الاعتراف المنقوص بضحايا السجون.. احتفال نظام الأسد على مذبح المجتمع المتجانس

الاعتراف المنقوص بضحايا السجون.. احتفال نظام الأسد على مذبح المجتمع المتجانس

وقفة في جنيف لعائلات معتقلين سوريين (تويتر)

أخبر النظام السوري في الأسابيع الأخيرة، مئات العائلات السورية عن مقتل أبنائها داخل السجون، دون تحديد سبب الوفاة، والاكتفاء بذكر التاريخ الذي حصلت فيه. ويرى مراقبون، حسب هذا التقرير المترجم بتصرف من صحيفة "نيويورك تايمز"، أن النظام يسعى من خلال هذه الخطوة إلى فرض وجوده الرمزي، والتأكيد على انتهاء الحرب، وبداية الإعمار المزعوم.


قبل سبع سنوات، زُجّ بإسلام دباس طالب الهندسة، إلى السجن لاحتجاجه على النظام السوري. زارته والدته مرتين، ودفعت رشاوى من أجل زيارته، ولكن بعد ذلك توقفت التصاريح. ولم تسمع شيئًا عن مصير ابنها منذ ذلك الحين.

علمت مئات العائلات السورية في الأسابيع الأخيرة فجأة أن أقاربها المفقودين تم تسجيلهم من قبل النظام على أنهم أموات

وحتى الأسبوع الماضي، عندما تقدم أحد الأقارب بوثيقة حكومية، صُدم عندما وجد أن إسلام دباس توفي في 15 كانون الثاني/ يناير 2013. قالت شقيقته هبة، التي تعيش في المنفى في مصر، إن "خبر موت إسلام حطمنا، نتمنى لو أننا عرفنا ذلك من قبل. لقد عشنا أيامًا كان لدينا فيها أمل وأيامًا كنا يائسين لأن الشك استهلك عقولنا".

وفي الأسابيع الأخيرة، علمت مئات العائلات السورية فجأة أن أقاربها المفقودين تم تسجيلهم من قبل النظام على أنهم أموات. وعلى الرغم من أن المسؤولين الحكوميين لم يصرحوا علانية عن المعلومات الجديدة، ولم يصرحوا بعدد الأشخاص الذين ماتوا، ولم يشرحوا كيف ماتوا، لكن الوثائق على ما يبدو، كانت أول إقرار علني من جانب النظام بأن المئات إن لم يكن الآلاف من السجناء قد ماتوا وهم محتجزون من قبل الدولة.

اقرأ/ي أيضًا: "فرع فلسطين" اغتال نيراز سعيد.. استشهاد علني لحارس رسائل اليرموك

ويعتقد المحللون أن التغييرات الهادئة في الوضع تظهر أن بشار الأسد واثق كفاية من فوزه بالحرب وبقائه في السلطة حتى يتمكن من الاعتراف دون خوف من التداعيات، مما أكد أسوأ مخاوف عائلات المفقودين. فيما قال إميل حكيم، محلل شؤون الشرق الأوسط في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، "إن النظام يغلق فصلًا ويستهل فصلًا جديدًا، إنه يخبر المحتجين والناشطين بأن هذا الفصل قد انتهى، وأن الأمل المتبقي في الروح الثورية قد تم سحقه".

وفي بعض المدن، نشرت الحكومة أسماء المتوفين بغرض حصول أقاربهم على شهادات الوفاة. حيث حصلت الأسر في بعض الحالات على وثائق تثبت وفاة أقاربها، أما في بعض الحالات الأخرى فقد تكفل ضباط الأمن بإبلاغ العائلات شخصيًا. ويبين العديد من الوثائق أن الوفاة حدثت منذ سنوات، في الجزء الأول من الانتفاضة ضد الأسد تحديدًا.

واختفى عشرات الآلاف من الأشخاص في السجون الحكومية حيث ينتشر التعذيب وسوء المعاملة، والتي تقول جماعات حقوق الإنسان إنها تتسبب أحيانًا في الموت. تضم مجموعات السجناء ثوارًا ومناضلين سياسيين، وكثيرًا ما تُركت عائلاتهم تكافح للحصول على معلومات حول مصيرهم. وترى جماعات حقوق الإنسان إخطارات الوفاة الجديدة على أنها اعتراف ضمني بأن العديد من المعتقلين قد ماتوا أو قُتلوا في السجون الحكومية.

لقد نجح الأسد إلى حد ما في استعادة سيطرته على جزء كبير من البلاد، بعد مجازر دموية. وحاولت حكومته ومناصروها الروس والإيرانيون إظهار أن الحرب تقترب من نهايتها، وأن إبلاغ العائلات بأن أقاربهم المفقودين ماتوا قد تكون وسيلة لمحاولة دفع البلاد إلى المضي قدمًا.

ويترك الفرد المفقود من الأسر السورية عائلته تعاني في تيه بيروقراطي. بدون شهادة وفاة، لا يمكن لأرملة الشخص أن تتزوج مرة أخرى مثلاً، ولا يستطيع أولاده بيع الممتلكات أو حل القضايا المتعلقة بالميراث. ورغم أن الاعتراف بالوفيات قد ييسر مثل هذه المعاملات، فإن هناك شكوكًا عديدة حول ما إذا كانت العائلات ستقبل هذه الأخبار بسهولة إذا ما تحملت الحكومة مسؤولية وفاة أبنائهم.

وقالت سارة كيالي، وهي باحثة سورية في هيومن رايتس ووتش، إنه "من الصعب تجاوز الأمر عندما يكون الأشخاص المسؤولون عن هذه الاختفاءات الجماعية لا يزالون موجودين. أنت تنظر في وجه مرتكب الجريمة، الأمر الذي لا يمكنك تجاهله لفترة طويلة".

ولا تقدم الوثائق أي تفاصيل عن الوفاة باستثناء التاريخ الذي توفي فيه المتوفى. وترغب العديد من العائلات في أن تعرف كيف مات أقاربهم وأين توجد جثثهم.

قبض على الشقيقين يحيى ومحمد شوربجي مثلًا، بفارق يوم واحد عن بعضهما البعض في أيلول/ سبتمبر عام 2011، بحسب ما قاله ابن محمد عبيدة. فقد الأقارب مسار أماكن احتجاز الأخوين بعد تحول الانتفاضة إلى حرب، وفرارهم إلى أماكن أخرى في سوريا أو خارجها.

ترى جماعات حقوق الإنسان إخطارات الوفاة الجديدة على أنها اعتراف ضمني من النظام السوري بأن العديد من المعتقلين قد قُتلوا في السجون

سمع أقاربهما في دمشق هذا الشهر، أن تواريخ الوفاة بدأت تظهر على أوراق تسجيل للمفقودين، وطلبوا وثائق للأخوين. وجدوا أن يحيى قد توفي في كانون الثاني/ يناير 2013 ومحمد في كانون الأول/ ديسمبر من نفس العام. ولم يتم إعطاء أي سبب للوفاة، وليس لدى الأسرة أي فكرة عن مكان وجود جثثهما.

اقرأ/ي أيضًا: البوصلة نحو موسكو.. هكذا أصبح بوتين الزعيم الجديد للشرق الأوسط

وقالت بيان شقيقة يحيى ومحمد التي تعيش في ليدز بإنجلترا: "كانت الصدمة لا توصف، كم هو قاس قتل الناس وحرمان عائلاتهم من رؤيتهم لمرة أخيرة، وحرمان الضحايا من توديع أسرهم؟". ولا يزال عدد المعتقلين الذين جرى تسجيلهم مؤخرًا على أنهم ميتون غير واضح. بينما يتردد العديد من العائلات في سوريا في مناقشة هذه القضايا خشية انتقام الحكومة.

وقال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فاضل عبد الغني، إن الشبكة ومجموعة مراقبة معارضة للحكومة أكدوا وجود 312 حالة جديدة. وهذه نسبة ضئيلة مقارنة بوجود 80 ألف معتقل حكومي، لذا يتوقع فاضل عبد الغني ظهور المزيد من الأسماء مع مرور الوقت.

وقال: "تصدر الحكومة هذه المعلومات الآن لأنها تشعر بالأمان بما فيه الكفاية للسماح لأولئك الذين وقفوا ضدها بمعرفة أن أقاربهم قد ماتوا". وأضاف السيد عبد الغني أن النظام يريد أن يقول عليك أن تقبل بي كما أنا. "لقد فزت، ولا يمكنك فعل أي شيء حيال ذلك". وقد أدى نقص المعلومات إلى إرباك العديد من الأسر والتساؤل عما إذا كانت هذه الوثائق دقيقة.

وكان نيراز سعيد، وهو مصور عاش في مخيم اللاجئين الفلسطينيين في دمشق وفاز بجائزة من الأمم المتحدة عام 2014 عن عمله الذي يوثق الحياة في المخيم، قد اختفى منذ عام 2015. ومع تطور الحرب، سيطر تنظيم داعش على مخيم اللاجئين الذي عاش فيه والذي حاصرته الحكومة ناشرة الجوع بين المقيمين فيه.

وفي عام 2015، دفع سعيد النقود لمهرب بغرض إخراجه من سوريا. لكن السلطات، كما أفادت زوجته لميس الخطيب عبر الهاتف هذا الأسبوع من ألمانيا، قبضت عليه قبل أن يتمكن من المغادرة. وقالت الخطيب إن والدته تمكنت من زيارته مرة واحدة في العام التالي ووجدته نحيلًا وضعيفًا. كانت تلك هي المرة الأخيرة التي رأته فيها عائلته.

 

اقرأ/ي أيضًا:

العفو الدولية تتهم الأسد بإعدام الآلاف في صيدنايا

الإخفاء القسري في سوريا.. جريمة معمّمة بالمجان