الاعتداء على محمد زبيب: محاولة إيقاف دينامو الثورة

الاعتداء على محمد زبيب: محاولة إيقاف دينامو الثورة

هاجم محمد زبيب سياسات مصرف لبنان (فيسبوك)

داخل خيمة بسيطة بأحد ساحات الاعتصام يجلس صحفي ضعيف البنية الجسمية يخطب في العشرات من الناس من مختلف الفئات والتكوينات التعليمية والفكرية، يتناول أوضاعًا اقتصادية وأرقامًا ووقائع، يمضي الساعات في تبسيط موضوع غاية في التعقيد، ليجعله قابلًا للتداول العام. من هنا كانت خطورة محمد زبيب، الصحفي الاقتصادي الذي تم الاعتداء عليه يوم الأربعاء.

ليس هناك أخطر من الوعي على نظام فاسد، وربما لم يشهد القطاع الاقتصادي اللبناني شعلة وعي كالتي مثلها محمد زبيب، لذا فقد رآه غالبية المتابعين الخطر الأشد على مصالح النخبة الحاكمة

"إذا بتعرفوا إنه في أموال منهوبة، بتعرفوا لأنه محمد خبركن"، هكذا باختصار وصف الطبيب اللبناني والمحاضر بجامعة باريس ألبير مخيبر محمد زبيب، في معرض تعليقه على حادث الاعتداء، فكثير من الشعارات التي حملتها الانتفاضة اللبنانية التي اندلعت في 17 تشرين الأول/أكتوبر الماضي كانت نتاج مقالات وتحقيقات زبيب الذي فكك الأزمة الاقتصادية في البلاد للعوام وغير المتخصصين بأبسط صورة.

اقرأ/ي أيضًا: الاعتداء على الإعلامي محمد زبيب.. ماذا تضمنت المحاضرة التي سبقت الهجوم عليه؟

لسنوات طويلة عمل زبيب صحفيًا ورئيسًا لقسم الاقتصاد بجريدة الأخبار المقربة من حزب الله، وأصدر من خلالها ملحق رأس المال، الذي اعتبره كثير من اللبنانيين أهم منشور اقتصادي محلي، حيث ساهم بقوة في تعزيز الوعي عند الناس بحقوقهم المهدرة وأموالهم المنهوبة، بكشفه الكثير من تفاصيل الفساد والهدر وسوء الإدارة الاقتصادية والمالية في البلاد.

بعد أسبوعين من اندلاع الانتفاضة، تقدم زبيب باستقالته من الجريدة المعروفة بانحيازها للنظام السوري وحزب الله، قائلًا:  "تقدمت باستقالتي من صحيفة الأخبار احتجاجًا على موقف إدارة الصحيفة من الانتفاضة". لم يكن زبيب الوحيد الذي اتخذ هذه الخطوة إلا أنه كان الأكثر بروزًا وأهمية، وعندما صدر الملحق في غيابه، علق متابعون: "صدرت ثماني صفحات اليوم ملحقة بجريدة الأخبار، وليس رأس المال، إنها فقط ثماني صفحات. هذا ليس رأس المال، ولا وجود لرأس المال من دون رأسه المدبّر والمخطّط ومن دون فريقه".

ورغم سنوات عمله بجريدة معروفة بقربها من حزب الله إلا أنه حافظ في كتاباته على الحياد والتركيز على أزمات ومشكلات الاقتصاد اللبناني دون تحيز. ذلك الحياد الذي جعل الغالبية العُظمى من المعارضين يتابعون زبيب ويصدقونه ويحضرون محاضراته وندواته رغم اختلاف توجهاتهم السياسية، فكان بمثابة عين الناس على أموالهم.

ومنذ اندلاع الانتفاضة تحول زبيب إلى وقود للحراك، فلا يكاد يوم من أيام الانتفاضة يخلو من محاضرة لزبيب بأحد ساحات الاعتصام من بيروت إلى طرابلس ومن صيدا إلى صور ومن بعلبك إلى النبطية، شارحًا الموقف الفعلي للحالة الاقتصادية بالأرقام والمستندات والتقارير الرسمية.

وفي مساء الأربعاء، وداخل أحد مقاهي شارع الحمراء جلس زبيب يُحاضر في جمع من شباب الجامعات بدعوة من النادي العلماني بالجامعة الأمريكية. تلك المحاضرة التي امتدت لقرابة أربع ساعات، تناول خلالها كل النواحي الاقتصادية من أزمة الديون إلى فخ البرنامج الحكومي، مسهبًا في تفاصيل تجعل الأرقام الضخمة سهلة الفهم والادراك. وعقب خروجه من المقهى وتوجهه إلى سيارته، قام أربعة من المجهولين بضربه بالعصي واللكمات وتركوه ملقى على الأرض، بعد أن لاحظ الناس الاعتداء وهرولوا نحوه، ثم تم نقله إلى المستشفى. وأمام مستشفى الجامعة الأمريكية تجمع عدد كبير من الشباب والنشطاء انتظارًا للاطمئنان عليه حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل عقب خروجه.

بعد نشر خبر الاعتداء على زبيب ترددت الاتهامات بقوة على مواقع التواصل الاجتماعي للمستفيدين من صمت زبيب. أشارت أغلبها إلى القطاع المصرفي الذي هو بمثابة العدو اللدود له، فخلال الندوات واللقاءات التي عقدها، لطالما وجه الاتهام إلى القطاع المصرفي بالمسؤولية عن الحالة الاقتصادية المتردية ومشاركتهم للنخبة الحاكمة في ملف الفساد وخاصة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، إلا أن أخطر ما أقدم عليه زبيب هو التحريض على وقف دفع الديون الحكومية للبنوك الخاصة.

خلال محاضرته التي سبقت الاعتداء عليه، اتهم زبيب البنوك بتسهيل عمليات نهب أموال اللبنانيين، ووفق التقارير التي نشرها فقد انخفضت الودائع خلال عام 2019 بمبلغ 27 مليار دولار، موضحًا بأن 1% من المودعين سحبوا 98% من هذا المبلغ، وأن هذه الأموال قد تم تهريبها إلى الخارج بمعرفة ومساعدة المصارف التي لم تكتف بالتهريب فقط وإنما بشراء الدولارات من السوق بالليرة اللبنانية لتسهيل تهريبها.

أمام باب المستشفى قال أحد الواقفين: "التحريض على وقف دفع ملياري دولار من أموال الناس للبنوك سبب كافٍ للمتضررين لاغتيال زبيب"، وكان قد أكد خلال محاضرته على ضرورة الضغط الشعبي على الحكومة بعدم سداد دفعة اليوروبوند المستحقة الشهر القادم، والمطالبة بإعادة هيكلة وجدولة الديون وشطب ما يمكن شطبه من الديون الحكومية للمصارف المحلية، موضحًا بأن الدين الأكبر هو دين مصرف لبنان المركزي المستحق للمصارف والبنوك المحلية، مؤكدًا على أن حاكم مصرف لبنان مسؤول مباشرة عن تراكم هذه الديون عبر عمليات تربيح للمصارف على حساب الناس.

ليس هناك أخطر من الوعي على نظام فاسد، وربما لم يشهد القطاع الاقتصادي اللبناني شعلة وعي كالتي مثلها محمد زبيب، لذا فقد رآه غالبية المتابعين الخطر الأشد على مصالح النخبة الحاكمة وخاصة المصارف والبنوك، لذا فقد كان القرار بضرورة إسكات هذا الصوت، وهو ما قرر المنتفضون بالرد عليه مساء الخميس بمظاهرة ووقفة احتجاجية أمام مصرف لبنان تضامنًا مع زبيب واحتجاجًا على السياسات الفاسدة والنظام الحاكم.