الاحتلال الإسرائيلي يعيد رسم الخريطة في الجنوب السوري
22 أكتوبر 2025
بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، تحوّل الجنوب إلى مسرح مفتوح أمام الجيش الإسرائيلي، الذي لم ينتظر طويلًا لملء الفراغ الأمني الناجم عن انهيار النظام. ومع تسارع الأحداث، بدت التحركات الإسرائيلية في المنطقة وكأنها جزء من خطة مدروسة لإعادة رسم الحدود القديمة تحت عناوين جديدة: "حماية الدروز" و"ضمان الاستقرار" و"منع التهديدات المستقبلية".
لم تكن هذه العمليات مجرد ردود فعل أمنية كما تقول تل أبيب، بل حملة توسّع ميداني منظّمة أعادت إسرائيل إلى داخل العمق السوري لأول مرة منذ أكثر من نصف قرن. ومع كل موقع تتم السيطرة عليه، كانت تتضح ملامح مشروع أكبر يهدف إلى خلق واقع جيوسياسي جديد في الجنوب السوري، يُعيد ترتيب ميزان القوى على طول الحدود السورية – الإسرائيلية، ويفتح الباب أمام مرحلة من النفوذ العسكري الممتد تحت غطاء سياسي وإنساني.
اختراق خط فضّ الاشتباك وتوسّع ميداني غير مسبوق
مع غياب السلطة المركزية، تجاوزت القوات الإسرائيلية للمرة الأولى منذ توقيع اتفاقية فض الاشتباك عام 1974 الخط الفاصل في الجولان، لتبدأ سيطرتها على مواقع استراتيجية تمتد من جبل الشيخ "حرمون" إلى محافظة القنيطرة وتخوم درعا حتى ريف دمشق الغربي. وقد أعلن وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس عبر منصة "إكس" أن جبل الشيخ، الذي يبلغ ارتفاعه 2814 مترًا، "عاد إلى السيادة الإسرائيلية بعد 51 عامًا"، واصفًا الخطوة بأنها "لحظة تاريخية مؤثرة".
مع غياب السلطة المركزية، تجاوزت القوات الإسرائيلية للمرة الأولى منذ توقيع اتفاقية فض الاشتباك عام 1974 الخط الفاصل في الجولان، لتبدأ سيطرتها على مواقع استراتيجية تمتد من جبل الشيخ "حرمون" إلى محافظة القنيطرة وتخوم درعا حتى ريف دمشق الغربي
بدوره، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 18 تشرين الأول/أكتوبر أن "القوات الإسرائيلية باقية في جنوب سوريا وعلى قمة جبل الشيخ"، مضيفًا: "نسعى للتوصل إلى اتفاق مع السوريين بشأن نزع السلاح من الجنوب، ولن نسمح بالاعتداء على الدروز".
لم تكتف إسرائيل بالسيطرة على جبل الشيخ، بل وسّعت عملياتها لتشمل محافظة القنيطرة، حيث انتشرت قواتها على مناطق استراتيجية يعتقد أنها تحكم السيطرة على 95% من مساحة المحافظة، بما في ذلك مدينة البعث وبلدات خان أرنبة والحميدية وجباتا الخشب. كما توغّلت بعمق 14 كيلومترًا وصولًا إلى مقر اللواء 78 المنحل في ريف دمشق الغربي على بعد 5 كلم من مدينة قطنا، لتصبح على بعد 20 كيلومترًا فقط من العاصمة دمشق، وهي المسافة الأقرب منذ حرب تشرين 1973.
وفي الجنوب الأقصى، استهدفت إسرائيل منطقة حوض اليرموك الحيوية، فسيطرت على النهر وسدّ الوحدة على الحدود السورية -الأردنية، ما منحها قدرة مباشرة على التحكم بتدفّق المياه نحو الأردن وإسرائيل. هذه السيطرة المائية تمثل، بحسب خبراء، "ورقة ضغط استراتيجية" في ملف المياه الإقليمي. وقدّرت تقارير ميدانية مساحة الأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل منذ سقوط النظام بنحو أكثر 600 كيلومتر مربع.
انتهاكات ممنهجة بحق المدنيين
لم تقتصر التوغلات الإسرائيلية على الجوانب العسكرية، بل ترافقت مع انتهاكات متكرّرة طالت المدنيين وممتلكاتهم، حيث تنفّذ القوات الإسرائيلية حملات مداهمة شبه يومية في محافظة القنيطرة، تقوم خلالها بتفتيش المنازل وإقامة الحواجز وفرض قيود مشددة على حركة الأهالي، ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم الزراعية أو جني محاصيلهم.
وكان آخر هذه الانتهاكات يوم الاثنين 20تشرين الأول/أكتوبر، حين نفذت القوات الإسرائيلية حملة تفتيش واسعة في بلدة جباثا الخشب، حيث نصبت القوات الإسرائيلية حاجزين مؤقتين على طريق جباثا الخشب – خان أرنبة أوقفت خلالها حافلة ركاب مدنية عدة ساعات واعتقلت أحد المواطنين.
حتى السابع من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، وثّقت تقارير صحفية اعتقال قوات الاحتلال الإسرائيلي لـ36 مواطنًا سوريًا خلال حملات مداهمة في الجولان المحتل، فيما أكدت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أن من بين المعتقلين عددًا من القاصرين الذين نُقلوا قسرًا إلى داخل إسرائيل. وأشارت المنظمة إلى سلسلة من الانتهاكات ضد السكان، من بينها التهجير القسري، معتبرةً أن ذلك "يرقى إلى جريمة حرب".
كما شملت الانتهاكات هدم أكثر من عشرين منزلًا في قرية الحميدية، وتجريف مساحات واسعة من محمية جباثا الخشب الطبيعية بهدف شقّ طرق عسكرية جديدة تربط المواقع الإسرائيلية داخل الأراضي السورية ببعضها البعض. وقد خلّفت هذه العمليات عشرات العائلات بلا مأوى، ومنعت المهجّرين من العودة إلى قراهم التي تحوّلت إلى "منطقة أمنية إسرائيلية مغلقة".
"سياسة حماية الدروز" ومحاولات الاختراق الاجتماعي
إلى جانب أدواتها العسكرية، استخدمت إسرائيل خطاب "حماية الدروز" لتبرير وجودها في الجنوب السوري. فقد كثفت اتصالاتها بوجهاء جبل الشيخ ولا سيما في بلدة حضر الحدودية، عارضةً تقديم مساعدات إنسانية وخدمات مقابل تعاون محلي. لكن معظم الوجهاء رفضوا هذه العروض، مؤكدين تمسكهم بانتمائهم الوطني عبر فيديو انتشر لأهالي حضر وهم يهتفون "سوريا وطننا"، بينما أصدر الجسم الديني الدرزي بيانًا أكد فيه أن "أي وصاية إسرائيلية مرفوضة جملةً وتفصيلًا".
هذه التحركات عكست رغبة إسرائيل في إعادة رسم الخريطة الطائفية والاجتماعية في الجنوب السوري، مستفيدةً من حالة الضعف والانقسام الداخلي التي أعقبت سقوط النظام السابق، وهو ما تجلّى بوضوح خلال تدخلها في أحداث السويداء في تموز/يوليو الماضي، تحت ذريعة "حماية الدروز"، في خطوة اعتُبرت امتدادًا لمساعيها لترسيخ نفوذها عبر البُعد المجتمعي والطائفي، لا العسكري فحسب.
مشروع "ممر داوود": إعادة تشكيل الجغرافيا السورية
تزامنًا مع توسّعها الميداني، بدأت إسرائيل بتنفيذ مشروعٍ جيوسياسي طموح أطلقت عليه أوساطها الأمنية اسم "ممر داوود". يقوم المشروع على إنشاء ممرٍّ بري يمتد من الجولان المحتل غربًا حتى القاعدة الأميركية في التنف شرقًا، مرورًا بمحافظات القنيطرة ودرعا والسويداء، وصولًا إلى قلب المنطقة الحدودية بين سوريا والعراق وتركيا.
ويُتوقع أن يعبر الممر مناطق خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال شرق سوريا، ليفتح طريقًا بريًا متصلًا حتى إقليم كردستان العراق المتاخم لإيران وتركيا، وهو ما يتيح – وفق بعض المنظّرين الإسرائيليين – إعادة إحياء حلم "إسرائيل الكبرى" جغرافيًا عبر وصل حدودها الشرقية بمناطق نفوذ تمتد إلى نهر الفرات.
لم تقتصر التوغلات الإسرائيلية على الجوانب العسكرية، بل ترافقت مع انتهاكات متكرّرة طالت المدنيين وممتلكاتهم، حيث تنفّذ القوات الإسرائيلية حملات مداهمة شبه يومية في محافظة القنيطرة
الموقف السوري: تنديد سياسي ومناورة تفاوضية
أمام هذا التوسّع، وجدت الحكومة السورية نفسها عاجزة عن الرد عسكريًا، واكتفت وزارة الخارجية بإصدار بيانات تنديد ورفع شكاوى إلى الأمم المتحدة، متهمةً إسرائيل بارتكاب "جرائم حرب وانتهاك السيادة السورية".
لكن سرعان ما تسرّبت معلومات عن مفاوضات غير معلنة جرت بين الجانبين بوساطة أميركية، هدفت إلى تنظيم الوضع الأمني في الجنوب.
لاحقًا، تحوّلت هذه المفاوضات إلى علنية ورسمية للمرة الأولى، بعد إعلانٍ لوكالة الأنباء السورية "سانا" في 19 آب/أغسطس، أشارت فيه إلى أنّ وزير الخارجية أسعد الشيباني التقى في باريس وفدًا إسرائيليًا لمناقشة ملفات تتعلّق بـ"تعزيز الاستقرار في الجنوب السوري والمنطقة".
من جانبها، تمسكت تل أبيب بشروطها، وفي مقدمتها نزع السلاح الثقيل كليًا من محافظات الجنوب، وبقاء قواتها في المواقع التي تسيطر عليها إلى أجل غير مسمى. وكشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن إسرائيل طالبت أيضًا بإنشاء ممر بري عبر السويداء وهو الشرط الذي رفضته دمشق معتبرةً إياه "انتهاكًا صريحًا للسيادة ووحدة الأراضي السورية".
احتلال جديد بوجه مختلف
بين الواقع العسكري والتبريرات السياسية، يتضح أن إسرائيل تجاوزت حدود الدفاع إلى مرحلة إعادة رسم الخريطة الأمنية في جنوب سوريا. وتحت شعار "حماية الدروز ونزع السلاح"، فرضت أمرًا واقعًا يكرّس احتلالًا جديدًا ويهدد بتغيير معادلات القوة في المنطقة. وبينما تكتفي دمشق بالتصريحات، يبدو أن الجنوب السوري – ولا سيما محافظة القنيطرة – يتجه إلى أن يصبح منطقة نفوذ إسرائيلية.