"الاغتصاب بالقرعة".. شؤم يعود من جديد مع حراك الريف المغربي

شبح التعذيب والانتهاكات الإنسانية تخيم على محتجي حراك الريف (فاضل سنا/أ.ف.ب)

الاغتصاب بالقارورة، أو "الجلوس على القرعة" كما يحلو للمغاربة تسميتها، هي أحد أكثر وسائل التعذيب ترويعًا لنفوس الضحايا من المواطنين، كانت شائعة في حقبة ما يسمى بـ"سنوات الجمر والرصاص" حينما كانت تستخدم ضد المعارضين السياسيين، وبعد تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة الوطنية سنة 2004، تخلص المغرب من إرث غير قليل من الانتهاكات الحقوقية.

الاغتصاب بالقارورة، أو "الجلوس على القرعة" هي أحد أكثر وسائل التعذيب ترويعًا لنفوس المغاربة الذين يتخوفون من عودتها مع حراك الريف

لكن خلال الفترة الأخيرة مع "حراك الريف"، بدأ شبح "الاغتصاب بالقرعة" يعود إلى واجهة الرأي العام من جديد في المغرب، بعدما تداولت مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تتوعد المحتجين بإجلاسهم على القارورة، وسيلة التعذيب التي تثير الفزع في نفوس النشطاء والمعتقلين وتهدد الأمن الاجتماعي ككل، فضلًا عن أنها تلطخ صورة البلاد.

اقرأ/ي أيضًا: نساء حراك الريف المغربي.. للشجاعة عنوان

محامون: معتقلو حراك الريف هُدّدوا بالاغتصاب بواسطة القرعة

وانتشر فيديو على يوتيوب في الآونة الأخيرة، يظهر شخصًا مجهول الهوية يدعي انتسابه للجيش المغربي، يهدد المحتجين في حراك الريف بإرغامهم على "الجلوس فوق القارورة"، إن لم يضعوا حدًا لمظاهراتهم في شوارع الحسيمة، دون أن تعلن السلطات المغربية حتى الآن عن فتح تحقيق قضائي في قضية التهديدات الخطيرة والمعلنة ضد مواطنين مغاربة.

الأمر لم يقتصر فقط على المجال الافتراضي، وإنما وصل الحال بالتهديدات إلى أرض الواقع، حيث يقول عبد الصادق البوشتاوي، عضو هيئة دفاع معتقلي حراك الريف، في تدوينة له على موقع فيسبوك، إن "مجموعة من المعتقلين الذين تم إلقاء القبض عليهم يوم السبت27/5/2017 تعرضوا للتعذيب الجسدي والمعنوي والتهديد بالاغتصاب داخل الفرقة الوطنية".

 

اقرأ/ي أيضًا: "العياشة".. بلطجية المغرب الذين يهددون سلمية حراك الريف

يتابع عبدالصادق البوشتاوي قوله إن معتقلي حراك الريف أولئك، أكدوا أمام الوكيل العام "تعرضهم للضرب والصفع والتهديد بالجلوس على القارورة، مع محاولة ذلك عن طريق إحضار القارورة (القرعة) فعلاً، والتلويح بالشروع في ذلك، بالإضافة إلى التهديد بالاغتصاب وهتك العرض وبشكل متعدد وجماعي، وهو ما ترتب عنه نوع من الهلع النفسي وأضرار نفسية كبيرة لبعض المعتقلين لا تزال تلازمهم لحد الآن في السجن".

التصريح الذي تناقلته الصحافة الإلكترونية في المغرب بكثافة، ووسّع رقعة تضامن الرأي العام مع معتقلي حراك الريف، كما استنكرت مجموعة من الفعاليات الحقوقية والإعلامية عودة التهديد "بالاغتصاب بالقرعة"، هذا السلوك المنتهك لكرامة الإنسان الذي ما فتئت الذاكرة الحقوقية المغربية والدولية تحاول تجاوزه حتى عاد شبحه من جديد.

من جانبه، أعلن مصطفى الخلفي، الناطق الرسمي باسم الحكومة، في ندوة صحفية له تعقيبًا عن تصريح محامي "حراك الريف"،  أن هناك تعليمات ملكية صارمة للتحقيق في كل ادعاء يوحي بتعرض نشطاء الحراك المعتقلين إلى التعذيب أو أي ممارسة حاطة بالكرامة، وأنه ستتم إحالة صاحبه على الخبرة الطبية.

العفو الدولية تتهم المغرب بممارسة التعذيب

المغرب، من هذه الدول التي تتهمها بعض الجهات الحقوقية باستمرار ممارسة التعذيب ومنها منظمة العفو الدولية

يدخل فعل "الاغتصاب بواسطة القرعة" في أشكال التعذيب، ويعتبر سلوكًا محظورًا دوليًا، منذ إصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 1948. بالإضافة إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، الموقعة من قبل 156 بلدًا، التي تحرم أيضاً جميع أصناف المعاملة القاسية والمهينة. ومع هذا، لا تزال تخذل بعض الحكومات، على الرغم من تعهداتها، شعوبها بارتكاب التعذيب سرًا. 

المغرب واحد من هذه الدول التي تتهمها بعض الجهات الحقوقية باستمرار ممارسة التعذيب في بلادها، منها منظمة العفو الدولية (أمنيستي)، التي تتهم في تقرير لها سنة 2015، القوات الأمنية المغربية "باستخدام الضرب المبرح والأوضاع الجسدية المضنية والخنق والإيهام بالغرق والعنف النفسي والجنسي، بين جملة أساليب للتعذيب، لانتزاع اعترافات أو إسكات الناشطين وسحق الأصوات المعارضة" على حد قولها.

استند تقرير أمنستي على 173 حالة، ذكر أصحابها من الرجال والنساء والأطفال أنهم قد تعرضوا للتعذيب ولضروب من سوء المعاملة على أيدي الشرطة وقوات الأمن ما بين 2010 و2014. وقال سليل شتي، الأمين العام لمنظمة العفو الدولية، معقبًا أن "قادة المغرب يرسمون صورة ليبرالية وردية محبة لحقوق الإنسان، ولكن ما دام التهديد بالتعذيب يحوم فوق رؤوس المعتقلين والمعارضين، فإن هذه الصورة ستظل مجرد سراب".

لكن الحكومة المغربية تنفي ادعاءات التعذيب في المغرب وتؤكد أنه بات من مخلفات الماضي، بدليل أن القانون المغربي نفسه يجرم التعذيب، وسبق أن صرّح أحمد الصبار، الأمين العام للمجلس الوطني لحقوق الإنسان المغربي، لشبكة "سي إن إن" الإعلامية أن "التعذيب وأنواع سوء المعاملة، ليست سياسة ممنهجة للدولة، بل هي أفعال معزولة سرعان ما يتم التحري عنها".

هذا ويعد "الاغتصاب بالقرعة" أحد أسوأ أشكال التعذيب الحاطة بالكرامة الإنسانية، لما تخلفه من آثار نفسية واجتماعية مدمرة في نفسية الضحايا، والتي لا تزال مرتبطة في مخيلة المغاربة بجبروت المخزن حتى اليوم، بالرغم من كل الأشواط التي قطعتها المملكة في إصلاح صورتها الحقوقية.

اقرأ/ي أيضًا:

العقلية البوليسية تدير المغرب مجددًا

لماذا تشتعل الاحتجاجات بالمغرب في كل رمضان؟