ultracheck
  1. عشوائيات
  2. مجتمع

الاقتراض الإجباري.. ثغرات قانونية وعرف اجتماعي يهددان المصريات بالسجن بدلًا من رجالهن

6 يونيو 2026
دار القضاء العالي
تضطر النساء إلى تسديد فاتورة العنف الاقتصادي الواقع عليهن (منصة إكس)
إيناس كمال إيناس كمال

قبل أسابيع، نُشر فيديو عبر منصة "فيسبوك" يظهر فيه رجل يتعرض للضرب على يد أشقاء زوجته. اللافت كان تعليقه على الفيديو، إذ قال إنه تعرض للظلم والضرب منهم نتيجة إجباره زوجته على ضمانه في قرض مالي. وهي واقعة تلفت النظر إلى أحد أشكال العنف الاقتصادي شديدة الخطورة ضد النساء، وهو الاقتراض الإجباري أو الاستدانة القسرية.

تقع العديد من النساء ضحية للموروثات الثقافية التي تجعل الرجل صاحب اليد العليا في الإدارة المالية داخل المنزل؛ لذلك قد يستولي على مدخراتها أو يتحكم في راتبها، أو يجعلها ضامنة له في قرض، أو يجبرها على الاقتراض أو الاستدانة ومنحه الأموال، إما لشراء سيارة أو عقار أو للإنفاق على المنزل. ويتم ذلك بطرق عديدة، منها التحايل والإجبار، الذي يتم عادة عن طريق الضرب أو التهديد، كما حدث في الواقعة سالفة الذكر.

لكن ما يعكس خطورة هذه الظاهرة هو اضطرار النساء لاحقًا إلى تسديد فاتورة العنف الاقتصادي الواقع عليهن، فضلًا عن سداد الدين أو القرض الذي استولى عليه الرجل، فتجد المرأة نفسها أمام خيارين: إما الدفع أو الحبس.

ضحايا الاقتراض الإجباري

في أحد الأيام الحارة من شهر أغسطس/آب عام 2018، وجدت أميرة (اسم مستعار) نفسها محاصرة داخل منزلها في القاهرة، تتعرض للضرب على يد زوجها السابق، بينما كانت في شهرها الثامن من الحمل، لإجبارها على الاقتراض ومنحه الأموال، وللضغط عليها حتى لا تتركه أو تستقل عنه ماديًا أو تطلب الطلاق، لأنه في تلك الحالة لن يسدد القرض.

تقع العديد من النساء ضحية للموروثات الثقافية التي تجعل الرجل صاحب اليد العليا في الإدارة المالية داخل المنزل؛ لذلك قد يستولي على مدخراتها أو يتحكم في راتبها، أو يجعلها ضامنة له في قرض، أو يجبرها على الاقتراض أو الاستدانة ومنحه الأموال

أميرة، التي تنتمي إلى منطقة راقية في القاهرة، تزوجت من شخص يشغل منصبًا مرموقًا. تقول لـ"الترا صوت": "ما فعله نجح في الضغط عليّ ولم أتركه، لكن بعد فترة من العنف والضرب والإهانة قررت المجازفة وطلب الطلاق، فتهرب من سداد أقساط القرض الذي تجاوز 100 ألف جنيه (حوالي 5617 دولارًا عام 2018) لمدة أربعة أشهر، وكانت الشركة تلاحقني بدلًا منه، حتى اضطررت إلى فضحه أمام أصدقائه، وعندها تكفل بسداده".

ولم يكن ما تعرضت له أميرة عنفًا جسديًا فقط، بل كان أيضًا أحد أشكال العنف الاقتصادي الذي مورس عليها بوسيلتين: الأولى الضغط والعنف الجسدي، والثانية التحايل، إذ أقنعها بأن تقترض بدلًا منه بحجة أنه فقد أوراقه الرسمية.

تُعد مصر واحدة من الدول التي تتعرض فيها النساء لأنواع مختلفة من العنف داخل الأسرة، سواء على يد الزوج أو الأب أو الأخ. وأحد أشكال هذا العنف هو العنف الاقتصادي، الذي يرجع إلى أسباب اجتماعية وثقافية عديدة ناتجة عن موروثات تمنح الرجل سلطة مطلقة على مال الأسرة ومواردها، وتعتبر المرأة تابعة له اقتصاديًا.

ووفق دراسة حول العنف الاقتصادي الزواجي ضد المرأة، فإن بعض الأزواج يجعلون السيطرة على الموارد وسيلة للهيمنة، كما أن التفاوت في الدخل بين الزوجين، خصوصًا إذا كانت الزوجة تكسب أكثر، يُعد أحد الأسباب التي تدفع بعض الأزواج إلى التحكم في دخل الزوجة والاستيلاء عليه، فضلًا عن أسباب نفسية أخرى، كأن يكون الزوج مصابًا باضطرابات نفسية، أو يرى في استقلال الزوجة تهديدًا لسلطته.

ديون الرجال تقع فيها النساء

من القاهرة إلى مدينة الإسماعيلية، حيث وقعت نجوى وابنتها في مأزق الاستدانة عن طريق ما يُعرف بـ"الجمعية"، وهي وسيلة اجتماعية أهلية غير رسمية لجمع الأموال وتيسير الحصول عليها بنظام شهري. تقول نجوى لـ"الترا صوت": "احتال عليّ وعلى ابنتي التي اقترضت لصالحه بضمان راتبها، بخلاف ما تورطنا فيه معًا من ثلاث جمعيات حصل على أموالها وهرب ولم يسددها، واضطررنا إلى سدادها على مدار عشرة أشهر".

كما لاقت ندى، وهي شابة عشرينية من بورسعيد، وأمها المصير نفسه الذي واجهته نجوى. إذ تسبب والدها، بسبب رعونته وسوء إدارته للمال، في خسارة كل ما كان يملكه، فلجأ إلى والدة ندى لتقترض من أجله. ونجح تحايله، إلى جانب سلبية الأم، في أن تقترض من أجله مرتين.

تقول ندى لـ"الترا صوت": "كان لدى والدي سجل أسود مع البنوك بسبب تعثره في سداد قروض سابقة، كما رُفضت طلباته للحصول على قروض جديدة للسبب نفسه. فكان القرض الأول الذي حصلت عليه أمي قبل 12 عامًا لافتتاح مشروع جديد بدلًا من المشروع الذي باعه، وكانت قيمته نحو 15 ألف جنيه، أما القرض الثاني فكان بعده بفترة قصيرة، وادعى أنه لسداد القرض الأول وشراء مستلزمات للبيت، وكانت قيمته 36 ألف جنيه".

ورغم انفصال والدي ندى بسبب هذه الخلافات، فإن والدها تهرب من السداد، واضطرت ندى ووالدتها إلى تحمل الأقساط التي استمر سدادها حتى العام الحالي.
أما ما حدث مع ندى نفسها فكان أمرًا مختلفًا؛ إذ هاتفها والدها ذات يوم مدعيًا أنه واقع في قبضة أشخاص يريدون إيذاءه. فهرعت إليه لتجده في مكتبه بصحة جيدة وبرفقة أربعة رجال آخرين. وهناك أغلقوا الباب وأجبروها على التوقيع على إيصالات أمانة بدلًا منه.

العنف الاقتصادي ضد النساء

تفسر الباحثة في النوع الاجتماعي مريم جمال لـ"الترا صوت" أنه لا يمكن النظر إلى إجبار الزوجات على التوقيع على قروض أو إيصالات أمانة باعتباره أزمة مالية عابرة، بل هو أداة استغلال مركب تقع عند تقاطع الهيمنة الأبوية مع الهشاشة الاقتصادية، ضمن سياق العنف الاقتصادي القائم على النوع الاجتماعي.

وترى أن التعامل مع الأهلية القانونية للمرأة لا يُنظر إليه باعتباره خطوة نحو التمكين، بل باعتباره ثغرة ائتمانية؛ إذ تستغل المنظومة الائتمانية رغبة المرأة في حماية أسرتها، بينما يستغل الزوج اختلال توازن القوة داخل الأسرة لتمرير عبء المخاطرة القانونية إليها. وهنا تتحول المرأة إلى ممتص للصدمات الاقتصادية بدلًا من الرجل، وتواجه وحدها عقوبات سالبة للحرية.

تُصنف الهيئات الحقوقية ظاهرة إجبار الزوجة على الاستدانة ضمن أشكال العنف الاقتصادي القائم على النوع الاجتماعي. وتتضح هذه الأزمة في ملف "الغارمات" في مصر والدول العربية. ووفقًا لتقديرات تتراوح نسبة "الغارمات" في مصر بين 15% و60%، وهو ما يمثل نسبة كبيرة من النساء المحبوسات على خلفية ديون وتعثرات مالية.

كما يشير مسح التكلفة الاقتصادية للعنف الجندري الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن ربع النساء المتزوجات يتعرضن للتحكم المالي، ومن بينهن فئة عريضة تُجبر على الاقتراض بطلب مباشر من الزوج وتحت وطأة التهديد بالطلاق أو الطرد.

وفي أحدث دراسة مصرية نُشرت العام الماضي بالتعاون بين جامعتي القاهرة والفيوم حول العنف الاقتصادي، خلصت النتائج إلى أن نحو 22.8% من النساء المشاركات تعرضن لعنف اقتصادي بشكل مباشر. كما ذكرت نسبة ملحوظة من المشاركات أن شخصًا قريبًا منهن يطلب المال منهن ضد إرادتهن بصورة متكررة. وكان من أبرز أشكال العنف الاقتصادي الاستيلاء على أموال المرأة أو اقتراضها دون إرجاعها. وشملت وسائل الإكراه: العنف الجسدي، والإهانة، والتلاعب العاطفي، والتهديد بالأطفال، والإساءة النفسية واللفظية. وكان الأزواج يمثلون النسبة الأكبر من المعتدين بنحو 68%.

أما عن أسباب استفحال الظاهرة، فترى الباحثة في النوع الاجتماعي أن هناك عدة عوامل ثقافية وقانونية واقتصادية تساهم في تكريس هذا النمط الاستغلالي ضد الزوجات، أبرزها الابتزاز العاطفي والاجتماعي؛ إذ تستغل الثقافة الذكورية السائدة قيم التضحية والوفاء للزوج لإقناع المرأة بالتوقيع على قروض أو إيصالات أمانة لشراء مركبات مثل السيارة أو "التوك توك"، أو لتمويل مشروعات خاصة بالزوج.

وتضيف جمال أن الأمية القانونية والائتمانية تُعد أيضًا من العوامل المؤثرة في انتشار هذه الظاهرة، إذ تؤكد الدراسات الصادرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أن نسبة الأمية الأبجدية والقانونية تتجاوز 60% بين "الغارمات".

وتفتقر كثير من النساء، لا سيما في الريف، إلى الدراية بأن التوقيع "على بياض" يخرجهن من دائرة الدين المدني ويضعهن مباشرة تحت طائلة قانون العقوبات في جرائم خيانة الأمانة والتبديد، المعاقب عليها بالحبس.

كما ترجع الباحثة انتشار الظاهرة إلى أن بعض الشركات تمنح تمويلًا متناهي الصغر وقروضًا ميسرة للنساء مقابل توقيع إيصالات أمانة، وهو ما يستغله بعض الأزواج الذين ترفض البنوك إقراضهم بسبب تعثرهم المالي، فيستخدمون زوجاتهم فيما تصفه مريم جمال بـ"واجهة ائتمانية نظيفة".

قصور قانوني وثغرات مُستغلة

رغم وجود نص قانوني يعاقب كل من أكره شخصًا على الإمضاء أو التوقيع على سندات ذات قيمة أدبية أو مادية، وهي المادة 325 من قانون العقوبات المصري، إلا أنه لا يوجد قانون يحمي النساء بصورة مباشرة من العنف الاقتصادي، خاصة إذا وقعن على قروض أو ضمانات مالية تحت الإكراه أو نتيجة التعرض للعنف.

وتكمن الصعوبة في أن إثبات هذا النوع من الإكراه غالبًا ما يكون معقدًا، في ظل تعرض المرأة للتهديد أو الابتزاز أو العنف لدفعها إلى الاقتراض أو الاستدانة لصالح الزوج، بينما تفترض البنوك وشركات التمويل أن الشخص وقع على القرض بإرادته الحرة.

كما توجد فجوة تشريعية؛ فالدستور المصري ينص على حماية المرأة من جميع أشكال العنف، لكن كثيرًا من التقارير القانونية والدولية تشير إلى أن العنف الاقتصادي داخل الأسرة لا يزال يفتقر إلى تجريم مستقل ومباشر في التشريع الجنائي المصري.

ورغم أن المرأة قد تكون ضحية إكراه مالي واضح اجتماعيًا، فإن القانون لا يعترف بالفعل نفسه كجريمة مستقلة ما لم يقترن بتهديد أو عنف أو تزوير أو جريمة أخرى يمكن إثباتها. لذلك تقترح الباحثة في النوع الاجتماعي مريم جمال أن تتحقق البنوك وشركات التمويل من الجدوى الاقتصادية للمشروع ومن المستفيد الفعلي من المال، لمنع تحايل الأزواج. كما تقترح إلغاء عقوبة الحبس في الديون الصغيرة واستبدالها بالخدمة المجتمعية.

وختامًا، إذا كان القانون المصري يعاقب على الضرب والتهديد والاحتيال، فهل يحتاج أيضًا إلى الاعتراف بالعنف الاقتصادي كجريمة مستقلة، أو إدراجه ضمن إطار تجريم العنف الأسري عندما يُستخدم للسيطرة على النساء وإفقادهن استقلالهن المالي وحريتهن أحيانًا، أسوة بدول عربية مثل الإمارات والسعودية والكويت والأردن ولبنان؟

كلمات مفتاحية
القطارات

رفع أسعار تذاكر القطارات في مصر.. قرار اقتصادي بتداعيات اجتماعية واسعة

منذ الأول من تموز/يوليو الجاري، بدأت الهيئة القومية لسكك حديد مصر تطبيق التعريفة الجديدة لتذاكر القطارات على مختلف الخطوط

طرق تحسين التعلم

كيف يمكن للطلاب تغيير عاداتهم الدراسية؟

دراسة واسعة تكشف لماذا لا تكفي زيادة ساعات المذاكرة، وتوضح الطرق الأكثر فاعلية لبناء عادات دراسية ناجحة

جيل التسعينات

جيل "النوستالجيا".. لماذا يحنّ الشباب إلى ثقافة التسعينيات؟

ليست التسعينيات مجرد مرحلة زمنية انقضت مع نهاية القرن الماضي، بل هي حقبة تركت أثرًا تجاوز حدود السنوات التي وُلدت فيها

النبطية
سياق متصل

لبنان على صفيح متفجّر واختبار روما.. هل يدخل حزب الله الإسناد الثالث؟

يتدهور ميدان الشرق الأوسط بشكل خطير على وقع انهيار تفاهمات إسلام آباد وسويسرا، والعودة إلى الحرب بين واشنطن وطهران

كأس العالم 2026
رياضة

هل كانت إسبانيا الأفضل في كأس العالم منذ البداية؟

رسخت مباراة فرنسا قناعة أن المنتخب الإسباني كان الأفضل في كأس العالم منذ اليوم الأول، لكنه احتاج فقط إلى مباراة كبيرة ليؤكد ذلك أمام الجميع

صواريخ إيرانية
سياق متصل

أين أصبح البرنامج الصاروخي الإيراني بعد الحرب؟

تخشى الولايات المتحدة وإسرائيل البرنامج الصاروخي الإيراني أكثر من النووي أحيانًا بسبب "عدم التكافؤ الاقتصادي" الذي يخلقه في معادلة الهجوم والدفاع

كأس العالم 2026
رياضة

كيف أصبح ليونيل سكالوني مهندس نهضة الكرة الأرجنتينية؟

انتقل سكالوني من مدرب عُين اضطراريًا بسبب الأزمة المالية التي لحقت بالاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم، إلى أحد أنجح المدربين في تاريخ كأس العالم