الاحتجاجات ضد قسد في دير الزور.. سخط شعبي وتعثر دولي

الاحتجاجات ضد قسد في دير الزور.. سخط شعبي وتعثر دولي

تستمر الاحتجاجات الشعبية ضد قسد في دير الزور للأسبوع الثالث (دير الزور 24)

الترا صوت – فريق التحرير

تستمر الاحتجاجات الشعبية في ريف دير الزور الشرقي ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بعد حملة المداهمات التي نفذتها مدعومًة بالتحالف الدولي، الأمر الذي ساهم بارتفاع وتيرتها، وصولًا إلى قطع الطرق أمام ناقلات النفط المتجهة لمناطق سيطرة النظام السوري، وهو ما يشير إلى عودة الخلاف حول المنطقة الشرقية عمومًا  بين الأطراف الدولية، دون أن تظهر واشنطن أي بادرة لردع قسد عن ارتكاب الانتهاكات بحق السكان المدنيين.

كشفت الاحتجاجات الشعبية ضد قسد في دير الزور عن سوء إدارتها للمنطقة، كما أوضحت أيضًا حجم الخلاف بين الأطراف الدولية الفاعلة التي تتصارع للسيطرة على المنطقة لما تمثله من أهمية استراتيجية

الاحتجاجات الشعبية ضد قسد تستمر للأسبوع الثالث

وللأسبوع الثالث على التوالي تواصلت الاحتجاجات الشعبية في ريف دير الزور الشرقي ضد قسد التي تقودها وحدات حماية الشعب الكردية بدعم من التحالف الدولي بقيادة واشنطن، حيث قام المحتجون بإغلاق الطرق أمام قوافل الشاحنات المحملة بالنفط التي تعبر إلى مناطق سيطرة النظام السوري، وردت عليهم قسد بإطلاق النار لتفريقهم.

اقرأ/ي أيضًا: تعطيل "درع الفرات".. داعش و"قسد" خلف النظام

ونقل موقع فرات بوست مطلع الشهر الجاري أن وجهاء من عشائر دير الزور أمهلوا قسد 72 ساعة لتنفيذ مطالب المحتجين خلال اجتماع بحضور ممثلين عن التحالف الدولي، وبحسب الموقع الذي يعنى بأخبار المنطقة الشرقية، فقد طالب وجهاء العشائر بإطلاق سراح المعتقلين ووقف حملات المداهمة، وتفعيل دور أبناء المنطقة وإعطائهم صلاحيات كاملة.

كما تضمنت المطالب التي قدمت لقسد معاملة أبناء محافظة دير الزور أسوًة بأبناء محافظتي الرقة والحسكة، والسماح لهم بالدخول والخروج بوجود إثبات شخصي وبدون كفيل، بالإضافة لإلغاء التجنيد الإجباري والاكتفاء بالمتطوعين من أهالي المنطقة، وإلغاء دور الكوادر المتواجدين في المجلس المدني وتفعيل دور رؤساء المجالس واللجان والبلديات، وتوفير المحروقات للمشافي والقطاع الخدمي بشكل كامل.

وفجر الخميس هاجمت عناصر تابعة لقسد بدعم من مقاتلات التحالف الدولي بلدة الشحيل، ووفقًا لتقارير صحفية فإن الهجوم استهدف كل من تواجد خارج منزله ما أودى بحياة ستة مدنيين، وعقب انتهاء الهجوم خرج سكان البلدة بمظاهرة استنكارًا للهجوم، حيثُ قاموا بإحراق مقر لقسد، ورد عناصر الميليشيا الكردية على المتظاهرين بإطلاق النار ما أسفر عن مقتل مدني وإصابة آخرين بجروح.

لماذا يتظاهر ريف دير الزور الشرقي ضد قسد؟

جاءت التظاهرات التي تشهدها مناطق سيطرة قسد في ريف دير الزور الشرقي نتيجة العديد من الأسباب التي ضاعفت من ازدياد الاحتقان الشعبي، بدءًا من الانتهاكات وعمليات القمع الممنهجة التي تستهدف السكان المحليين، وصولًا إلى ارتفاع أسعار المحروقات نتيجة عمل التجار على تهريب النفط إلى مناطق سيطرة النظام السوري.

وأشارت تقارير محلية إلى أن تزايد حجم الاحتجاجات الشعبية ضد قسد يرجع لسببين، الأول ناجم عن حملة الاعتقالات التعسفية التي تنفذها قسد داخل مناطق سيطرتها في دير الزور والرقة والحسكة، بالإضافة لما يتم تداوله من مقاطع مصورة تظهر الانتهاكات الممنهجة التي تمارس بحق المعتقلين داخل سجون قسد، وما يتعرضون له من تعذيب بصورة مشابهة لما يحصل في سجون النظام السوري، كما أن انتشار ظاهرة الفساد داخل المجالس المحلية التي تشرف قسد على إدارتها، والانفلات الأمني الذي تشهده مناطق سيطرتها ساهمت بانتشار حوادث السرقة والخطف.

وكانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان قد وثقت مقتل أكثر من ألف مدني على يد عناصر قسد، بالإضافة لمقتل 38 مدنيًا تحت التعذيب، وتسجيل أكثر من 2700 حالة اعتقال تعسفي، وما يزيد على 1500 حالة إخفاء قسري، وتشير الشبكة إلى أن توثيقها لانتهاكات قسد مؤرخ منذ آذار/مارس 2011 حتى كانون الثاني/يناير الماضي.

أما السبب الثاني لازدياد رقعة الاحتجاجات، فإنه يعود لقيام قسد بنقل النفط وقوات النظام من مناطق سيطرتها إلى مناطق سيطرة النظام السوري بحسب ما ذكر موقع فرات بوست، بالإضافة لاحتكار التجار للنفط ما أدى لارتفاع سعره، حيثُ يجرى تهريب النفط إلى مناطق سيطرة الأسد عن طريق وكلاء تابعين لشركة القاطرجي بواسطة أنابيب تعبر نهر الفرات، وعبّارات نهرية تحوي خزانات كبيرة، وشركة القاطرجي هي واحدة من الكيانات المدرجة على لائحة العقوبات الأمريكية والأوروبية.

توزع القوى العسكري في شمال شرق سوريا

تشير خارطة توزع القوى العسكرية في سوريا إلى تقاسم السيطرة على شمال شرق سوريا بين قسد المدعومة من واشنطن من طرف، وقوات النظام المدعومة من الميليشيات الأجنبية التي تقودها إيران من طرف آخر، حيث تمتد سيطرة قسد من مدينة منبج في شمال شرق حلب وصولًا إلى ريف دير الزور الشرقي على الحدود السورية – العراقية.

فيما تسيطر قوات النظام على مناطق تشمل مدينة دير الزور مع أجزاء من الريف بالإضافة لأجزاء من ريفي الرقة والحسكة، ويتلاقى عناصر قسد مع قوات النظام على خط طويل ضمن مساحة تتجاوز الـ420 كم. وهذا التقسيم قد يعطي انطباعًا أوليًا عن الأسباب التي أدت لارتفاع وتيرة الاحتجاجات ضد قسد، بالأخص أن تلاقي الطرفين يسهل على عناصر قسد عملية تهريب النفط لمناطق النظام السوري على الرغم من استهداف مقاتلات التحالف الدولي لهذه الناقلات.

كما أن قسد تسيطر على غالبية حقول النفط والغاز الطبيعي في محافظة دير الزور، حيث تقدر بأكثر من ستة حقول ضمنها حقلي العمر وغاز كونيكو كبرى حقول النفط والغاز الطبيعي في سوريا، وتسعى واشنطن من وراء سيطرة قسد على حقول النفط والغاز الطبيعي لممارسة المزيد من الضغوط على النظام السوري، لتحقيق مطالبها المتعلقة بفك ارتباط رئيس النظام السوري بشار الأسد مع طهران، والمضي بتنفيذ عملية الانتقال السياسي للسلطة.

وكانت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية قد ذكرت في تقرير لها أن قسد تلعب دورًا مهمًا من خلال تزويد النظام السوري بالنفط الخام رغم العقوبات الأمريكية المفروضة عليه، ونشرت وكالة الأناضول منتصف العام الماضي تقريرًا يتحدث عن توقيع شركة كندية عقدًا مع وزارة النفط في حكومة النظام السوري لصيانة أنابيب نقل النفط في مناطق سيطرة قسد لمدة ستة أشهر.

الاحتجاجات الشعبية مفتاح لصراع الأطراف الدولية على شمال شرق سوريا  

تتألف المنطقة الشرقية التي باتت تعرف بشمال شرق سوريا من ثلاثة محافظات رئيسية هي دير الزور والحسكة والرقة بمساحة تصل لـ72 ألف كم، ويشكل المكون العربي أغلبية السكان المحليين للمنطقة، فيما بتوزع أكراد سوريا على قرى كردية في تل أبيض بريف الرقة، ومحافظة الحسكة في أقصى الشمال الشرقي، وتشير الإحصائيات السكانية بحسب مصادر محلية إلى أن الأكراد مع السريان والآشوريين يشكلون 30 بالمئة من تعداد سكان المنطقة.

هذه التركيبة السكانية التي تفككت عقب اندلاع الاجتجاجات السلمية في سوريا، وسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على أكثر من 75 بالمئة من مساحة المنطقة، قبل أن تستعيد قوات النظام السوري مدعومًة بالميليشيات الأجنبية السيطرة عليها، بالإضافة لاستعادة قسد السيطرة على باقي المناطق من تنظيم داعش، تقدم لمحة سريعة تشرح طبيعة الاحتجاجات التي بدأت بالتزايد في مناطق سيطرة قسد.

وتفاديًا لارتفاع وتيرة الاحتقان الشعبي لدى المكون العربي في المنطقة، أعلن في نيسان/أبريل الماضي عن تشكيل التيار العربي المستقل برئاسة محمد خالد الشاكر، والشاكر يشغل منصب المتحدث الرسمي باسم قوات النخبة التابعة للرئيس الأسبق للائتلاف السوري المعارض أحمد الجربا، ويرأس الجربا حاليًا تيار الغد السوري الذي يتلقى دعمًا من الإمارات والسعودية ومصر.

واعتبر مراقبون أن الإعلان عن تنظيم سياسي ذي طابع عربي يخدم الجهود العربية والأمريكية الرامية لإنشاء هياكل سياسية وعسكرية في منطقة شرق الفرات تكون مناوئة لتركيا، ويكون العرب في واجهتها لا الأكراد، حيثُ يعمل التيار العربي على التنسيق مع مجلس سوريا الديمقراطي (مسد) الذراع السياسي لقسد، ووفقًا لصحيفة العربي الجديد فإنه من المتوقع أن تكون منطقة شرق الفرات مقبلة على أشكال جديدة من الصراع تتداخل فيها أطراف عدة، محلية ممثلة بالمكونين العربي والكردي، بالإضافة للنظام السوري، وخارجية تقوم بدعم أحد الأطراف المحلية، مثل الولايات المتحدة وإيران وروسيا وبعض الدول العربية.

ونقلت وكالة رويترز عن المحلل السياسي فراس علاوي قوله إن مطالب المحتجين في ريف دير الزور أصبح سقفها عاليًا، وتطورت تدريجيًا إلى "ما يشبه انتفاضة شعبية يطالب فيها الأهالي بإدارة مناطقهم وحكمهم بأنفسهم ورفض سيطرة قياديين أكراد على مفاصل الإدارة"، وهو ما يؤكد على الأسباب التي دفعت الأطراف الدولية الداعمة لقسد على مصادقة تشكيل التيار العربي المستقل عبر أبرز حلفائها العرب في المنطقة الشرقية.

كما تشكل الاحتجاجات الأخيرة تهديدًا مباشرًا للنفوذ الأمريكي في شمال شرق سوريا، إذا ما أخذنا بالحسبان سيطرة قسد على معبر البوكمال الحدودي مع العراق من الجانب السوري، تقابله ميليشيا الحشد الشعبي من الجانب العراقي، وهو أحد أهم البوابات الحدودية لاعتباره الطريق الأقصر لنقل النفط العراقي والإيراني إلى سوريا، وثم إلى الواجهة البحرية في المتوسط أو لبنان، لكن القوات الأمريكية بدعمها لقسد تمكنت من منع إيران من السيطرة على المعبر الحدودي.

وتوقعت تقارير روسية أن تقوم واشنطن في نهاية المطاف بالتخلي عن دعم وحدات حماية الشعب الكردية التي تشكل العصب الرئيسي لقسد، وتسعى لإنشاء إدارة حكم ذاتي في المنطقة وسط معارضة النظام السوري وحلفائه، بالاستناد لنتائج المفاوضات بين أنقرة وواشنطن التي عقدت مؤخرًا حول المنطقة الآمنة المزمع إنشاؤها على الحدود السورية – التركية من جانب شرق الفرات.

كما أنه ليس مستبعدًا أن تدعم أنقرة عملية عسكرية في شرق الفرات لتقويض نفوذ قسد في المنطقة، فقد ذكرت الصفحة الرسمية على موقع فيسبوك للمجلس الأعلى للعشائر والقبائل السورية أن قادة فصائل تجمع أحرار الشرقية وجيش الشرقية والفرقة 20 المنضوين ضمن مكونات الجيش السوري الحر، اجتمعوا نهاية الشهر الفائت في أنقرة مع مسؤولين أتراك لبحث تشكيل جسم عسكري موحد.

اقرأ/ي أيضًا: "الاعتداء الأصفر".. قسد تتوسع في شرق سوريا على حساب المدنيين

وأشار الحساب الرسمي للمجلس إلى أن مهمة الجسم العسكري هي السيطرة على المناطق الخاضعة لقسد في ريف دير الزور، والعمل على تمهيد عودة آلاف المدنيين من أبناء المحافظة القاطنين في مخيمات الشمال السوري وداخل تركيا إلى مناطقهم، فيما ذكرت تقارير تركية أن من بين المقترحات المطروحة للنقاش يجرى تداول مقترح مرتبط بتحويل دير الزور إلى معقل للمعارضة السورية بدعم من واشنطن وأنقرة.

أشارت تقارير محلية إلى أن تزايد حجم الاحتجاجات الشعبية ضد قسد يرجع لسببين، الأول ناجم عن حملة الاعتقالات التعسفية التي تنفذها، والثاني عن نقلها النفط للنظام السوري

وعلى ذلك، فإن الاحتجاجات الشعبية ضد قسد، رغم أنها كشفت عن سوء إدارتها للمنطقة من خلال الانتهاكات الممارسة بحق المدنيين التي تعيد للأذهان انتهاكات النظام السوري قبل أن ينسحب من المنطقة، لكنها أوضحت أيضًا حجم الخلاف بين الأطراف الدولية الفاعلة التي تتصارع للسيطرة على المنطقة لما تمثله من أهمية استراتيجية، وفي الوقت ذاته تشير إلى أن التوتر في المنطقة سيبقى قائمًا ما لم تتفق الأطراف الدولية نفسها على صيغة واضحة تعيد الاستقرار إليها.