الاستبداد العربي.. مقايضة البقاء بالتراب الوطني

الاستبداد العربي.. مقايضة البقاء بالتراب الوطني

السيسي والملك سلمان

لا شك أن بيع السيسي لجزرتين مصريتين للسعودية حدث مهم، ومعه كل الجدل والحنق المصاحب. إلا أن شطرًا كبيرًا مما يرتكبه نظام السيسي بحق مصر، مع فداحته وبؤسه، هو ديدن المستبدين العرب. السيسي حالة مكثفة عما جرى ويجري على يد الاستبداد العربي منذ عقود.

يتنازل المستبد العربي عما لا يملك من أرض دولة يحكمها وباستسهال غريب لقاء مكاسب

وفي سياق الحديث عن فكرة التنازل عن أراض من الدولة لقاء صفقة سياسية أو تدعيم بقاء بالحكم، فإن الدول العربية لديها عديد النماذج الشبيهة، وقاسمها المشترك الأهم هو الصفقة، يتنازل المستبد عما لا يملك من أرض دولة يحكمها وباستسهال غريب لقاء مكاسب.

اقرأ/ي أيضًا: الأصولية العسكرية في قضية ريجيني

من البشير وجنوب السودان، إلى سوريا والاسكندرون والجولان، إلى الإمارات وجزرها التي تتناساها في سبيل علاقات سياسية واقتصادية مع إيران، إلى الأحواز العربية، حتى تنازلات السلطة الفلسطينية وقبولها بتبادل الأراضي مع الاحتلال ثمنا للبقاء. وإن كان لكل حالة مما سبق ظروفها الموضوعية الخاصة وملابساتها المحددة، فإنها جميعا تكشف زيف ادعاءات الاستبداد الدولاتية وعلاقتها بالحدود والتراب الوطني.

اليوم في سوريا يقايض الاستبداد بقاءه بأي قطع من الأرض وبأي دويلات أو تقسيمات، المهم أن يظل رأس النظام حاكمًا على أي أرض كانت. وفي مصر يتواصل مشهد التفريط المستمر بكل مقومات الدولة بل ورمزياتها لقاء الحصول على مال سياسي أو دعم يثبت النظام الضعيف.

اقرأ/ي أيضًا: انتحار السيسي

ما يلفت الانتباه هنا هو أن الجمهوريات العربية بحكمها العسكري هي صاحبة السبق في صفقات بيع الأرض. رغم ما يفترض من أن الجمهوريات هي الأقرب إلى صورة الدولة الحديثة، حيث الحدود والتراب الوطني والسيادة عليه مفردات سابقة على كل شيء، بل إن الجمهوريات تبني خطابها، والعسكر يبالغون في التزمت حياله، على هذه المفردات تحديدا، والناظر في حملات الترويج لحكم العسكر والسيسي يجد بكل وضوح أن مفردات حماية أرض الوطن والتراب الوطني والحفاظ على سيادة الدولة هي المحرك الرئيس لبروباغاندا العسكر.

يكفي التمعن في حال مصر وسوريا لندرك إلى أي حد لا تفهم النخب الحاكمة، الدولة أو الوطن إلا بقدر اتصاله بوجودها وبقائها في الحكم

اليوم يكفي التمعن في حال مصر وسوريا لندرك إلى أي حد لا تفهم النخب الحاكمة، الدولة أو الوطن إلا بقدر اتصاله بوجودها وبقائها في الحكم، فحتى أرضه وحدوده هي موضوع تفاوض، ورقة من أوراق لعب لا يفكر الحاكم مرتين قبل الرمي بها على الطاولة. والأهم أن الآخرين، الخصوم أو المفاوضين أو الأعداء، حين يدركون أن اللعب وصل حتى الأرض فلا يمكن التخيل إلى أي حد قد تبلغ أطماعهم ومطالبهم.

إن السيسي يطبق فعلا ما قاله وتحول إلى مادة سخرية، في تصريحه القبيح الفج وإعلانه أنه مستعد لبيع نفسه لو كان ذلك ممكنا، بهذا التصريح يضع السيسي الدولة قبله في مزاد المبيعات، كل شيء مقدم للبيع كرمًا لبقاء الحاكم. أما الأخرون، المستبدون العرب غيره، فيلتزمون النهج دون تصريحات غبية. والمعطيات في واقعنا العربي تقول إن هذه الصفقات ستتكاثر، بل إن القادم ربما هو عصرها، الاستبداد يشتري بقاءه بأي ثمن، بالأرض وبالدولة وبالموارد وبالجيوش وبالشعوب أيضا.

في حالة مصر والسعودية هذه، قد يكون طريفا التفكير في أن الجمهورية تبيع الأرض لمملكة، هذه الرمزية كافية لندرك أن الاستبداد واحد، وكل الألاعيب اللفظية والمسميات التي تلوكها النخب الموالية للاستبداد عن الدولة العربية ليست إلا إلهاء للجماهير التواقة إلى دول حقيقية. لدينا مَلِك يشتري الأرض ممن لا يرى في رئاسته إلا مُلْكا، ولا يرى نفسه إلا حاكما حتى وفاته، وقبلها يرتب التوريث لولي عهد يخوض انتخابات رئاسة! ألم نقل إن السيسي نسخة مكررة من سابقيه ومن أقرانه في الدول العربية الأخرى؟

اقرأ/ي أيضًا:

جوليو ريجيني.. قتلوه كما لو كان مصريًّا

شرطة أم مليشيات مسلّحة؟