الإنسان في مواجهة الطبيعة

الإنسان في مواجهة الطبيعة "دائمًا".. كل شيء عن حادث الكهف التايلندي

منذ أكثر من أسبوعين والأطفال التايلانديون عالقون داخل الكهف (أسوشيتد برس)

"لم يتبقى سوى ثلاثة أو أربعة أيام لإنقاذ الأولاد"، هذا ما صرحت به السلطات التايلاندية بشأن واقعة حبس فريق كرة القدم، يتكون من 12 طفل مع مدربهم، داخل كهف شمال تايلاند، بسبب الفيضانات. فيما تتواصل الجهود المحلية والدولية لإغاثة الأطفال قبل فوات الأوان.

منذ الـ23 من حزيران/يونيو الماضي، حُبس فريق من 12 طفلًا ومدربهم في كهف بتايلاند، وقد غمرته مياه الفيضانات

بدأت القصة يوم 23 حزيران/يونيو الماضي، حينما كان فريق صغار في منطقة ماي ساي بالتايلاند، تتراوح أعمراهم بين 11 و 16 عامًا، عائدين من لعب كرة القدم، وعندما دخلوا إحدى الكهوف للعبور منها علقوا هناك، وعندما لم يعودوا إلى منازلهم، أبلغت عائلاتهم السلطات التايلاندية عن فقدانهم، وأقام أفراد الأسر وقفة احتجاجية للتحرك. تبين فيما بعد أن الكهف غمر بالماء بينما كانوا بالداخل، بسبب ارتفاع منسوب مياه الفيضان المدفوع بالمطر.

اقرأ/ي أيضًا: بتهمة إنقاذ اللاجئين في البحر.. أوروبا تحاكم إنسانية 3 منقذين إسبان!

وخلال جهود البحث عن المجموعة، عثر رجال الإنقاذ على دراجات وأحذية كرة القدم وغيرها من المعدات التي تخص الأولاد عند مدخل الكهف، فحاولوا سحب المياه من خارج الكهف، ولكن لم يكن من الممكن تصريف ما يكفي لإحداث فرق. وبعد 10 أيام من البحث بدون جدوى، تمكن غواصون من إيجاد الصبية ومدربهم، وهم يتجمعون في حجرة معزولة داخل الكهف بعد أن تقطعت بهم السبل. كانوا جائعين وباردين ولكنهم أحياء.

فريق الأطفال العالقين داخل الكهف بتايلاند
فريق الأطفال العالقين داخل الكهف بتايلاند

وشاع الخبر، وعمت الفرحة أسر المفقودين والمتابعين للواقعة، وتنفس المسؤولون التايلانديون الصعداء، بعد أن وجدوا الأطفال على قيد الحياة، بيد أنه سرعان ما عرف رجال الإنقاذ أن المشكلة لم تنتهي بعد، إذ واجهتهم عقبة صعبة، وهي كيفية إخراج الأولاد مع فيضان المياه الذي يغمر الممر الوحيد المؤدي إلى الجيب داخل الكهف .

في البداية اعتقد المنقذون أنه بإمكان الأطفال الانتظار في الكهف، وتموينهم بحاجاتهم الغذائية هناك، ريثما تنحسر مياه الفيضانات الموسمية، لكن الآن أصبح هذا الخيار ا أقلّ تعويلًا عليه، إذ تبين أن الأوكسيجين بداخل جيب الكهف آخذ في الانخفاض، ومحاولة إخراجهم في ممر وعر وطويل ومغمور بالمياه، تبدو مهمة شاقة وخطيرة، خاصة وأن لا أحد من هؤلاء الأطفال قادر على الغوص، وفضلًا عن أن تناسبهم معدات الغوص.

"عندما وجدناهم، كنا نظن أن الأولاد سيكونون قادرين على البقاء هناك لفترة طويلة"، يقول قائد سلاح البحرية التايلاندي، الأدميرال آرباكورن يوكونغكاو، للصحفيين، مستدركًا: "ولكن الأمور تغيرت الآن. لدينا وقت محدود. علينا أن نعمل بجد". وقد تقاطر عشرات الغواصين من الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا للمساعدة في عملية الإنقاذ الجارية.

وعلى أمل احتفاظ الصغار مع مدربهم بالأكسجين الكافي، بدأ عمال الإنقاذ يديرون خرطومًا نحو الكهف لضخ مزيد من الهواء، بالإضافة إلى نقل صهاريج هوائية إلى داخل الكهف، لكن المهمة كانت صعبة، ولقي أحد الغواصين حتفه جراءها، وهو سامان جونان البالغ من العمر 38 عامًا.

والكهف هو مجمع مترامي الأطراف أسفل سلسلة جبال بالقرب من الحدود مع ميانمار، وتقع الغرفة الصخرية التي يتواجد بها الأولاد ومدربهم على بعد ثلاثة أميال من مدخل الكهف، ولا يمكن الوصول إليها بسبب الفيضانات إلا عن طريق الغوص. فكان على غواصي الإنقاذ أن يشقوا طريقهم عبر ممرات ضيقة لساعات للوصول إلى المجموعة المحبوسة.

كان من الصعب حتى على أفضل الغواصين التنقل بين الأجزاء المغمورة من الكهف،  يستغرق الغواصون ما يصل إلى ست ساعات من نقطة انطلاقهم للوصول إلى الجيب الكهفي، عابرين في الظلام وتحت الماء، تجويفات وعرة وتيارات مائية جارفة وصخور وطين، وهو ما يُصعّب على فريق الإنقاذ إخراج الصغار من الكهف، في ظل استمرار ارتفاع منسوب المياه.

أحد الغواصين وهو خبير إنقاذ في سلاح الجو الأمريكي، قال لنيويورك تايمز: "لإخراج الأولاد من الكهف، يتطلب الأمر رعايتهم في ممرات تحت الماء بقدر طول ربع ميل دون جيوب هوائية فوق"، مضيفًا أن "كل شيء تحت سطح الماء يزيد عشر مرات عما هو عليه فوق سطح الأرض، من التواصل، مشكلات المعدات، والتحرك إلى الأمام وغير ذلك".

لا يزال الغواصون يحاولون إنقاذ الأطفال العالقين في الكهف (أ.ف.ب)
لا يزال الغواصون يحاولون إنقاذ الأطفال العالقين في الكهف (أ.ف.ب)

وأرسل الأولاد المحاصرين في الكهوف التايلاندية رسائل إلى عائلاتهم عبر الغواصين، تخبرهم بأن "لا يقلقوا"، وكتب مدرب كرة القدم البالغ من العمر 25 عاما، الذي رافق الأولاد إلى الكهف بعد ممارسة كرة القدم في 23 حزيران/يونيو، لأولياء أمور الأطفال، معتذرًا: "لجميع الآباء، لا يزال جميع الأطفال بخير. أتعهد بأن أحرص على القيام بأفضل رعاية للأطفال، وأريد أن أشكركم على كل الدعم وأريد أن أعتذر للوالدين". كما خاطب عائلته: "أنا بخير. لا تقلقوا علي كثيرًا. عمي، من فضلك قل للجدة أن تطهو قشرة لحم مع قليل من الحار. سوف آكل عندما أخرج. أحبكم جميعًا".

وقد اكتست القضية بعدًا إنسانيًا عالميًا، حيث قال الرئيس التنفيذي لشركة تيسلا، إيلون موسك، على تويتر، إن مهندسين من شركتي "سبيس إكس" و"تيسلا"، سافرا إلى تايلاند لمعرفة ما إذا كان بإمكانهما المساعدة في عمليات الإنقاذ. فيما دعا رئيس الفيفا الأولاد المحاصرين في الكهوف التايلاندية لحضور نهائيات كأس العالم إذا ما تم إنقاذهم في الوقت المناسب.

اكتسبت قضية الأطفال المحاصرين في كهف تايلاند بعدًا إنسانيًا عالميًا، إذ أبدى العديد من المشاهير تضامنهم مع الأطفال العالقين

وتتواصل عمليات الإنقاذ، التي يشارك فيها 140 غواص من البحرية التايلاندية وأمريكا وأوروبا والمئات من مسعفي الطوارئ، في سباق مع الزمن، لإخراج الأطفال من حجرة الكهف المنحصرين بها، قبل أن يتسمم الهواء ويفقدوا حياتهم، آملين أن يجدوا طريقة للتغلب على ممرات الكهف الشاقة والمغمورة بالمياه. كل هذا في مشاهد تعيد للأذهان حالات حصار شبيهة للإنسان في مواجهة الطبيعة ومنزلقاتها، كقضية حصار 33 عامل تعدين تشيلي في منجم كوبيابو التي حازت اهتمامًا عالميًا رفيع المستوى، وصلت حدود الإنتاج السينمائي لشريط يحاكي التجربة، بعد نجاة العمال طبعًا. هو حبل النجاة إذًا الذي يتمناه ملايين المتابعيين لقضية "أطفال الكهف التايلندني". 

 

اقرأ/ي أيضًا:

"موياي تاي".. قتال أطفال الفقراء في تايلاند

إعصار إيرما المُروّع.. لماذا تتفاوت آثار كوارث الطبيعة حسب البلد المنكوب؟