الاستعمارية وما بعدها

الاستعمارية وما بعدها

دييغوا ريفييرا/ المكسيك

نضع، ثقافيًا، جميع الدراسات التي تتناول الاستعمار وأثره وتأثيره ومخلفاته وبقاياه ومقاومته بأشكالها كافة: سلمية، مسلحة، ثقافية، أخلاقية، فنية... تحت مسمى: ما بعد الاستعمارية، وبالتعبير الشائع: ما بعد الكولونيالية. هذه الدراسات ارتبطت، تاريخيًا، بالاستجابة المختلفة في كل من بريطانيا والهند للاستعمار وأفوله في القرن العشرين. وارتبطت كذلك بأفكار العديد من المفكرين والفلاسفة مثل كارل ماركس ونيتشه وألتوسير وديريدا وميشيل فوكو وإدوارد سعيد.

الدراسات الثقافية وما بعد الكولونيالية شيء واحد، بل هي وثيقة الصلة ببعضها وثمة مسارب كثيرة تصل بينها

حقل "الدراسات ما بعد الكولونيالية" ينتمي، كما يرى دوغلاس روبنسون، إلى النظرية الثقافية أو الدراسات الثقافية التي تعتمد على الأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، ودراسات الجنوسة، والدراسات الإثنية، والنقد الأدبي، والتاريخ، وعلم السياسة، والفلسفة... ذلك أن الدراسات الثقافية تتيح لعالم الاجتماع والفيلسوف المنتج للمفاهيم المجردة والناقد الأدبي والجنوسيّ أن يتبادلوا الحوار دون الشعور بضغط الاختصاص، وأيضًا يمكن أن يكونوا جميعهم شخصًا واحدًا. ذلك دون أن يعني أن الدراسات الثقافية وما بعد الكولونيالية هي شيء واحد، بل هي وثيقة الصلة ببعضها وثمة مسارب كثيرة تصل بينها.

اقرأ/ي أيضًا: 4 كتب أساسية عن الاستعمار الاستيطاني

نشأت الدراسات ما بعد الكولونيالية على أنقاض الإمبراطوريات الأوروبية العظمى في أربعينيات القرن العشرين وخمسينياته وستينياته، وما تلا ذلك من بروز الدراسات الثقافية المناهضة للهيمنة في الدوائر الأكاديمية. وتتقدم الدراسات ما بعد الكولونيالية على الدراسات الثقافية في كثير من الحالات الفردية؛ لكنهما ترعرعتا معًا، ويُنظر إليهما اليوم على أن بينهما صلة وثيقة وخصبة. أما المصطلح الآخر الذي يُستخدم في بعض الأحيان كمقابل للدراسات ما بعد الكولونيالية فهو "دراسات التابع"، على أثر سلسلة من المقالات جمعها راناجيت جحا في ثمانينيات القرن العشرين وحرّرها تحت العنوان ذاته "دراسات التابع".

وثمة تعريفات عديدة لمصطلح "الدراسات ما بعد الكولونيالية"، منها، التعريف الأول: دراسة مستعمرات أوروبا السابقة منذ استقلالها؛ أي كيف استجابت لإرث الكولونيالية الثقافي، أو تكيّفت معه، أو قاومته، أو تغلّبت عليه خلال الاستقلال. وهنا تشير الصفة "ما بعد الكولونيالية" إلى ثقافات ما بعد نهاية الكولونيالية. والفترة التاريخية التي تغطيها هي تقريبًا النصف الثاني من القرن العشرين. ومنها أيضًا، التعريف الثاني: دراسة مستعمرات أوروبا السابقة منذ استعمارها؛ أي الكيفية التي استجابت بها لإرث الكولونيالية الثقافي، أو تكيّفت معه، أو قاومته، أو تغلّبت عليه منذ بداية الكولونيالية. وهنا تشير الصفة "ما بعد الكولونيالية" إلى ثقافات ما بعد بداية الكولونيالية. والفترة التاريخية التي تغطيها هي تقريبًا الفترة الحديثة، بدءًا من القرن السادس عشر. ثم كتعريف ثالث: دراسة جميع الثقافات والمجتمعات والبلدان والأمم من حيث علاقات القوة التي تربطها بسواها من الثقافات والمجتمعات والبلدان والأمم؛ أي الكيفية التي أخضعت بها الثقافاتُ الفاتحة الثقافاتِ المفتوحة لمشيئتها؛ والكيفية التي استجابت بها الثقافات المفتوحة لذلك القسر، أو تكيّفت معه، أو قاومته، أو تغلّبت عليه. وهنا تشير الصفة "ما بعد الكولونيالية" إلى نظرتنا في أواخر القرن العشرين إلى علاقات القوة السياسية والثقافية. أما الفترة التاريخية التي تغطيها فهي التاريخ كلّه.

لكن دوغلاس روبنسون صاحب كتاب "الترجمة والإمبراطورية" الذي شرح بإسهاب الاختلافات الكثيرة في وجهات نظر دارسي ما بعد الكولونيالية يقف متوجسًا أمام هذه السلسلة من التعريفات، حيث يعتبرها متكلفة، بل وإمبريالية أيضًا، تستعمر المزيد من التاريخ الإنساني وتضعه تحت سيطرة منظور نقدي معين. ويستشهد بما قاله راسل جاكوبي: "يرى بعض المتمسّكين بهذا التعريف (يقصد التعريف الثاني) أن الإمبريالية تغطّي الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، الأمر الذي يحصر النطاق بأمريكا الجنوبية، وأفريقيا، وأجزاء من آسيا. ويرى آخرون أن هذا المصطلح يشمل مستعمرات "الاستيطان الأبيض" مثل كندا وأستراليا ونيوزيلندا، بل والولايات المتحدة. فما الذي يبقى خارجه إذًا؟ ليس سوى القليل".

ويؤكد روبنسون أن ذلك المجال يزداد اتساعًا في التعريف الثالث؛ ويتساءل: إذًا، أين هي الثقافة التي لم تحكمها ثقافة أخرى في لحظة ما من لحظات تاريخها؟

ويرى أن بعض الباحثين ما بعد الكولونياليين بذل كلّ ما بوسعه لتكريس واحدٍ من هذه التحديدات بوصفه التعريف الأساس الحاسم. ويرى، أيضًا، أن الجدال حول التوسيع المناسب لمصطلح ما بعد الكولونيالية لا يزال جاريًا. وأن كل تعريف من التعريفات الثلاثة السابقة يروق لجماعة معينة من الباحثين.

الدول الاستعمارية السابقة التي يطلق عليها الآن "الدول الكبرى" غير راضية عن إجراء تحولات في المجتمعات العربية ومجتمعات المنطقة

مع توسّع التعريفات وتمسّك أصحابها بها يمكن النظر إلى أن تلك الدراسات، على الرغم من قدمها النسبي، وإعادة النظر فيها لدى أوساط كثيرة من الباحثين والكتّاب، تنطلق من خصوصية كل بلد تم استعماره في مرحلة معينة من مراحل التاريخ، وشكل هذا الاستعمار، وما نتج بعد استقلال تلك البلدان التي تم استعمارها.

اقرأ/ي أيضًا: كاريكاتير من زمن الاستعمار

إذًا، لا توجد دراسات نهائية وشاملة يمكن أن تنطبق على كل البلدان. مع هذا، وبالإضافة إليه فإن الشكل الذي يتم عبره التدخل في شؤون البلدان التي تم استعمارها سابقًا من قبل الدول التي استعمرتها ذاتها يجعلنا ننظر إلى الدراسات الكولونيالية وما بعدها بوصفها مؤهلة للإجابة عن الكثير من الأسئلة التي يفرزها الواقع الجديد، خاصة بعد ثورات الربيع العربي، وتدخل دول كبرى/ استعمارية سابقًا في مصائر هذه الثورات ومصائر الشعوب التي فجرتها. يعبر بعض المهتمين بشأن الربيع العربي عن فكرة حارقة وهي أن الدول الاستعمارية السابقة والتي يطلق عليها الآن "الدول الكبرى" غير راضية عن إجراء تحولات في المجتمعات العربية ومجتمعات المنطقة، تحولات من شأنها أن تجعل تلك الدول مستقلة وسيادية وديمقراطية، إلخ... ولفحص تلك الفكرة يمكن إخضاعها لدراسات الإستعمارية وما بعدها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الاستعمار الإنجليزي للهند.. 173 عامًا من استنزاف البلاد وجرف الموارد!

عنف فرانز فانون.. أسئلة في التحرر ونفي التشيؤ