04-سبتمبر-2016

يحمي القانون الصحفي الاستقصائي ومصادره من الكشف خارج دوائر القضاء المغلقة (أ.ف.ب)

لازلت أذكر دعوة أحد كتاب أعمدة الرأي، لرجال السلك السياسي الفلسطينيين عمومًا دون أن يصنف أحد بالـ"يساري أو علماني أو مسلم"، للاغتسال سبع مرات إحداهن بالتراب عند بلوغ التقاعد. ذلك يعني أنه قد يكون أصابهم ما أصابهم من نجاسة أو تلوثت جيوبهم أو أيديهم ..إلخ، الأمر الذي يجعلنا معشر الصحفيين لا نؤمن بالأشخاص بشكل مطلق ولا نثق بكل الأرقام المقدمة بين يدي الجمهور، ولا نسلم بكل ما يقال أو يسرب، فبعد محمد (ص) لم يأت رسل.

وبالتالي، فإن المعيار الأساس والوحيد في الحكم على الأشخاص والمواقف وشبهات الفساد بمختلف أشكاله ونظافة الأيدي، هو القانون. بمعنى آخر، إذا تطابقت الأفعال والتصرفات والمراسلات الداخلية الخفية والوثائق، مع ما تنص عليه مواد القانون في أي بلد كان، فإن ذلك لا يعيب أحدًا ولا يضعه في محل شك مهما كان شخصا مثيرًا للجدل.

هناك فرق كبير بين مفهومي تسريب المعلومة والوصول إلى المعلومة

والمسألة هنا غير متعلقة بادعاء أننا كصحفيين أنقياء من الخطايا/ملائكة، بقدر ما هي متعلقة بالمفهوم الواسع والشامل للصحافة وهو السلطة الرابعة التي تشكل أداة من أدوات الرقابة على عمل السلطات الثلاثة "التشريعية والتنفيذية والقضائية".

اقرأ/ي أيضًا: في الحاجة إلى "جريندايزر" فلسطيني!

وجاءت الصحافة الاستقصائية، لتعزز هذا المفهوم بل وانتهجت أسلوبًا بحثيًا راقيًا يضمن الشفافية والنزاهة، من خلال بناء الفرضيات واعتماد المنهجية في العمل الاستقصائي.

الغاية ليست اعتباطية مبنية على انطباعات مسبقة تجاه الأشخاص أو المؤسسات أو الحكومات، لاستعدائها كما يظن البعض، ولكنها تقوم على إثبات الفرضية من خلال ما يمكن للصحفي تقديمه من وقائع ووثائق وبيانات ودلائل بطريقة الاستقصاء ليؤكد وجود فساد ما لدى جهة ما، بما يخدم الجمهور أولاً، ويعزز مبدأ الشفافية والنزاهة في المجتمع، وليس التشويه أو الإثارة.

لأن هناك فرق كبير بين مفهومي تسريب المعلومة والوصول إلى المعلومة، فالأولى قد يكون غايتها الإثارة فقط ما لم يُبنَ عليها بجد، والثانية متعلقة بحجم الدلائل التي تعزز صحة معلومات الصحفي، مع منح الأفراد أو المؤسسات أو الحكومات موضوع الاتهام، حق الرد عليها قبل تقديمها للجمهور، حيث إن ذلك هو أسمى مراحل المهنية.

بكل أسف، هذا النوع من أنواع الصحافة لم يرق للكثير من المؤسسات الأهلية أو الحكومية أو المستويات الأمنية في الأراضي الفلسطينية، على اعتبار أنه يشكل خطرًا على مواقع البعض أو يسجل نقطة سوداء في تاريخ عمل جهة، ومن هنا بدأ التشكيك في نوايا الصحفيين الذين خاضوا غمار هذا المعترك والبعض ذهب في وصفهم بأنهم "مرتبطون بجهات خارجية، ويعملون لصالح أجندات".

وهذا انعكس بشكل واضح في الإجراءات المستخدمة من الجهات الحاكمة ضد الصحفيين على الأرض، حيث أكدت مؤسسة هيومن رايتس ووتش قبل أيام، أن السلطات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة تعتقل الصحفيين والنشطاء الذين ينتقدون السلطات سلميًا وتعتدي عليهم وتوجه لهم التهم الجنائية.

من دون أن تدرك هذه السلطات أن الصحفيين ليسوا على خلاف مع أحد وأنهم لا يرهنون أنفسهم لأيديولوجيا حزبية ولا ينطلقون من منطلقات ضيقة تجاه الأشياء، وإنما يسعون إلى ما هو أبعد من مجتمع خالٍ من فساد، وهو خلوه حتى من أي شبهة فساد.

وبالمناسبة، الصحفيون الاستقصائيون الذين وقعوا ضحية سطوة القوة خلال الفترة الأخيرة واضطروا للكشف عن مصادرهم، هم أكثر الصحفيين وعيًا بمواد القانون ويتمتعون بمسؤولية اجتماعية عالية، ولديهم الإدراك الحقيقي بالمخاطر والعراقيل التي قد يواجهونها فور الانتهاء من أعمالهم.

ولهذا لابد التأكيد على ثلاثة أمور:

1- أن يعي المسؤلون أنهم يتعاملون مع صحفيين يملكون قدرًا كبيرًا من الحنكة والمهنية، يجب أن يسخروا لهم كل الإمكانات التي من شأنها أن تسهل عملية البحث وصولًا لمواطن الفساد الكامنة في الدولة. وذلك أيضا مكفول قانونًا فحق الحصول على المعلومة هو حق طبيعي ومشروع للعامة في عدد كبير من الدول، فكيف بالصحفيين؟!

تبقى مسألة الحفاظ على المصادر بالنسبة للصحفي وعدم الكشف عنها مهما كان الأمر إلا أمام جهاز القضاء أساسًا جوهريًا لتنظيم العلاقة بالسلطة

2- مسألة الحفاظ على المصادر بالنسبة للصحفي وعدم الكشف عنها مهما كان الأمر إلا أمام جهاز القضاء، وفق ما تنص عليه قوانين المطبوعات والنشر، وهذا يستوجب ضرورة أن تؤمن المؤسسة الأمنية بحق الصحفي في حماية مصادره وألا تستخدم سطوتها لنزع الاعتراف بهوية المصدر، ويجب أن يصون ذلك كل مؤسسات حقوق الإنسان الداعمة لحرية الرأي والتعبير.

3- أن القيام بالاستقصاء الصحفي مرهون بتوفر حالة من الاستقرار المجتمعي، بحيث لا ينطوي على العمل الاستقصائي إيقاف الصحفي أو المنع من النشر، أو يشكل تهديدًا لحياته وزملائه.

ختامًا أقول لزملاء المهنة الذين يعملون في مضمار الصحافة الاستقصائية: ليس شرطًا أن يؤمن بك الجميع، ولكن كن على ثقة بأنك تعمل لأجل العامة وفقدانك سيؤثر على صوت العامة، فكن حذرًا ولا تقامر بروحك في مجتمع لم يعد فيه قيمة للإنسان.

اقرأ/ي أيضًا: 

عن نوستالجيا "إعدادات ضبط المصنع"

الدولة الحصينة والمجتمع العاري