الافتتاح الرسمي لسد النهضة.. أي خيارات أمام مصر والسودان؟
9 سبتمبر 2025
افتتحت إثيوبيا رسميًا، اليوم الثلاثاء، سد النهضة، في خطوة ترى القاهرة والخرطوم أنها قد تغيّر معادلات المياه في نهر النيل بشكلٍ أحادي، وتفتح الباب أمام توترات جديدة في المنطقة.
ويزيد المشهد تعقيدًا إعلان أديس أبابا عن مشاريع أخرى لبناء سدود جديدة على النيل الأزرق، الأمر الذي يضع دولتي المصب، مصر والسودان، أمام خيارات محدودة قد تهدد في أسوأ السيناريوهات استقرار المنطقة.
وكانت إثيوبيا قد بدأت العمل في سد النهضة عام 2011، وتخللت مرحلة التشييد مفاوضات ثنائية وثلاثية بين القاهرة وأديس أبابا والخرطوم. غير أن تلك المفاوضات لم تفضِ إلى تفاهمات بشأن ملء السد وتشغيله، ما أعاد طرح سؤال الأمن المائي لمصر والسودان بإلحاح، خصوصًا مع استمرار الخلافات الجوهرية حول قواعد تقاسم الموارد المائية.
وقبل عام من بدء تشييد سد النهضة، تفجّرت الخلافات بين دول المنبع ودول المصب إثر توقيع اتفاقية "عنتيبي" عام 2010، التي أعادت توزيع الحصص المائية بين دول حوض النيل. وقد دفعت تلك التطورات مصر والسودان إلى تعليق مشاركتهما في مبادرة حوض النيل، فيما لم تدخل الاتفاقية حيّز التنفيذ إلا في عام 2024 بعد مصادقة دولة جنوب السودان عليها.
افتتحت إثيوبيا سد النهضة رسميًا بعد 15 عامًا من العمل على تشييده وبنائه
يشار إلى أن جهود مصر والسودان تتقاطع عند هدف أساسي يتمثل في إحياء "إعلان المبادئ" الموقع عام 2015 في الخرطوم، والذي نص على جملة من القواعد الرئيسية، أبرزها "عدم إلحاق الضرر بحقوق دول المصب والمنبع، والالتزام بمبدأ الإجماع، والإخطار المسبق بأي خطوة من شأنها التأثير على الحصص المائية للدول". غير أن إثيوبيا تعارض هذه الجهود، معتبرة أن الاتفاقيات السابقة كانت "مجحفة ولا تعكس العدالة المائية"، فيما تتهمها القاهرة والخرطوم بمحاولة فرض سياسة الأمر الواقع والتنصل من التزاماتها، الأمر الذي تصفه بأنه "غير مقبول".
ويرجّح مراقبون أن ترد مصر والسودان على إصرار أديس أبابا بفرض السد كأمر واقع، عبر تقديم خطاب اعتراض مشترك إلى مجلس الأمن، بالتزامن مع افتتاح السد رسميًا، باعتبار الخطوة خرقًا للاتفاقيات والأعراف الدولية المنظمة للأنهار العابرة للحدود، فضلًا عن مخالفتها لاتفاق "إعلان المبادئ" الموقع عام 2015.
وخلال القمة الأخيرة لآلية (2+2) التي جمعت وزراء الخارجية والري في البلدين، عدّدت القاهرة والخرطوم جملة من المخاطر الناجمة عن تشغيل السد الإثيوبي، في مقدمتها "تهديد استقرار الوضع في حوض النيل الشرقي، والمخاطر الجدية المترتبة على الخطوات الأحادية للملء والتشغيل، إضافة إلى ما يتصل بأمان السد والتصريفات المائية غير المنضبطة، فضلًا عن تفاقم تأثيرات فترات الجفاف وتراجع تدفقات المياه إلى مصر، خصوصًا في سنوات الفيضان الضعيف".
كما كشفت تقديرات مصرية أن ملء بحيرة السد سيؤدي إلى استقطاع نحو 15 مليار متر مكعب سنويًا من حصص مصر والسودان، في حين يحذّر خبراء من أن أي انهيار محتمل للسد سيهدد بغمر نحو 24 ألف كيلومتر مربع من الأراضي الزراعية الممتدة بين سد النهضة والسد العالي.
أي خيارات أمام مصر والسودان؟
أعلنت وزارة الخارجية المصرية أنها خاطبت مجلس الأمن بشأن إعلان إثيوبيا تشغيل سد النهضة "في خطوة مخالفة للقانون الدولي". وأضاف البيان الصادر عن الخارجية بعد افتتاح السد رسميًا أن "التصورات المغلوطة بأن القاهرة قد تغض الطرف عن مصالحها الوجودية في نهر النيل ليست سوى أوهام".
وسبق لمصر أن لوحت بالخيار العسكري ضد السد، غير أن تلك التهديدات لم تحقق أي اختراق، فيما واصلت أديس أبابا المضي في مشروعها وصولًا إلى افتتاحه.
واضطر التعنت الإثيوبي القاهرة إلى اعتماد سياسات داخلية لترشيد المياه، ضمن خطتها القومية للموارد المائية والري الممتدة حتى عام 2050.
لكن خبراء يرون أن مصر قد تجد نفسها مضطرة إلى مواجهة مباشرة مع إثيوبيا إذا تعرضت لفترات جفاف متتابعة، رغم أنها تفضل استنفاد جميع الأوراق الدبلوماسية والقانونية قبل التفكير في هذا الخيار.
وكان مجلس الأمن الدولي قد دعا سابقًا كلًا من مصر والسودان وإثيوبيا إلى التوصل إلى اتفاق ملزم بشأن السد، إلا أن المفاوضات لم تحقق أي اختراق. وفي ظل غياب هذا الاتفاق، يبقى أمام القاهرة خيار العودة إلى مجلس الأمن، إما تحت الفصل السادس المتعلق بالحلول السلمية عبر التفاوض والوساطة، أو الفصل السابع الذي قد يفتح الباب أمام إجراءات تصل إلى التدخل العسكري لحماية السلم والأمن الدوليين.