الإنسانية المأزومة بين ميلر وفرهادي

الإنسانية المأزومة بين ميلر وفرهادي

لقطة من الفيلم

كاتب مشارك: نوران سيد أحمد
 

كعادة المخرج الإيراني، أصغر فرهادي، الذي لا يكف عن دق أجراس الإنذار، ولفت أنظارنا لأزماتنا الإنسانية المتفاقمة في ظل عالم موغل في المادية، ولا يكل من إتحافنا بسينماه القديرة، يعود بحكايته الجديدة هذه المرة ومزيج لا يخيب آمال محبي السينما الإيرانية وسينماه الخاصة.

"البائع" هو اسم الفيلم الأخير لفرهادي، المأخوذ عن مسرحية للكاتب الأمريكي أرثر ميلر "موت بائع متجول"، ويعد العمل السادس لفرهادي بعد مجموعة من الأعمال الروائية الطويلة، أشهرها "انفصال نادر وسيمين" و"الماضي" و"عن إيلي".

كعادة المخرج الإيراني، أصغر فرهادي،  لا يكف عن دق أجراس الإنذار، ولفت أنظارنا لأزماتنا الإنسانية المتفاقمة عبر أفلامه

يحكي الفيلم قصة بطولية، البائع العجوز الذي يقع فريسة لضعفه وشهواته فينزلق في محاولة للاعتداء على رنا الشابة المتزوجة من عماد زميلها في المسرح، وعماد الذي يضع كل شيء على المحك، قيمه ومبادئه الإنسانية، وعلاقته بزوجته رنا وزواجهما، إلى حياة البائع العجوز وسمعته وأسرته، كل ذلك في سبيل انتقامه من العجوز المتهم بمحاولة الاعتداء هذه، وهو الدور الذي أخذ عنه شهاب حسيني جائزة أفضل ممثل في "كان" العام الماضي، وفاز فرهادي بنفس الجائزة عن أفضل سيناريو، كما فاز الفيلم بجائزة "أوسكار" أفضل فيلم أجنبي لعام 2016 وهي المرة الثانية لأصغر فرهادي بعد فيلم "انفصال" عام 2011.

طهران المدينة المتهالكة وتشاؤمية فرهادي
"هذه المدينة تحتاج لأن تُهدم كاملة وتُبنَى من جديد"

يُلقي عماد نظرة على طهران من أعلى سطح البناية، التي تشهد اختبارًا قاتلًا لساكنها الجديد مخاطبًا صديقه صاحب المنزل في نظرة تشاؤمية عن المدينة التي كانت تحمل شطر جمال العالم وتناقضاته أيضًا. يستهل فرهادي فيلمه بمشهد يمتد لأربع دقائق ونصف تتحرك فيه الكاميرا خلف عماد بطل الفيلم وهو يهرول خارجًا من شقته تحت تأثير صراخ الجيران وصوت آلات الحفر التي تهز البيت من أسفل.

لم نتبين أسباب هروب السكان المفاجئ من البيت طوال تلك الدقائق الأربع اللاهثة، إلا والكاميرا تقف في نهاية ذلك المشهد الافتتاحي على زجاج شقة عماد، حتى تصيبه الشروخ كحزن مكبوت وآلات الحفر تبدو أسفل المنزل كآلة نذير لا تعبأ بصراخ البشر.

اقرأ/ي أيضًا: أوسكار أفضل فيلم أجنبي (1990-2016) لمن ذهبت؟

تنبئ هذه البداية الرمزية الكثيفة بكثير مما يريد فرهادي قوله. الجرّافة التي تنخر في أساس البيت لتهدمه تعبر بشكل كبير عن نظرة فرهادي لواقع المجتمع الإيراني المليء بالتناقضات، التي تنخر في بنائه الاجتماعي وواقعه السياسي، وتلك الشروخ تحكي عن دواخل أبطاله المهشّمة.

يبدأ الفيلم في تلك الأجواء المضطربة آخذة الأنفاس على إيقاع خطوات السكان اللاهثة للخروج من المنزل وهو على وشك الانهيار، ليبدأ بعدها إيقاع الفيلم في الهدوء تدريجيًا، نتابع خلال المشاهد المتتالية تفاصيل من الحياة في طهران المدينة عبر تتبع "عماد ورنا"، وهما زوجان شابان يعملان في مجال الثقافة والمسرح، يبحثان عن منزل جديد لهما، إلى أن يتدخل أحد الأصدقاء "باباك" بتأجيرهم شقة يمتلكها، خلال فترة قصيرة يحاول الزوجان التماهي مع الحياة في المسكن الجديد بين عمل عماد كمدرس لمادة الثقافة للطلاب في المرحلة المتوسطة وعملهما معًا كممثلين في أحد المسارح المحلية، يسعيان مع بعض الأصدقاء لعرض مسرحية "وفاة بائع متجول" للكاتب الأمريكي آرثر ميلر.

تتعرض الزوجة في تلك الشقة لحادثة اعتداء مريبة، ليكتشف بعدها كلا الزوجين أن الساكنة السابقة للشقة بائعة هوى، وأن المتهم في الغالب هو أحد زبائن هذه السيدة التي عاد لزيارتها ليكتشف أنها رحلت وأنه أخطأ الزيارة مُخلّفًا قبل فراره جريمة اعتداء على رنا لتتغير في أعقابها حياة "الزوجين" وتصبح أكثر اضطرابًا، ويعود إيقاع الفيلم في التسارع والاضطراب مجددا مع محاولات عماد للبحث عن الفاعل والانتقام منه.

"البائع" هو الفيلم الأخير لفرهادي، ويعد العمل السادس له بعد مجموعة من الأعمال الروائية الطويلة، أشهرها انفصال والماضي وعن إيلي

تبدو في أفلام فرهادي محاولاته المستمرة لاستعراض التناقضات الإنسانية، نسبية المواقف الأخلاقية، ومدى قدرة الإنسان على الصمود أمام التحديات والاختبارات اليومية. كل ذلك يحدث على خلفية بانورامية للمدينة والمجتمع والسياسة في إيران الحديثة -ولو بشكل أقل في حالة الأخيرة ورمزي أكثر- حيث المدينة المعقدة والمتشابكة بمعمارها وزحامها وزخمها المادي الخانق، (مبتعدة في تكوينها عن المدينة الإيرانية القديمة ذات الخصوصية الجمالية والمعمارية). وتحديات الواقع الإيراني كالتشكك في جدوى أجهزة العدالة والقنوات الرسمية للدولة، والبحث عن حلول فردية خارج المسارات الرسمية أكثر كفاءة وتحقيقًا للعدالة.

تلك المدينة الكبيرة والمعقدة التي تتراجع معها خصوصية الفرد كما في المواصلات العامة، حيث تتقاطع المسارات اليومية للملايين من الأفراد، والاحتكاك بينهم، وما ينتجه من تصادمات حول المساحات الشخصية، خالقة لحالة من التحفُّز الدائم تجاه الآخر. كلها مفردات تتراجع معها اعتبارات وقيم الخصوصية لصالح المراقبة المستمرة الطاغية على كثير من تفاصيل الحياة اليومية، كالمباني المتطاولة الكاشفة لمساحات الآخرين، الرقابة على محتويات الكتب والأفلام من قبل الدولة، والتدخل المجتمعي في تفاصيل الحياة الاجتماعية للأفراد وتحديد المقبول والمرفوض، بما تعكسه من أعباء ضاغطة لحيوات الأفراد، كل ذلك يفسر السوداوية التي يرد بها صديق عماد " باباك" قائلًا بتلقائية تعكس قناعات فرهادي ورؤيته: "لقد هدموها بالفعل وانظر كيف تبدو بعد أن أعادوا بناءها من جديد! ".

اقرأ/ي أيضًا: مهرجان كان.. من يربح السعفة الذهبية؟

الرأسمالية واللايقين في رؤية ميلر وفرهادي
في "وفاة بائع متجول" لميلر، كانت مشكلة "ويلي" البائع العجوز أنه كان يواجه وحشية الثقافة الرأسمالية الأمريكية منفردًا وقد دمرته ضغوط الحياة بمفرداتها المادية وقيمها الزائفة، حيث التنافس الشرس غير العادل في قواعده وولع الكسب السريع وانعدام الأمان الوظيفي، هي أكثر ما كان يحاصره في حياته، فبين الاستغراق في الأنانية وحب الذات من جانب الأبناء وبين قسوة رؤسائه وعجز زوجته عن مساعدته، كان ويلي يهيم في عالمه باحثًا عن الخلاص بما يليق برجل عجوز حطمته ضغوط الحياة العصرية وفشل التدرج في السلم الاجتماعي بعد حياة طويلة، في عالم قائم على القسوة والعنف والتنافس المادي. لكن يتبقي أمر آخر مهم، وهو ضعفه الشخصي أمام المُغريات، كل هذا يؤدي به في النهاية بعد عديد من المحاولات إلى الانتحار.

ضبابية النص الذي قدمه ميلر، لم تنفِ جلاء تلك الإشكاليات الهيكلية التي تعاني منها المنظومة الرأسمالية وما تُخلِفه من اغتراب وضغط، واستمرار الصراع مع الحياة حتى اللحظات الأخيرة من حيوات البشر، في ضوء منافسة اقتصادية واجتماعية محمومة، ليتصاعد معها اللايقين والشك ووهم الإنجاز والتحقق. وبالرغم من أن ميلر قد تعرض بهذه الإشكاليات للمجتمع الأمريكي ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن تلك الإشكاليات الإنسانية والاجتماعية التي أنتجتها الرأسمالية والليبرالية والتحديث قد وجدت طريقها لمجتمعات العالم المختلفة، بما فيها المجتمع الإيراني، والأزمات المرتبطة بها من قلة للفرص الاقتصادية.

تبدو في أفلام فرهادي محاولاته لاستعراض التناقضات الإنسانية، نسبية المواقف الأخلاقية، ومدى قدرة الإنسان على الصمود أمام التحديات

وهو ما تمكن فرهادي من استيعابه وإعادة تقديمه في شخصيات فيلمه، كما يبدو في شخصية ذلك المتهم الكهل والذي برغم تقدمه في السن، إلا أنه ما زال يقاتل في تحدٍ للزمن في سبيل البقاء والحصول على حد الكفاف، ويبقى إنجازه -ربما الوحيد- هو "العائلة والسمعة"، والتي تقف في مهب الريح بعد هذه الأحداث، وكما يبدو أيضًا في ذلك المنزل الذي خسره بطل الفيلم وزوجته في لحظات قليلة دون أدنى تمهيد في بداية الفيلم، وهي جوهر فكرة انعدام الأمان المادي-الاجتماعي التي تعرض لها ميلر في نصه.

لكن فرهادي لا يقف عند استلهام تلك الشخصية فقط من النص المسرحي لميلر بل أعاد تقديم العديد من شخصيات المسرحية في فيلمه بشكل وضعنا أمام ضرورة إعادة قراءة النص المسرحي من جديد، فمن "ويلي" -البائع- والذي قد يتشابه مع المتهم في فقره وعوزه في سن متأخرة وأيضًا ضعفه الشخصي أمام المغريات وخوفه على عائلته وسمعته كأمل أخير للبقاء، إلى "ليندا" زوجته والتي تتلاقى مع شخصية زوجة المتهم في الفيلم ولا تملك في الحياة سوى أبنائها وزوجها، الذي تراه بطلًا وتعتبره كل شيء في الحياة، و"تشارلي" صاحب المال والعمل والذي يستمر في عرض فرص العمل على ويلي والذي يشبه شخصية "باباك" صديق عماد، إلى حد كبير.

اقرأ/ي أيضًا: إيران والخروج من الدور الأول

في مذكرات آرثر ميلر التي كتبها بعد نصف قرن من كتابته لتلك المسرحية البديعة كتب: "إن مسرحيتي الثانية «موت بائع متجول» لا تنتمي أبدًا إلى تقاليد المسرح الواقعي كما يُقال، بل هي مسرحية أتت لتعبر عن توليفة جديدة قاطعة، بين البعدين السيكولوجي والاجتماعي".

وهو بالفعل ما استطاع فرهادي استيعابه وتقديمه في فيلمه الأخير حيث قدم رؤية جديدة للمسرحية في شكل جمع بين ماهو اجتماعي وسيكولوجي بشكل بديع، مبتعدًا بذكاء عن استنساخ النص المسرحي بِحرَفِيَته كما فعلت أعمال أخرى تناولت النص، كذلك ما يتضمنه النص الأصلي لميلر من تكثيف ورمزية وضبابية شديدة كنص مراوغ، يتلاءم مع موجة السينما الواقعية الجديدة التي يتبناها فرهادي والعديد من مخرجي هذه الموجة السينمائية في إيران، والتي تركز على الجانب الرمزي، الحر وغير المباشر في الطرح، بحيث يبتعد عن السرد والنثر التقليدي في الطرح السينمائي، وينحو لاستيعاب صور أخرى من الفنون والثقافة كالشعرية والرمزية التصويرية، والذي يحتمل بدوره الكثير من الأسئلة والرمزية على نحو يمكن صانع الفيلم من إلقاء الإسقاطات التي يريدها والتأكيد عليها، بما تحمل من أسئلة تتعلق بالتناقضات الإنسانية.

الانتقام والعفو وجدلية السؤال الأخلاقي والمجتمعي
"لماذا كان غضبك كالنار تحرق بلا رحمة؟ لماذا كان كبرياؤك أحب إليك من لحمك ودمك؟"
نجيب محفوظ – أولاد حارتنا

يبدو خط الفيلم الأساسي في غاية البساطة، كما يبدو كذلك أيضًا في طرحه السردي لتيمة الانتقام والعفو، ولم يستخدم خطوطًا سردية موازية ومتغيرة إلا أثناء الانتقال بين الأحداث الدرامية للفيلم، ومشاهد مختارة بعناية من المسرحية بحيث تعكس ما لا يظهر جليًا من أحداث الفيلم، إلا أن تلك المعالجة المتميزة تأخذنا لأبعد من ذلك، وتضعنا مباشرة أمام الصراع الذي ينشأ داخل الفرد نتيجة التناقضات الإنسانية والضغوط المجتمعية المصاحبة للانتقام، على نحو ينعكس في النهاية في ضبابية الهدف الذاتي والدوافع والمشاعر الداخلية.

المجتمع يفرض على أفراده ما يجب أن يكون عليه ردة فعلهم تجاه المواقف التي تتورط فيها النساء، وخاصة عندما يكون الشرف على المحك

فغرابة الموقف الذي اتخذه عماد وتعدد التفسيرات التي قد تقدم لموقفه هي ما تحمل في عمقها من جدل إنساني، فقد يرى البعض موقف عماد الذي اتخذه من ضرورة الانتقام من البائع العجوز وفضحه بعد وصوله إليه والإمساك به، مبررًا بدافع حبه لزوجته وغيرته عليها وانتقامًا للأذى الذي تعرضت له، وقد يراه البعض الآخر ردة فعل مبالغ فيها، خاصة بعد تذلل العجوز له وتوسله بعدم فضحه أمام زوجته وابنته، وهما -كما أخبره- كل ما يملك في حياته، لكن مثل تلك الأمور التي يكون المجتمع شريكًا فيها تحمل بداخلها تعقيدًا أكثر مما يحتمله عماد وحده، فهنا يصبح الانتقام ضرورة وضريبة في نفس الآن.

اقرأ/ي أيضًا: الأوسكار.. عام "لالا لاند" غير المتوّج

فالمجتمع يفرض على أفراده ما يجب أن يكون عليه ردة فعلهم تجاه مثل هذه المواقف التي تتورط فيها النساء، وخاصة عندما يكون الشرف على المحك، وهي القيم التقليدية التي يدركها كلا الزوجين، وإن راوغ كل منهما واحتال على فهمها، الزوجة التي ترفض أن يصبح الاعتداء الذي تعرضت له محل نقاش في العلن، الهروب من الجيران الذين وجدوها عارية ملطخة بالدماء، واضطراب ذكرياتها عن الحادثة ورغبتها في أن تبقي الحادثة طي الكتمان وعدم إبلاغ الشرطة، لعدم رغبتها في استرجاع التفاصيل أمام الغير، وهي التي تلوم على زوجها لاحقًا سعيه للانتقام إرضاءً للمجتمع على نحو يفوق اهتمامه بما واجهته هي نفسها في هذه الحادثة.

لكن شخصية عماد مركبة في بُعدها الإنساني ومتناقضة إلى حد يحمل تعقيدًا أكثر مما يبدو عليه في ظاهره، فنحن نرى عماد وهو يؤدي دور البائع المتجول طوال الفيلم، ويعايش معاناته وصراعاته الداخلية ويرى عجزه بشكل لا يلمسه أحد غيره لكنه لا يستطيع رؤية شيء حتى في أشد لحظات ضعف البائع العجوز وتوسله أبعد من حدود نزعته الداخلية للانتقام.

هنا تكمن إشكالية المثقف/الفنان المتناقض في قناعاته وأفعاله، والتي طرحها أكثر من مخرج في أفلام كان آخرهم وودي آلن في "رجل غير عقلاني".

فبين أن عماد لم يلتفت لاتهام إحدى السيدات له بالمواصلات ضمنيًا بالتحرش بل أبدى الكثير من التسامح والتفهم أمام انزعاج أحد طلابه من الأمر وعتابه له ملتمسًا لها العذر، وبين أنه لم يستطع تجاوز شيء كهذا برغم طلب زوجته منه وإلحاحها عليه بالعفو عن العجوز المتهم، وخاصة بعد تطور الأمر إلى حد بعيد متجاوزًا بذلك الكثير من الاعتبارات الإنسانية التي قد تقف حائلًا أمام سعيه الانتقامي، إلا أن المسكوت عنه في تلك الحادثة يضعه أمام السؤال الأصعب، كيف يواجههم جميعًا إن لم يتصرف كرجل مسؤول؟ وهو ما يضعه أمام ضرورة المضي في هذا الانتقام لتأكيد سلوكه القويم، ومحو أي وصم أو رابطة محتملة مع المستأجرة السابقة ونمط حياتها، والذي تغاضى عنه صديقه صاحب الشقة قبلًا.

إن الحياة الحديثة صارت محفوفة بالمخاطر يحياها المرء في حالة من اللايقين الدائم

كلها أوضاع تتراجع معها اعتبارات العاطفة لصالح اعتبارات الكرامة والمكانة الاجتماعية، والأدوار الاجتماعية المحددة سلفًا للرجل والمرأة، وغيرها من اعتبارات الذكورة والرجولة. (والتي تتجاوز الكثير من القيم الإنسانية في سبيل تحققها)، يبدو ذلك التناقض المستمر الذي يعتمر كل هؤلاء في أوضح حالته عندما تبدو لنا تلك الاعتبارات الاجتماعية كعامل موحد للجميع، يستوي فيها المحافظون والمتدينون من الفقراء، والفنانين والمثقفين، والذين يبقون في دواخلهم محافظين وتقليديين غير قادرين على تجاوز قيم المجتمع وضغوطه، وعلى نحو يعكس عمق مسألة خصوصية الجسد في الثقافة الشرقية المحافظة.

يبرز التناقض أيضًا في غضب عماد الكامن لزميله في العمل بالرغم من مساعدتهم في توفير تلك الشقة، ولومه واحتقاره على قبوله للمستأجرة السابقة دون غضاضة، وتوريطه في تلك الشقة دون مراعاة لقيمه وسلوكه، وتوجيه الإهانة له على نحو مبطن أثناء العرض المسرحي. الرموز التي يقدرها الأفراد عندما تُبين الأحداث أنهم بشر عاديون يمتلكون ذلاتهم وخطاياهم، ويسعون للحفاظ على احترامهم أمام المقربين منهم، وإن بقي لبعضهم مساحات خاصة في الظلام يعيشون فيها كما يحلو لهم، وقد يتجاوزون خلالها في حق الآخرين. المسؤولية الأخلاقية والضمير وصعوبة الاختيار بين هدم تلك الرموز التي اعتادها الآخرون، وتحطم حيواتهم الآمنة تبعًا لذلك، كما كان في حالة فضح المتهم العجوز الفقير أمام أسرته وأبنائه، وبين المضي في تحقيق ما تراه صوابًا، واستعادة لحقك المهضوم.

اقرأ/ي أيضًا: عباس كيارستامي.. انطفاء شاعر الكاميرا

الإنسان والعودة للوراء.. أو كيف يتحول الإنسان إلى بقرة؟
في بداية الفيلم يسأل طالب المدرس عماد مستغربًا موضوع الرواية (مشيعو بايال)*، التي فُرضت عليهم كمقرر دراسي وهي رواية تحكي عن رجل يحب بقرته بشدة، وبعد موتها دون علمه يصيبه الجنون أثناء بحثه عنها ويقتنع مع الوقت أنه صار البقرة نفسها، "أستاذ كيف نتحول إلى بقرة؟" يسأله الطالب.

تبدو أن فكرة الفيلم الرئيسية تدور بشكل أكبر في محاولات فرهادي للرد على ذلك التساؤل، كيف نتخلى عن إنسانيتنا؟ أو كيف تقودنا الحداثة إلى عصور الظلام؟ فالاغتراب وفقدان المعنى والقيمة، أصابت كثيرًا من المهن والوظائف في الحياة المعاصرة، والذوبان في عملية التكرار الآلي في أدائها قادر على تنحية الجانب القيمي لها وتجريدها منه، وما تتضمنه من روح لابد أن تكون ملازمة لمثل هذه المهن، لتُسيطر عليك البنى الاجتماعية والمهنية وفقط، وتصبح جزءًا من الآلة الكبرى الجهنمية تُعيد تكرار ما تم، في بطء غير محسوس، تظن أنك سيد قرارك واختياراتك لكن الواقع وعند لحظات الاختبار الحقيقة تتيقن من خداع تلك الفرضية، وهو السؤال الذي أجابه البطل بامتياز في بداية الأحداث عندما سأله الطالب "كيف يتحول الإنسان إلى بقرة؟"، فكان جوابه "بالتدريج"، وعجز هو عن إدراك هذا التحول الذاتي في النهاية والتشيؤ الذي حدث له مع الوقت.

ما تفعله السينما الإيرانية الحديثة وما عودنا عليه كياروستامي ومجيدي وبناهي وغيرهم، هي أنها تجعلُنا نُفكر كثيرًا في النفس البشرية

كما يدور في أحد سياقاته الداخلية حول ما يفترض المجتمع أنه عدالة وصوابًا يستوجب الفعل، وليس عن الحقيقة أو ما تظنه أنت أو ما ترغب في التغاضي عنه، وكذلك في تبادل الأدوار والقناعات المستمر في الحياة بين الأفراد وبعضهم البعض، والتي عكست المعالجة السينمائية التطور والتصاعد في الانفعالات والمشاعر التي مرت بها الشخصيات المختلفة، وكذلك العلاقات العائلية والزوجية التي تتأثر بالمجتمع والحوادث الفارقة، كما بدا في تشكك البطل "عماد" في قدرة زوجته المضطربة على إدارة الأمور من حولها في العمل والمنزل، وتشكك رنا في قدرتهما كزوجين على مواصلة الحياة معًا بعد ما حدث، كذلك طور العصبية الذي مر به البطل "عماد"، وضيقه ذرعًا بتحوله لمصدر انتهاك وسخرية من جميع المحيطين به، كما كان الحال في حالة الرجل المتسلل لمنزله، والسيدة في التاكسي، وأخيرًا تلاميذه.

ما تفعله بنا السينما الإيرانية الحديثة وما عودنا عليه مخرجوها من كياروستامي ومجيدي وبناهي وغيرهم، هي أنها تجعلُنا نُفكر كثيرًا في النفس البشرية، تجعلنا نبحث في واقع الإنسان ومصيره خلف ركامات الحياة المادية وعفن المجتمعات الحديثة وانسحاق الأفراد بين مفردات الحداثة كما كتب باومان يومًا: "إن الحياة الحديثة صارت محفوفة بالمخاطر يحياها المرء في حالة من اللايقين الدائم"، ذلك اللايقين الذي ندركه دومًا من شخصيات فرهادي في حكاياته دون زيف أو اصطناع.

*رواية "مشيعو بايال" بقلم غ. الساعدي، تحكي عن رجل يعشق بقرته الأليفة وعندما تنفق دون علمه، يخفي عليه أهل البلدة موتها، يحدث بعدها أن ينزلق "حسن" بطل الحكاية إلى الجنون في بحثه عنها فيعتقد أنه تحول إلى بقرة، وتحولت إلى فيلم عام 1969 على يد المخرج داريوش مهرجوي، وكانت من أوائل الأفلام التي لفتت الأنظار إلى السينما الإيرانية الحديثة.

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم "Divines".. شغف ما في مكان مسكوت عنه

سينما هيتشكوك.. التأسيس لتشويق مبتكر