الإنسان بين الحرية والتكليف

الإنسان بين الحرية والتكليف

تفصيل من أيقونة

1

يقال إن الإنسان حيوان اجتماعي، في نفس الوقت نجد الكثير من بنى الإنسان يميلون إلى الانطوائية والنفور والابتعاد والتقوقع داخل ذواتهم لأسباب متعددة تختلف من إنسان لآخر، في حين أن كل فصائل الحيوانات أيضا تكون مجتمعات خاصة بها تتسم بالعلاقات والصداقات والعداوات فيما يشبه كثيرًا مجتمع الإنسان، ربما بشكل أبسط وأقل تعقيدًا لكنه موجود وحاضر.

الحيوانات عاقلة وتفكر وإن كانت أقل ذكاءً، لكنها بالتأكيد ليست مجنونة بكل تأكيد

يقال إن الإنسان حيوان ناطق، في نفس الوقت نجد أن الإنسان ينطق بلغة تتكون من حروف وكلمات وجمل يتفاهم من خلالها مع بنى جلدته، ولكن ماذا يفرق أي حيوان آخر عن ذلك؟ كل حيوان له لغته الخاصة التي يتفاهم بها مع بنى جلدته أيضا، بعضها يحتوي الحروف، بعضها يحتوي الإيماءات والإشارات، بل إن بعض الحيوانات يستطيع نطق كلمات وجمل كاملة.

اقرأ/ي أيضًا: رسالة إلى العم كوفيد

يقال إن الإنسان حيوان عاقل، ومن نفى صفة العقل عن باقي الحيوانات؟ هل بدائية التصرف أو سذاجة التفكير تنفي وجوده بالكلّية؟ منطقيًا لا، الحيوانات أيضًا عاقلة وتفكر وإن كانت أقل ذكاءً ولكنها بالتأكيد ليست مجنونة.

أعتقد أن الفارق الوحيد المنطقي لن يتأتى سوى من منظور ديني فقط، وهو التكليف الذي ذكره الله، التكليف وليس العبادة فكل المخلوقات تعبد على طريقتها كما قال الله، وإذا أسقط الإنسان التكليف عن نفسه أسقط عن نفسه إنسانيته بالتبعية..

ولكن ما هو التكليف وما هي آليات تنفيذه؟

 

2

التكليف هو الإلزام، الإلزام بشيء أو مجموعة من الأشياء، الإلزام بمبادئ أو أفكار أو أفعال أو أقوال، الإلزام بمختَلَف أشكاله وأنواعه.

من منظور ديني بحت - لن يفهمه أو يؤمن به سوى من ارتضوا اتّباع ديانات معينة- فالملزِم هنا هو الإله الخالق، والملزَم هو الإنسان المخلوق، الله خلق كل شيء ولكن لم يلزِم سوى الإنسان بتوصيات محددة، هناك جدل يدور حول إلزام الجن بنفس التوصيات وهل الجن مكلفون أيضًا؟ أم غير مكلفين؟ وهل ستطبق عليهم آلية الثواب والعقاب في يوم الدينونة؟ أم سيصيرون ترابًا كالبهائم؟ كلها أمور جدلية وليست هي موضوع النقاش، كلامنا دائر هنا عن الإنسان الذي تم إلزامه بتوصيات إلهية محددة، تنبع من كونه خليفة للإله في الأرض، أي ممثله، وبالتالي فهو مطالب بفعل كل ما يريد الإله فعله على الأرض، مطالب بدرء كل ما أمر الإله بدرئه، مطالب بتغيير الأرض للأفضل عن طريق تغيير نفسه للأفضل.

الإنسان يستطيع أن يكون ملاكًا بمنتهى الصعوبة النظرية والاستحالة الفعلية، ويستطيع أن يكون شيطانًا بمنتهى السهولة النظرية والإمكانية الفعلية

ولماذا يغير نفسه للأفضل أصلًا وهو من خلْقِ الله وقد نفخ فيه من روحه وفضّله على سائر خلقه؟ هل هناك ما هو أفضل لكي يصير إليه؟

اقرأ/ي أيضًا: فيروس القمع

بالطبع، فقد خلقه يحتوي خيرًا وشرًا، ولعل هذا سبب تفضيله على الملائكة رغم كونها تمثل الخير المطلق، لأنه يحوي بداخل نفسه أسباب نجاته وأسباب هلاكه، أسباب مجده وأسباب لعنه، الملائكة كرام بررة طيبون رغما عنهم لأن خالقهم خلقهم كذلك، الإنسان يستطيع أن يكون ملاكًا بمنتهى الصعوبة النظرية والاستحالة الفعلية، ويستطيع أن يكون شيطانًا بمنتهى السهولة النظرية والإمكانية الفعلية، وهنا تكمن أهمية وعظمة هذا المخلوق في اختباره من قِبَل إلهه واختياره من قِبَل نفسه، وضعه خالقه في وضع في منتهى الحرج حتى يكون الاجتياز مجدًا لا يضاهيه شيء؛ والسقوط لعنةً لا يضاهيها شيء، فكل شيء بيده وبإرادته الجزئية السابحة في إرادة خالقه الكلية في خلق إرادة حرة لعبد، التناقض في الإنسان هو سر اكتماله في عين خالقه ونقصه في عين نفسه.

 

3

إذًا فمن مقتضيات التكليف الامتثال، أي الطاعة، وهي طاعة اختيارية رغم كونها مفروضة، فالاختيار بين طاعة ومعصية هو أمر متروك للإنسان رغم أن الله فرض عليه الطاعة، فالفرضية هنا من الفرض ومن الافتراض، فهو فرضٌ مفروضٌ ومفتَرَض، وهنا يمكن أن نرى ملمحًا مهمًا وهو مدى حب الخالق لهذا المخلوق وتفضيله له على غيره، فقد أوجب عليه أمورًا وترك له الأمر، بينما أوجب على غيره أمورًا ولم يترك لها أمرًا، وهذا هو مكمن إنسانية الإنسان في الأساس.

لذا، فاختيارك لطريق الطاعة والامتثال هو من صميم إنسانيتك، واختيارك لطريق المعصية والتمرد هو أيضًا من صميم إنسانيتك، وكلا الطريقين رحبٌ مريح، فالطاعة تريح مريدها والمعصية كذلك، ولكلٍّ راحته والراحات تختلف، ولكن التوغل المفرط في أي طريق منهما ربما يودي بك إلى طريق أضيق وأشقّ ويفضي إلى هاوية سحيقة.

اختيارك لطريق الطاعة والامتثال هو من صميم إنسانيتك، واختيارك لطريق المعصية والتمرد هو أيضًا من صميم إنسانيتك

فالتوغل في الطريق الأول ربما يودي بك إلى الإعجاب والخيلاء حتى لتنسى من أنت حقًا وما هو المطلوب منك أصلًا، وهو ما حدث بالضبط مع إبليس، وكلنا يعلم ما انتهى إليه الأمر، أما التوغل في الطريق الثاني ربما يودي بك إلى الإصرار ثم إلى التبرير والتلفيق ثم إلى الإنكار، وهو ما حدث بالضبط مع إبليس، وكلنا يعلم ما انتهى إليه الأمر.

اقرأ/ي أيضًا: رغبات ملجومة

وبعد التوغل في أي من التفريعتَين الضيقتَين للطريقَين الرحبَين الأساسيَين، فلا شيء أمامك سوى الهاوية السحيقة السالف ذكرها، وهي إسقاط التكليف.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كورونا إكسبريس

جورج فلويد: تذكير بما ننساقُ لنسيانهِ