسواق الطاقة العالمية. وبينما كان كثير من الاقتصاديين يعتقدون أن صدمات النفط الكبرى أصبحت من الماضي، أعادت الأزمة الحالية إلى الواجهة احتمال وقوع أزمة طاقة عالمية قد تقود إلى تباطؤ اقتصادي واسع، وإن كان تأثيرها سيختلف بشدة من منطقة إلى أخرى.
وأدى العدوان الأميركي-الإسرائيلي على إيران، وما تبعه من اعتداءات إيرانية على دول الجوار إلى تعطيل حركة الطاقة عبر مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم. وتشير التقديرات إلى أن نحو 15% من إمدادات النفط العالمية أصبحت عالقة خلف المضيق، وهو اضطراب يوازي تقريبًا ضعف ما شهده العالم خلال صدمات النفط في سبعينيات القرن الماضي.
لم يقتصر الاضطراب في الاقتصاد العالمي على سوق النفط فقط، بل امتد إلى عدة سلع استراتيجية
ومع أن الاقتصاد العالمي أصبح أقل اعتمادًا على النفط مقارنة بتلك الحقبة، فإن حجم التعطيل الحالي يعوض هذا الانخفاض في كثافة استخدام الطاقة. وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أعلنت وكالة الطاقة الدولية قبل أيام عن الإفراج عن نحو 400 مليون برميل من الاحتياطات الاستراتيجية، لكن الخبراء يرون أن هذا الإجراء ليس سوى حل مؤقت، خصوصًا مع وجود اختناقات لوجستية قد تحد من فعاليته.
صدمة تمتد إلى ما بعد النفط
لم يقتصر الاضطراب على سوق النفط فقط، بل امتد إلى عدة سلع استراتيجية. فقد توقفت نحو خُمس شحنات الغاز الطبيعي المسال في العالم، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل حاد.
وحسب تقرير لمجلة "ذا إيكونوميست"، تنعكس هذه التطورات على قطاعات متعددة، منها:
الأسمدة التي تعتمد على الغاز الطبيعي في إنتاجها، ما يثير مخاوف من ارتفاع أسعار الغذاء.
الكبريت، وهو منتج ثانوي لتكرير النفط، مما يؤثر على صناعة النحاس.
الهيليوم الضروري لإنتاج الرقائق الإلكترونية، ما يهدد سلاسل توريد التكنولوجيا.
وقد دعا صندوق النقد الدولي الحكومات إلى الاستعداد لما وصفه بـ"السيناريو غير المتوقع"، في ظل احتمال تفاقم الأزمة.
سيناريوهات أسعار النفط
حتى الآن، لم تشهد أسعار النفط ارتفاعًا كارثيًا رغم تعطل الإمدادات، إذ ارتفع سعر البرميل بنحو 25 دولارًا فقط فوق مستويات ما قبل الحرب. لكن محللين يحذرون من أن استمرار إغلاق مضيق هرمز قد يدفع الأسعار إلى 150 أو حتى 200 دولار للبرميل.
مثل هذا الارتفاع قد يعيد العالم إلى ظاهرة "الركود التضخمي" التي شهدها في سبعينيات القرن الماضي، حيث يترافق تباطؤ النمو الاقتصادي مع ارتفاع التضخم.
وتشير تحركات الأسواق المالية إلى أن المستثمرين يتوقعون تفاوتًا كبيرًا في تأثير الأزمة بين المناطق:
الولايات المتحدة: تراجع مؤشر الأسهم بنحو 1.5% فقط خلال آذار/مارس.
أوروبا: خسرت الأسهم نحو 5 إلى 6% خلال الشهر.
آسيا: تبدو الأكثر تضررًا، إذ انخفضت الأسهم اليابانية 7.3% والكورية الجنوبية أكثر من 10%.
ويعود ذلك التباين إلى اختلاف درجة الاعتماد على واردات الطاقة بين هذه الاقتصادات.
الولايات المتحدة: تأثير مزدوج
منذ عام 2019 أصبحت الولايات المتحدة مصدّرًا صافيًا للطاقة بفضل طفرة النفط الصخري، ما يمنح اقتصادها قدرًا من الحماية من صدمات الأسعار. كما أن الاقتصاد الأميركي أصبح أقل اعتمادًا على النفط بكثير مقارنة بالسبعينيات.
لكن المستهلكين الأميركيين بدأوا بالفعل يشعرون بارتفاع الأسعار في محطات الوقود. فكل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط ترفع سعر غالون البنزين بنحو 25 سنتًا، وقد ارتفعت الأسعار بالفعل بنحو 20% منذ بداية الحرب وفق "الإيكونوميست". كما أن استمرار التضخم المرتفع قد يحد من قدرة الاحتياطي الفيدرالي على خفض أسعار الفائدة، ما يزيد الضغوط على الاقتصاد.
أوروبا: خطر تضخم الطاقة
تبدو أوروبا أكثر عرضة لصدمة أسعار الطاقة، بعد أن أصبحت تعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي المسال لتعويض الإمدادات الروسية التي توقفت بعد حرب أوكرانيا. وقد ارتفع سعر الغاز المرجعي في أوروبا إلى أكثر من 56 يورو لكل ميغاواط/ساعة، أي بزيادة تزيد على 75% مقارنة بما قبل الحرب.
ورغم أن الأزمة الحالية لا تبدو بحجم صدمة الطاقة التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022، فإن استمرار ارتفاع الأسعار قد يدفع التضخم في منطقة اليورو إلى الارتفاع مجددًا، ويجبر البنك المركزي الأوروبي على رفع الفائدة بدل خفضها.
آسيا الأكثر تعرضًا للخطر
تعتمد الاقتصادات الآسيوية بدرجة كبيرة على واردات الطاقة من الخليج، إذ يمر عبر مضيق هرمز نحو 87% من النفط و86% من الغاز الطبيعي المسال المتجه إلى آسيا. وتحصل اليابان على نحو 95% من نفطها من الشرق الأوسط، وكوريا الجنوبية على نحو 70% من نفطها من المنطقة. وقد بدأت آثار الأزمة تظهر بالفعل على العملات والأسواق المالية، حيث اقترب الوون الكوري من أدنى مستوياته منذ الأزمة المالية العالمية في 2009.
تبدو الدول الآسيوية الفقيرة الأكثر عرضة لتداعيات الأزمة، إذ تعتمد بشدة على واردات الطاقة ولا تمتلك الموارد المالية لدعم الأسعار.
فمثلًا، تنفق الهند نحو 3% من ناتجها المحلي على واردات النفط، بينما تصل النسبة في تايلاند إلى نحو 5%. كما أن ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة والنقل قد يدفع أسعار الغذاء العالمية إلى الارتفاع، وفق تحذيرات الأمم المتحدة.
الخليج بين مكاسب الأسعار وخسائر الإنتاج
رغم أن ارتفاع أسعار النفط عادة ما يفيد دول الخليج، فإن الوضع الحالي مختلف، إذ أدى إغلاق مضيق هرمز إلى تعطيل تصدير النفط نفسه. ومع امتلاء مرافق التخزين، بدأت شركات النفط في تقليص الإنتاج، ما قد يؤدي إلى انخفاض إنتاج الهيدروكربونات في السعودية والإمارات بنسبة 12 إلى 16% سنويًا إذا استمر الإغلاق حتى نيسان/أبريل، وخسائر أكبر قد تتجاوز ربع الإنتاج السنوي في البحرين والكويت وقطر. كما تضررت قطاعات أخرى مثل المعادن والكيماويات والسياحة، التي تشكل أكثر من 12% من الناتج المحلي في بعض دول الخليج.
وتشير تقديرات "ذا إيكونوميست" إلى أن استمرار الحرب لمدة شهرين فقط قد يؤدي إلى:
انكماش اقتصادي بأرقام مزدوجة في البحرين والكويت وقطر.
تراجع بنحو 8% في الإمارات و5% في السعودية.
لكن الخطر الأكبر قد يكون على الصورة الاقتصادية للخليج كمركز آمن للاستثمار والأعمال، وهي صورة بنيت على مدى عقود من الاستقرار النسبي.
ومع هذه التطورات، تبدو الأسواق العالمية أمام اختبار جديد، قد يعيد إلى الأذهان صدمات الطاقة التاريخية، مع فارق أساسي، فالعالم اليوم أكثر ترابطًا اقتصاديًا، ما يجعل آثار الأزمة أسرع انتشارًا وأكثر تعقيدًا.