الإنسان بين الحرية والتكليف: أصل الانفصام

الإنسان بين الحرية والتكليف: أصل الانفصام

برونيلا كلوف/ بريطانيا

إذا أسقط الإنسان التكليف الإلهي فقد أسقط بالتبعية كل ما يميزه كإنسان، حتى ولو ألزم نفسه بمنظومة أخلاقية صارمة.. فالشاهد هنا ليس "ماذا يفعل؟" إنما "لماذا يفعل؟". مجتمع الحيوان مثلًا له منظومته الأخلاقية الخاصة وقواعده التي جُبل على الالتزام بها، فهو إذًا مجتمع يملك الـ"ماذا" ولا يعرف الـ"لماذا"، ولذلك فالالتزام بمنظومة أخلاقية أو عدم الالتزام ليس هو الهدف في حد ذاته، دعك من أنه في حال إسقاط التكليف يصبح الالتزام شيئًا متروكًا للأهواء الشخصية لكل إنسان، أو درجة التحضر/ التخلف أو التحفظ/التسيب لكل مجموعة من البشر.. وهو ما يجعل هذا الالتزام المزعوم إن وجد هشيمًا تذروه الرياح، لا يصمد أمام تفضيل المصلحة الخاصة والكسل والشهوة والطمع وغيرها الكثير من الصفات الإنسانية المتأصلة في نفس الإنسان ولا يمكن إنكارها.

عند إمعان النظر في هذه المجتمعات سنجد أسباب التقدم لامعة براقة من الخارج، تحوي بداخلها عوامل الانهيار كالسوس العفِن

انظر إلى العالم ترَ تطبيق كل ذلك عمليًا من حولك. هناك مجتمعات غير ملتزمة بالتكليف وفي ذات الوقت ممتثلة لقوانين وضعية صارمة. قوانين تسعى لتحقيق العدالة بقدر الإمكان بين الأفراد وتحقيق تكافؤ الفرص ومعاقبة المخالف وعدم التمييز بين البشر تبعًا لنفوذهم أو سلطتهم أو لونهم أو عرقهم أو جنسهم أو معتقداتهم، ظاهريًا كل شيء جيد ورائع، ولكن عند تدقيق النظر يوجد الكثير مما يقال.

*

 

عند إمعان النظر في هذه المجتمعات سنجد أسباب التقدم لامعة براقة من الخارج، تحوي بداخلها عوامل الانهيار كالسوس العفِن، فمع كل ما ذكرنا من نزعات إيجابية على مستوى الدولة يوجد أيضًا نزعات شديدة السلبية على مستوى الفرد ومن ثمَّ المجتمع ككل: خواء روحي شديد، مادية مفرطة، تشكيك في كل شيء، شعور عام باللا جدوى، إفراط في الملذات حدّ التشبع والسأم، عنصرية ونظرة دونية للآخرين رغم تصنعهم العكس.

اقرأ/ي أيضًا: الإنسان بين الحرية والتكليف

نجد مردود كل ذلك كظواهر مجتمعية منتشرة بكثرة كتعدد حالات الانتحار وقتل النفس، أعداد كبيرة لمرتكبي الجرائم النفسية كالقتلة المتسلسلين (وهي ظاهرة تكاد تكون محصورة على تلك المجتمعات)، ندرة كبيرة فيمن يؤمنون بمفهوم تكوين أسرة مستقرة (ما ينتج عنه توابع من المشكلات الكبرى معظمها يتعلق بالأطفال وطريقة نشأتهم وتكوين شخصياتهم). وحتى على مستوى الدولة نفسها، نجد بربرية استعمارية لكل من يخالفهم (رغم تصنعهم الإنسانية)، قتل وسفك وتدنيس وتخريب وسرقة وجرائم حرب وتشريد ضد كل من ليس منهم أو ليس معهم أو ليس هم.

لسنا هنا بصدد الهجوم على دول بعينها أو تشويه صورة مجتمع بذاته، هو فقط مجرد رصد لما نراه وتفنيد لما يحدث من منظور موضوعي، فلا يجب أن ننسى أن كلامنا هو في الأساس عن الإنسان، الإنسان بمفهومه العام المجرد. الإنسان الذي يجتمع ليكوّن أسر وعائلات وقبائل ومجتمعات وشعوب ودول مختلفة ومتفرقة، حتى الاجتماع يصنع التفرقة وتصنعه التفرقة، فمن حيث اجتمع البشر افترقوا، ومن حيث افترق البشر اجتمعوا.

وعلى الجانب الآخر فيجب إلقاء الضوء على المجتمعات الأخرى، الذين يلتزمون بالتكليف ويمتثلون له، أو هكذا يزعمون.

*

 

بخصوص المجتمع المعاصر الملتزم حقيقةً بالتكليف فهو خرافة، وأما المجتمع المعاصر الزاعم كذبًا الالتزام بالتكليف فهو موجود في واقعنا، وأما المجتمع الملتزم حقيقةً بالتكليف في الأزمان الغابرة فهو موجود في كتب التاريخ، ولكلٍّ منهم حديثٌ وتفصيل.. ويجب ملاحظة أننا نتكلم هنا عن مجتمع ككل وليس عن حالات فردية، فربما وُجد إنسان ملتزم في مجتمع غير ملتزم، وربما وُجدت مجموعة من البشر ملتزمون كلٌّ على حدة لا يربطهم رابط ولا يجمعهم جامع متفرقون زَبَدًا في بحر مجتمع غير ملتزم، وربما وُجد مجموعة من البشر ملتزمون مترابطون مجتمعون كمجتمع صغير ضعيف في لجّة مجتمع كبير غير ملتزم.

ونشير هنا بأن لفظة "ملتزم" يترجمها الذهن العربي المعاصر بالالتزام الديني وتقفز للذهن تلقائيًا صورة معينة وشكل معين ونماذج معينة مرتبطة باللفظ المستهلك والمستخدم بكثرة في واقعنا في غير موضعه في الكثير من الأحيان، ولكن ما نرجوه هنا هو الوصول للنظرة العامة الشمولية دون الوقوع في أسر التنميط والتجزئة والأحكام المسبقة والانطباعات الراسخة في العقل الجمعي، فلفظة "ملتزم" هنا لا تشير إلى شكل معين ولا هي مقياس لدرجة تديّن محددة ولا هي مادة للمزايدة من الأساس.

وجود طبيعتين مختلفتين يتطلب طغيان إحداهما على الأخرى، وبالتالي معرفة الدرب المريح لكل إنسان حسب اختياره وغلبة طبيعته، فإما هنا وإما هناك

بالنظر للمجتمعات المعاصرة فلن نجد مجتمعًا ملتزمًا حقيقةً بالتكليف كوحدة مجتمعية واحدة تشترك في عقيدة واحدة وتملك أهدافًا موحدة، ولكن سنجد مجتمعات تزعم أو تتخيل أنها كذلك وهي عن ذلك بعيدة، ومأساة هذه المجتمعات وأفرادها هي الفصام، فالشخص الواحد منقسم ذاتيًا إلى شخصين؛ أحدهما شخص نظريّ منظِّر يعرف تكاليف الالتزام جيدًا ويحاكم كل من حوله محاكمات قاسية مدعيا المثالية، والآخر شخص عمليّ مادي يفعل كل ما هو عكس ما يدّعى الشخص الأول ولا يخضع للمحاكمات التي يجريها الأول على الآخرين، والتناقض هنا رغم كونه شيئًا إنسانيًا كما ذكرنا سالفًا نظرًا للطبيعتين اللتين خلقهما الله في الإنسان؛ إلا أنه في هذه الحالة تناقض فجّ صارخ مبالغ فيه يطغى حتى على إنسانية الإنسان ذاتها.

اقرأ/ي أيضًا: الوجه وأنطولوجيا الغيرية عند إيمانويل ليفيناس

وجود طبيعتين مختلفتين يتطلب طغيان إحداهما على الأخرى، وبالتالي معرفة الدرب المريح لكل إنسان حسب اختياره وغلبة طبيعته، فإما هنا وإما هناك، أما العيش بالطبيعتين المتصارعتين بشكل دائم مستمر دون غلبة إحداهما على الأخرى فهو عين العذاب والضياع، وهو عين الفصام.

 

اقرأ/ي أيضًا:

صندوق الكتب المحروق

قنبلة في الطابور