الاتّحاد الأوروبّيّ يُعاقب الجميع ما عدا إسرائيل
23 ابريل 2026
لم يكن مفاجئًا أن تَصطدم إسبانيا وسلوفينيا وإيرلندا، الثلاثاء، في اجتماع وزراء الخارجية في لوكسمبورغ، بمعارضةً شديدة من معظم دول الاتحاد الأوروبي لطلبها تعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل. وقد قادت جبهة الرفض كلٌّ من ألمانيا، أكبر داعم أوروبي لإسرائيل، وإيطاليا.
برلين، الّتي تُعتبر ثاني مُزوّد لإسرائيل بالسّلاح بعد الولايات المتّحدة – ناهيك عن دفاعها المستميت عن الجرائم الإسرائيليّة وتبريرها لها، وصفت الخطوة بـ"غير المناسبة". أمّا روما فاكتفت بالقول إنّه "لن يُتّخذ أيّ قرار في الوقت الرّاهن".
ويُمثّل الاتّحاد الأوروبّيّ الشّريكَ الأهمّ لإسرائيل، إذ يستحوذ على 32% من مبادلاتها التّجاريّة. بيد أنّ العلاقات بين الجانبين لا تقتصر على الملفّ اقتصاديّ، إذ منحت كبرى دول القارّة العجوز لحكومة بنيامين نتنياهو دعمًا سياسيًّا غير مشروط، في حملة الإبادة الّتي شنّها ولا يزال على قطاع غزّة.
ولئن شهدت العلاقات بين الطّرفين فتورًا كبيرًا، في الآونة الأخيرة، بلغ حدّ التّوتّر، إلّا إنّ مجرّد التّفكير في أنّ إسرائيل قد تفقد حلفاءها داخل الاتّحاد هو ضَرب من ضُروب الخيال.
وبالرّغم من التّجاوزات الاتّصاليّة، فإنّ لمعظم الدّول الأوروبيّة قدرةً هائلة على تحمّل الأذى الإسرائيليّ، بشكل يرقى للخضوع. وفي حالاتٍ كثيرةٍ، تُمعن حكومة نتنياهو في إذلال شُركائها الأوروبيّين، دون أن يترتّب عن ذلك أيّ موقف ذي معنى أو وزن. فبُعيد لقائه نظيرته اللّبنانيّة، ندى حمادة معوّض، صرّح السّفير الإسرائيليّ لدى واشنطن، يحيئيل ليتر، الأسبوع الماضي، بأنّه من الضّروريّ "إبقاء الفرنسيّين بعيدين قدر الإمكان" عن أيّ مفاوضات، مضيفًا أنّ "باريس ليس لديها أيّ تأثير". ولم تُحرّك باريس ساكنًا أمام هذا الموقف.
يُمثّل الاتّحاد الأوروبّيّ الشّريكَ الأهمّ لإسرائيل، إذ يستحوذ على 32% من مبادلاتها التّجاريّة. بيد أنّ العلاقات بين الجانبين لا تقتصر على الملفّ اقتصاديّ، إذ منحت كبرى دول القارّة العجوز لحكومة بنيامين نتنياهو دعمًا سياسيًّا غير مشروط، في حملة الإبادة الّتي شنّها ولا يزال على قطاع غزّة
في المقابل، خسر نتنياهيو شريكًا أوروبيًّا تماهى مع سياسات إسرائيل لأكثر من 15 عامًا، هو رئيس الحكومة المجريّة السّابق، فيكتور أوربان. وسرعان ما تلقّت إسرائيل رسالةً قويّةً من خَلَفه، بيتر ماغيار، مفادُها أنّ بودابست "ستُنفّذ أوامر الاعتقال الدّوليّ الصّادرة ضدّ أيّ كان،" في إشارة إلى رئيس الحكومة الإسرائيليّة المطلوب دوليًّا. وكان بيان إسرائيليّ، صدر الأسبوع الماضي، قد زعم تلقّيّ نتنياهو دعوةً رسميّةً من ماغيار لزيارة المجرّ.
ومن اللّافت أنّ الاتّحاد الأوروبّيّ لم يُدر ظهره لمساعي إسبانيا وسلوفينيا وإيرلندا لمعاقبة إسرائيل فحسب، بل تجاهل أيضًا دعوات منظّمات حقوقيّة دوليّة تبنّت تلك المساعي. وعشيّة الاجتماع الأوروبّيّ بلوكسيمبرغ، اعتبرت الأمينة العامّة لمنظّمة العفو الدّوليّة، أنياس كالامار، عدم معاقبة الاتّحاد إسرائيل على غرار معاقبته روسيا عقب اجتياحها أوكرانيا "مثالًا صارخًا على ازدواجيّة المعايير".
وتفرض بروكسل، بالفعل، عقوبات على موسكو، هي الأكبر في تاريخ الاتّحاد، إذ تشمل حظر استيراد النّفط والفحم وتجميد الأصول ومنع التّعامل مع البنوك الرّوسيّة، بالإضافة إلى قيودٍ على التّكنولوجيا والطّيران والشّحن البحريّ .
وموسكو ليست استثناءً، هنا، إذ يفرض الاتّحاد الأوروبّيّ حُزمة عقوبات أخرى على عشرات الدّول، من بينها إيران، على خلفيّة "برنامجها النّوويّ وانتهاكات حقوق الإنسان"، والسّودان "بسبب الصّراعات الدّاخليّة". بل إنّ دولتي بولندا والمجرّ تخضع هي الأخرى لعقوبات أوروبيّة "لضربها استقلاليّة القضاء حرّيّة الإعلام"، وإن اقتصرت، عملًا بلوائح التّكتّل السّياسيّ والاقتصاديّ حين يتعلّق الأمر بدوله الأعضاء، على تجميد قسط من أموال الدّعم وتقليص حجم المساعدات والمنح المتأتّية من "صندوق التّعافي" أو برنامج السيّاسة الزّراعيّة المشتركة.
ولئن تُستنى إسرائيل من نظام العقوبات الأوروبّيّة، بصرف النّظر عن بشاعة ما ترتكبه من جرائم، فإنّها تتطلّع بحَيرة إلى ما تعتبره أخطر من نظام العقوبات وهو الانقلاب اللّافت للرّأي العامّ الأوروبّيّ. فقد أشار استطلاع رأي شامل، العام الماضي، أجراه معهد "يو غوف"، إلى أنّ ما بين 13 % و21 % فقط من الأوروبّيّين يحملون انطباعًا جيّدا عن إسرائيل، في حين تراوحت نسبة الغاضبين من سياساتها بين 63 % و70 %.
ومن المُجازفة التّسرّع في استخلاص دُروس مُبالغة في التّفاؤال، انطلاقًا من مثل هذه الاستطلاعات، في الوقت الحالي. لكن، لا نقاش في أنّ موازين القوى قد تنقلب، على المدى البعيد، حين تتحوّل توجّهات الرّأي العامّ إلى دوائر صنع القرار الأوروبّيّ، عبر صناديق الاقتراع. وقد شاهدنا، بالفعل، الأسبوع الماضي، اختبارًا، في هذا الاتّجاه، حين اضظرّت الأغلبيّة الحاكمة في فرنسا إلى سحب مشروع قانون يهدف إلى ربط معاداة السّاميّة بانتقاد إسرائيل، بعد تأكّدها بأنّ النّصّ المُثير للجدل لن يحظى بالّدعم الكافي، داخل مجلس النّوّابّ.
حينها، وحينها فقط، ستخسر إسرائيل صفتها كاستثناءٍ أمام مقصلة العقوبات الأوروبّيّة! في هذه الأثناء، ومثلما ذكرت كبيرة مديري البحوث وأنشطة كسب التّأييد والسّياسات والحملات في منظّمة العفو الدّوليّة، إريكا غيفارا روساس، إنّ "قرار الاتّحاد الأوروبّيّ الإبقاء على اتّفاقيّته التّجاريّة مع إسرائيل يُمثّل فشلًا أخلاقيًّا، ويعكس ازدراءً صارخًا بحياة المدنيّين". أي أنّ بروكسل شريك أصليّ في سياسات إسرائيل كافّة!