الاحتكار الرأسمالي للتكنولوجيا.. السوشال ميديا وأسطورة الحياد

الاحتكار الرأسمالي للتكنولوجيا.. السوشال ميديا وأسطورة الحياد

يساهم فيسبوك في مراقبة المحتوى المنشور عن فلسطين من وجهة نظر إسرائيلية (Getty)

لقد أثبتت الأحداث الأخيرة بشكل قاطع أن وسائل التواصل الاجتماعي ليست المجتمع العالمي المحايد كما يصوَّر غالبًا - على الأقل في ما حدث مؤخرًا من التطهير لحسابات فيسبوك التابعة للأصوات المنتقدة للسياسة الخارجية الأمريكية. في هذا المقال المترجم عن مجلة فيرسو، يطرح لويس باسيت فكرة أننا بدأنا نشهد نمو الرأسمالية الاحتكارية للتكنولوجيا التي تدعم الإمبريالية الأمريكية، ويسأل كيف يمكننا، في مواجهة هذا، بناء إعلام يساري جديد.

أفاد موقع The Intercept أن فيسبوك عمل مع الحكومة الإسرائيلية لمراقبة المحتوى المنشور عن فلسطين. وبالمثل، في مقابل الوصول إلى تركيا، يقوم فيسبوك بانتظام بالسيطرة على المحتوى المؤيّد للأكراد

يتفوق المحتوى اليميني المتطرف في الشبكات الاجتماعية بشكل منتظم على المحتوى اليساري. خلال محاكمات تومي روبنسون -الناشط البريطاني اليميني المتطرف الذي سُجِن لفترة وجيزة بتهمة ازدراء المحكمة هذا العام، عقب التدخل في محاكمة العديد من مرتكبي الجرائم الجنسية- نشَرَ مؤسس "رابطة الدفاع الإنجليزية" محتوًى على فيسبوك تفوَّق بشكل كبير حتى على جيرمي كوربن. وتثير الأرقام على يوتيوب القلقَ بصورة أكبر؛ فالفيديو الأكثر مشاهدة على القناة الرسمية لزعيم حزب العمّال، تغلّب عليه فيديو نشره روبنسون، فقد حصل على مشاهدات أكثر بمقدار 1.6 مليون مشاهدة.

ومع ذلك، فإن الحجج الموجّهة ضد وسائل الإعلام التقليدية التي توفر منصة يعرض العنصريون أمثال روبنسون آراءهم من خلالها، ليست مقنعة بما فيه الكفاية. في الواقع، إن عدم إفساح المجال لهؤلاء للتعبير عن آرائهم في "وسائل الإعلام الرئيسية" يساعد على تعزيز الرواية الذاتية لليمين المتطرف على الإنترنت، والتي يحاولون فيها تصوير أنفسهم كأبطال لحرية التعبير ومدافعين عن آراء غير لائقة سياسيًا، لكنها صائبة ومنطقية. لكن مع ارتفاع معدّلات المشاهدة إلى الملايين، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي من وسائل الإعلام الرئيسية. لهذا يجب مواجهتها بنفس الطريقة.

ولحسن الحظ ربّما، فإن فضائح الخصوصية وادّعاءات "التدخّل في الانتخابات" قد أجبرت شركات احتكارية عملاقة مثل فيسبوك على تحدي نهج عدم التدخل في التنظيم. في شهر تموز/يوليو الماضي، رفض زوكربيرغ إزالة محتوى ينكر المحرقة (الهولوكوست) من فيسبوك، مما دفع بيوتيوب وتويتر وسبوتيفاي إلى التفوق على زوكربيرغ عن طريق حظر أليكس جونز، أحد أشهر المروّجين لنظرية المؤامرة على الإنترنت. لا يزال موقع التواصل الاجتماعي الأكثر شعبية في العالم حتى الآن، وهو فيسبوك، يقدّم نفسه كمثل أعلى على الإنترنت، أي أنه بمثابة شبكة أقران أفقية، وليس ناشرًا هرميًا تقليديًا. عندما سئل زوكربيرغ في شهر نيسان/أبريل عما إذا كان فيسبوك شركة إعلامية، أجاب قائلًا: "أنا أعتبرها شركة تكنولوجيا". تعطي كلمة "تكنولوجيا"، تمامًا مثل كلمة "منصة"، انطباعًا بالحياد السلبي، وهو هدف يدعمه قانون الولايات المتحدة.

اقرأ/ي أيضًا: السوشال ميديا بعد الرأسمالية.. كيف يمكن إنشاء فيسبوك اشتراكي؟

تجبر الضغوط الاقتصادية والسياسية زوكربيرغ على التغيير الحادث مؤخّرًا. في 11 تشرين الأول/أكتوبر، أعلن فيسبوك أنه أزال أكثر من 800 صفحة وحساب اعتبرها حسابات زائفة. أوضح الإعلان عن الخبر أنه "يجب أن يستطيع الناس الوثوق بالاتصالات التي يجرونها عبر فيسبوك". لكن المشكلة بالنسبة للشركة هي أنها تفتقر إلى الثقة بشدة. ولم لا؟ فكما تشير مجلة Wired، استمر زوكربيرغ في مسيرة الاعتذار لمدة عشر سنوات، ومع ذلك فإن الفضائح والأخطاء تستمر في التصاعد.

رفض فيسبوك طلبات بالحصول على قائمة كاملة بالحسابات والصفحات التي تم إلغاؤها. وكشف تحقيق أجرته مجلة ويسترن جورنال (Western Journal) عن 165 منهم، ويبلغ عدد متابعيهم ما مجموعه 60 مليون مستخدم (أساليب البحث المستخدمة معيبة، ومع ذلك لا تزال النتائج مثيرة للاهتمام). إذا كان محتكر التواصل الاجتماعي يود بناء الثقة، فلماذا لا يبدأ من هنا؟ ربما يمكن لفيسبوك توضيح ما إذا كان التطهير يشمل، على سبيل المثال، أصوات تنتقد السياسة الخارجية الأمريكية، وما هي المعايير الدقيقة لهذا الحظر إذا كان الأمر كذلك؟ علاوة على ذلك، إذا كان من الممكن حظر أليكس جونز المؤذي على يوتيوب، فلماذا لا يستطيع زوكربيرغ أن يفعل الشيء نفسه معه على فيسبوك، وكذلك مع تومي روبنسون؟

يظهر زوكربيرغ سجلًا متناقضًا مؤيّدًا للمركزية والسلطة، والأسوأ من ذلك هو أنه يظهر استعدادًا مقلقًا لتنفيذ مصالح الدول الغربية القوية

بالنسبة لرجل يحب أن يعتبر اختراعه "مجتمعًا عالميًا"، فإن زوكربيرغ يظهر سجلًا متناقضًا مؤيّدًا للمركزية. والأسوأ من ذلك هو أنه يظهر استعدادًا مقلقًا لتنفيذ مصالح الدول الغربية القوية. في عام 2017، أفاد موقع The Intercept أن فيسبوك كان يعمل مع الحكومة الإسرائيلية لمراقبة المحتوى المنشور عن فلسطين. وبالمثل، في مقابل الوصول إلى تركيا، يقوم فيسبوك بانتظام بالسيطرة على المحتوى المؤيّد للأكراد. في آب/أغسطس من هذا العام، أعلن فيسبوك أنه "أزال صفحات ومجموعات وحسابات يمكن ربطها بمصادر كانت الحكومة الأمريكية قد عرفتها سابقًا بأنها أجهزة استخبارات عسكرية روسية". وفي أيار/مايو، أكّد على شراكة مع "المجلس الأطلسى" المتشدّد، وهو مركز أبحاث مؤيّد للناتو، من بين شخصياته البارزة ضباط عسكريون أمريكيون سابقون. في الواقع، عندما يسعى العملاء الروس أو الإيرانيون إلى خلق رأي في الغرب على فيسبوك، فإنه يعتبر "تدخلًا"، لكن لا أحد يعترض عندما تفعل إسرائيل نفس الشيء. يبدو أن الهستيريا الليبرالية فيما يخص الأخبار الزائفة -المؤلفة من رهاب التكنولوجيا من جهة ومن ردّ الفعل تجاه تحوّل المركز في السياسة الغربية من جهة أخرى- قد سلّمت تنظيمَ أكبر مجال عام في العالم لمصالح الدول الغربية المهيمنة.

اقرأ/ي أيضًا: فيسبوك والسياسة القذرة.. خادم مطيع للأوامر الإسرائيلية والأمريكية

ما بدأنا نشهده هو نمو الرأسمالية الاحتكارية للتكنولوجيا. بخلاف الحال في مرحلة ما بعد الحرب، كما يوضح بول ماسون، فإن شريان الحياة لهذا النظام الاحتكاري ليس العمل، بل البيانات. في المستقبل الذي يعتمد على البيانات، فإن أولئك الذين يقومون بتشكيل الخوارزميات لديهم القدرة على التأثير في كل شيء، من الجرعة الإخبارية التي نتلقّاها يوميًا إلى الائتمان المتاح لنا. في الواقع، يمكن للدول استخدام خوارزمية لتحديد ما إذا كنتَ ارتكبت جريمة؛ وهو أمر حدث بالفعل، ثم تبيَّن أنه عنصري.

إن المشاكل المتعلقة بالاستخدام المركزي والمرتكز على السوق للبيانات الضخمة ليست سلبية بشكل مباشر وحسب، وإنما لأنها تعرقل أيضًا إمكانيات الاستخدام الأكثر استنارة للتكنولوجيا. وبدلًا من تحويل جمهور الإعلام إلى مدمني إنترنت غريبي الأطوار أو عربات تسوق بيومترية هندسية، يمكن استخدام البيانات الضخمة بشكل أفضل للعثور على علاج للسرطان أو تقدّم الذكاء الاصطناعي. يذكّرنا هذا بأنّ الاشتراكية ليست نقدًا للحالة الراهنة للأشياء فحسب، بل هي مثال لمجتمع أكثر عمقًا، مجتمع يمكنه تحقيق الإمكانات التحرريّة للتكنولوجيا.

بالنسبة لفيسبوك، فقد بدأ قناعه ينكشف. فمع تراجع قدرته على إظهار نفسه بمظهر المنصّة التكنولوجية المحايدة، أزاحت القراراتُ الأخيرة لإزالة المحتوى أو تعديل خوارزميّاته (أي بلغة وسائل الإعلام التقليدية "سياسته التحريرية") الستارَ الذي كان يخفي حقيقة أن فيسبوك هو مجرد ناشر. علاوة على ذلك، يكشف الاحتكار الإعلامي بشكلٍ متزايد عن تداخل مصالح أعماله مع مصالح الدول الغربية القوية. لم تقم الرقابة العامة بتقديم التكنولوجيا التي تجعل الهواتف الذكية ذكية وحسب؛ ولكن أكثر من ذي قبل، صارت قرارات المحتوى التي تؤثر على أكبر مجال عام في العالم يتم اتخاذها من قبل الدولة مباشرة. مهمتنا إذًا هي الدفع بها نحو الديمقراطية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الشرير الأزرق.. كيف يستخدمنا فيسبوك كسلع للبيع والشراء؟

هل تُهدّد وسائل التواصل الاجتماعي الديمقراطية؟