الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان.. إبادة للغطاء الحرجي وتهديد للأمن الغذائي
15 فبراير 2026
يشكل الجنوب اللبناني العمود الفقري الزراعي للبنان، إذ يضم مساحات شاسعة من الاراضي الزراعية( الزيتون والتبغ والحبوب والخضار الموسمية)، كما يعد ركيزة أساسية للأمن الغذائي الوطني، الا ان الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة والمتكررة لم تعد تقتصر على الاهداف العسكرية والبنى التحتية، بل اتخذت في الأشهر الأخيرة منحى بيئيًا فاضحًا، تمثّل في القضاء على مساحات واسعة من الغطاء الحرجي والأراضي الزراعية، إضافة إلى استخدام مواد حارقة وقذائف فوسفورية ورش مبيدات ومواد كيميائية ضارة، حيث تسببت بتدمير آلاف الاشجار المثمرة والمعمرة، مما يشكل تصعيدًا خطيرًا على مقومات الحياة من الناحية البيئية والاجتماعية.
إبادة الغطاء النباتي والاراضي الزراعية في الجنوب اللبناني:
يُعدّ الجنوب اللبناني من أبرز المناطق الغنية بالأحراج الطبيعية، ولا سيما في بلدات مثل رميش وعيتا الشعب ومارون الراس، وقد أدت الغارات الاسرائيلية والقصف المدفعي واستخدام القنابل الحارقة إلى اندلاع حرائق واسعة النطاق، التهمت آلاف الدونمات من الأشجار الحرجية والمثمرة، بما فيها أشجار الزيتون المعمّرة التي تشكل مورد رزق أساسيًا للعديد من الأسر.
حيث تعمّد إسرائيل للقضاء على الغطاء النباتي في الجنوب اللبناني، تحت عدة ذرائع لتحقيق العديد من الاهداف العسكرية، فهي تعتبر ان الغطاء الحرجي الكثيف يشكل عنصر تمويه طبيعي، وتدميره يساهم في تقليص امكانات التخفي والتحرك، كما تحاول من خلال تجريف الاراضي الى قتل الحياة النباتية واحداث فراغ جغرافي يسهل المراقبة الامنية، فإسرائيل تسعى لبناء منطقة عازلة بيئيًا على طول حدودها، مما يعني ضرب للقطاع الزراعي وبالتالي يشكل ضغطًا اقتصاديًا واجتماعيًا عبر استهداف مصدر دخل للآلاف من العائلات.
يهدف هذا السلوك الإسرائيلي في التدمير الممنهج والمتعمد عن سابق إصرار وتصميم لإحداث خلل يمتد ليطال التوازن البيئي والتنوع الحيوي، حيث تبرز الكارثة الكبرى في التداعيات المستقبلية من تدهور بيئي واسع النطاق، يتمثل في زيادة مخاطر التصحر، انجراف التربة، فقدان التنوع البيولوجي، تلوث المياه الجوفية، وزيادة مخاطر الحرائق المستقبلية ويعمق الازمة البيئية في لبنان.
رش المبيدات والمواد الضارة وتأثيرها على مستقبل القطاع الزراعي والأمن الغذائي:
يشكل الجنوب اللبناني ركيزة أساسية في الأمن الغذائي الوطني، إذ يعتمد عليه لبنان في إنتاج (الزيتون، التبغ، الحبوب، والخضروات الموسمية)، ومع تدمير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم بفعل القصف أو التهديد الأمني، تتراجع القدرة الإنتاجية بشكل حاد، ما ينعكس على الأسواق المحلية وارتفاع أسعار السلع الزراعية، وهذا يتعارض مع قواعد القانون الدولي الإنساني، الذي يحظر التدمير الواسع للممتلكات المدنية والموارد الضرورية لبقاء السكان، كما أن استخدام مواد حارقة ومبيدات سامة في محيط المناطق الزراعية يهدد الصحة العامة ويعرض المدنيين لمخاطر طويلة الأمد.
وبالتالي، فإن التأثيرات والتداعيات المستقبلية تتجاوز الخسائر الحالية، فقد حذر العديد من الخبراء أن تداعيات التلوث الكيميائي، قد يؤثر على خصوبة التربة وتلوث المياه الجوفية لسنوات عديدة، مما يهدد استدامة القطاع الزراعي في منطقة تعاني أصلًا من أزمات متعددة عبر تراجع الإنتاج المحلي من الزيتون والتبغ والخضار، ونزوح المزارعين من الأراضي الحدودية، ارتفاع كلفة الإنتاج وإعادة التأهيل، زيادة الاعتماد على الاستيراد في ظل انهيار القدرة الشرائية لدى المواطن اللبناني.
بالمختصر، إن ضرب القطاع الزراعي المحلي يفاقم هشاشة الأمن الغذائي ويضع لبنان أمام تحديات معيشية متزايدة.
موقف الحكومة اللبنانية من الاعتداءات الاسرائيلية
أمام هذا الواقع، لجأت الحكومة اللبنانية إلى تقديم شكاوى متكررة إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، مطالبةً بإلزام إسرائيل بوقف اعتداءاتها، واعتبار ما يجري خرقًا للقرار 1701 وانتهاكًا للقانون الدولي الإنساني والبيئي. كما أكدت عبر بيانات رسمية أن استهداف الأراضي الزراعية يشكل اعتداءً على السيادة الوطنية وعلى مقومات الصمود الاقتصادي.
ومؤخرًا، اشارت العديد من التقارير على قيام اسرائيل عبر طائراتها برش مبيدات عشبية شديدة السمية، حيث أظهرت الفحوصات المخبرية استخدام مبيد الاعشاب (غليفوسات) بتركيزات غير مسبوقة تراوحت بين الــ 20 الى 30 ضعفًا مقارنة بالمعدلات المعتادة وفق ما أعلنته وزارة الزراعة والبيئة اللبنانية، كما أكد وزير الزراعة اللبناني أن إسرائيل ألقت مبيدات على مساحة بطول 18 كم على الحدود اللبنانية وبعرض 300-500 متر، أي ما يعادل مساحة 500 هكتار من الأراضي، مما يهدد بتضرر الأراضي الزراعية والبساتين في القرى الحدودية الجنوبية، وبالتالي تعريض التربة والمحاصيل الزراعية لأضرار فادحة، وقد أكدت السلطات اللبنانية ان هذه الاعتداءات تأتي ضمن سلسلة ممارسات اسرائيلية تهدف الى تجريد المناطق الحدودية من مقومات الحياة الطبيعية والزراعية وتهديد الامن الغذائي للمنطقة.
وفي هذا السياق، وصف الرئيس اللبناني جوزيف عون هذه الممارسات بأنها تمثل "انتهاك صارخ للسيادة اللبنانية وجريمة بيئية وصحية بحق المواطنين" ودعا وزارة الخارجية إلى إعداد ملف قانوني موثق بالتعاون مع وزارة البيئة والزراعة لتقديم شكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي. ومن جانبها، أعلنت وزارة الخارجية اللبنانية عن بدء الاجراءات لتوثيق الاعتداءات عبر جمع عينات دقيقة واجراء مسوحات ميدانية لتوثيق الاضرار ورفع شكوى دولية ضد الانتهاكات الإسرائيلية.
ولكن يبقى السؤال الجوهري: ما مدى فعالية المسار الدولي في ردع الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة أو في تعويض الخسائر البيئية والاقتصادية؟
الحرب البيئية تدمر مستقبل الاجيال القادمة:
يتضح أن استهداف اسرائيل للغطاء الحرجي والنباتي ورش المواد السامة في الجنوب اللبناني، يشكل عملًا عدائيًا يهدد الموارد الطبيعية ويحمل مخاطر صحية وبيئية، فهو يتجاوز البعد الأمني المعلن، ويضع الصراع في إطار ما يمكن وصفه بـــ"الحرب البيئية"، حيث تتحول الطبيعة والأراضي الزراعية إلى ساحة مواجهة خلفية تمثل حربًا على حق اللبنانيين في الامن الغذائي، واعتداءً على مستقبل الاجيال القادمة من الموارد الطبيعية.
وفي ظل استمرار التصعيد، يبقى السؤال الأبرز: هل يتحول تدمير البيئة إلى أداة ضغط استراتيجية طويلة الأمد، أم ينجح المسار الدبلوماسي اللبناني في كبح هذا المسار قبل أن تتفاقم تداعياته على مستقبل الجنوب والأمن الغذائي اللبناني؟
وبكلتا الحالتين، إن إعادة تأهيل الغابات المتضررة واستصلاح الأراضي الزراعية يتطلب خطة وطنية شاملة، ودعمًا دوليًا عاجلًا لوقف جماح آلة التدمير الإسرائيلية وتعويض المتضررين وتعزيز قدرات القطاع الزراعي اللبناني.