الإمبراطورية تُدار بعقل مقاول.. عام "الترامبية" الذي فكّك العالم
21 يناير 2026
شكّلت عودة دونالد ترامب للمرة الثانية إلى الحكم في البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير 2025 محطةً مفصلية في مسار السياسة الأميركية، ونقطة تحوّل محورية في العلاقات الخارجية، حيث دخل النظام الدولي مرحلةً جديدة من الديناميكات في سياق واقع دولي مأزوم، من الحرب الروسية–الأوكرانية، إلى تصاعد التنافس الصيني–الأميركي، وتراجع الثقة بالمؤسسات الدولية، بالإضافة إلى الأزمات الاقتصادية والمناخية العابرة للحدود.
وتُعدّ شخصية ترامب المثيرة للجدل إحدى أبرز التحديات، باعتباره حاملًا لمشروع سياسي يسعى إلى إعادة تعريف دور الولايات المتحدة في العالم. وضمن هذا المشهد، برزت "الترامبية" ليس فقط كنهج سياسي، بل تعبيرًا عن تحوّل أعمق في بنية النظام الدولي نفسه، حتى ولو جاء ذلك على حساب التحالفات التقليدية والقواعد القانونية الدولية التي تشكّلت بعد الحرب العالمية الثانية.
الملامح العامة لسياسة ترامب في العام 2025
اتسمت سياسة ترامب في 2025 بعدد من الملامح والسمات البنيوية الواضحة، أبرزها:
الشخصنة وإعادة هندسة السلطة التنفيذية:
عمل ترامب منذ وصوله إلى تقليص نفوذ المؤسسات البيروقراطية وأجهزة الاستخبارات ووزارتي الخارجية والعدل، في مقابل توسيع صلاحيات الرئاسة تحت شعار "الرئيس المنتخب فوق البيروقراطية"، حيث تراجعت الأطر المؤسسية لصالح قرارات رئاسية مباشرة، ما عزّز مركزية السلطة التنفيذية وأضعف دور المؤسسات الرقابية.
برزت "الترامبية" ليس فقط كنهج سياسي، بل تعبيرًا عن تحوّل أعمق في بنية النظام الدولي نفسه، حتى ولو جاء ذلك على حساب التحالفات التقليدية والقواعد القانونية الدولية التي تشكّلت بعد الحرب العالمية الثانية
الحمائية الاقتصادية:
أُعيد إحياء شعار "أميركا أولًا" ولكن بصيغة شعبوية قومية أكثر حدّة، تقوم على تصوير الخارج كمصدر تهديد دائم للازدهار الأميركي، عبر توسيع سياسات الرسوم الجمركية، وعدم الالتزام باتفاقيات التجارة متعددة الأطراف أو تقويضها، واستخدام الاقتصاد سلاحًا سياسيًا في مواجهة الخصوم والحلفاء على حدّ سواء، ما انعكس توترًا بين الشركاء التجاريين وارتفاعًا في كلفة الاستيراد عالميًا.
السياسة الخارجية الأميركية وإدارة الأزمات
انتهجت إدارة ترامب في العام 2025 سياسة إدارة الأزمات من موقع القوة بدل حل النزاعات، إذ ينظر ترامب إلى العلاقات الدولية بمنطق الصفقات العقارية والاقتصادية لا بمفهوم السيادة. وكشفت تقارير إعلامية أميركية عن تحوّل في أولويات الرئيس ترامب، مع اتساع نطاق اهتمامه الجيوسياسي ليشمل كندا والقطب الشمالي، وتحديدًا غرينلاند، في إطار مواجهة تنامي النفوذ الروسي ومنع التمدد الصيني، وتعزيز الأمن القومي في القطب الشمالي. ويُعدّ ذلك مدخلًا توسعيًا، حيث ترى الإدارة الأميركية أن المنطقة باتت تمثل ساحةً استراتيجية مركزية في ميزان القوى العالمي. لذا برزت تحوّلات مفصلية في مسار السياسات "الترامبية" على عدة أصعدة:
على صعيد الحلفاء التقليديين وحلف "الناتو":
تعاملت إدارة ترامب مع الاتحاد الأوروبي كمنافس اقتصادي، ومع حلف "الناتو" كعبء لا كتحالف استراتيجي، وكأنهما أدوات نفوذ مشروطة، ما أدى إلى تآكل الثقة المتبادلة، لا سيما بعد فرض رسوم جمركية بنسبة 10% على صادرات عدد من الدول الأوروبية الحليفة (فرنسا، ألمانيا، الدنمارك، السويد، فنلندا، بريطانيا، النرويج، هولندا...) ابتداءً من 1 شباط/فبراير 2026، مع التهديد برفعها إلى 25% في الأول من حزيران/يونيو القادم، إلى حين التوصل إلى اتفاق لشراء غرينلاند من الدنمارك. وباتت غرينلاند ساحة مساومة ومقايضة، وصرّح ترامب بأن "على أوروبا التركيز على أوكرانيا وليس غرينلاند"، ما دفع الأوروبيين إلى اعتبار أن واشنطن لم تعد حليفًا موثوقًا.
وبالتالي، تشكّل غرينلاند مدخلًا توسعيًا، إذ تكمن رغبة ترامب في ضم كندا إلى أميركا لتصبح الولاية الـ51، معتبرًا أن الحدود الشمالية تمثل "ثغرة أمنية" تسمح لروسيا والصين بتعزيز وجودهما. ويسعى إلى تأمين هذه المنطقة الاستراتيجية عبر ضمها وضم غرينلاند، بهدف الوصول إلى الموارد، مثل المعادن النادرة والمياه والنفط.
على صعيد الشرق الأوسط:
استمرت سياسة الدعم غير المشروط لإسرائيل، خاصة في الحرب الأخيرة على غزة، والسعي لامتلاك غزة عبر ما سُمّي بـ"مجلس السلام" الذي يترأسه ترامب وكأنه مجلس استثمار. أما بالنسبة لإيران، فقد اعتمدت واشنطن مقاربة الردع والضغط الاقتصادي المكثف، وصولًا إلى توجيه ضربة عسكرية دقيقة ومحددة طالت بعض المفاعلات النووية، في سياق "حرب 12 يومًا" مع إسرائيل. واليوم، تدعم الولايات المتحدة المتظاهرين في إيران لتغيير النظام والسيطرة على مؤسسات الدولة، سعيًا إلى إيجاد "نظام صديق" يمنحها نفوذًا أكبر وسيطرة أوسع.
استندت رؤية إدارة ترامب في ولايته الثانية إلى مبدأ "السلام من خلال القوة"، عبر وقف اندلاع الحروب وإحلال السلام في أوروبا والشرق الأوسط، وتحصين أميركا من أي هجمات معادية. وكان اتفاق شرم الشيخ لوقف حرب غزة تتويجًا لهذه الاستراتيجية الأميركية، واعتُبر حجر زاوية وبوابة لإعادة هندسة الشرق الأوسط الجديد، واستكمالًا "لاتفاقيات أبراهام". وبعد أسابيع، أُعلن عن انضمام كازاخستان إلى اتفاقيات أبراهام، في خطوة استراتيجية تضع أستانا في قلب حلف متعدد الأطراف، يربط بين مصالح اقتصادية وأمنية وسياسية، ويمنح الاتفاقيات بعدًا جيوسياسيًا جديدًا يفتح الباب أمام توسعها نحو آسيا الوسطى وربما مناطق أخرى لاحقًا.
على صعيد الصين وروسيا:
لطالما اعتبرت الولايات المتحدة أن الصين وروسيا تشكّلان خطرًا استراتيجيًا على أمنها القومي، لذا سعت إلى تطويق الصين جيوسياسيًا من غرينلاند إلى بحر الصين الجنوبي، وتصعيد الحرب التجارية مع بكين، خاصة في ملف أشباه الموصلات والمعادن النادرة، ما يسهم في تسريع تشكيل نظام دولي متعدد الأقطاب، ويؤدي إلى تآكل مركزية الدولار تدريجيًا لصالح سلة من العملات أو عملة جديدة قد تظهر لاحقًا، تمهيدًا لنظام مالي انتقالي جديد.
أما بالنسبة لروسيا، فقد لجأ ترامب إلى اعتماد تسوية استراتيجية شاملة، وسعى إلى إبرام اتفاق بين روسيا وأوكرانيا لإيقاف الحرب، كما نظر إلى دعوته الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للانضمام إلى مجلس السلام في غزة من منظور براغماتي.
الاستراتيجية العسكرية الأميركية في عهد ترامب (2025–2029)
صاغت إدارة الرئيس ترامب (2025–2029) سياسة دفاعية مركّزة على "الوطن أولًا"، مع استمرار التأكيد على التهديد الروسي والصيني. وفي ما يخص سياستها تجاه الشرق الأوسط، فهي تقوم على نهج براغماتي أمني–اقتصادي–جيوسياسي، يركّز على:
- تقليص الوجود العسكري المباشر مع الإبقاء على قواعد استراتيجية محدودة.
- تحميل الحلفاء المحليين مسؤولية الأمن الإقليمي وتمويل العمليات الدفاعية.
- تركيز الجهد على ردع إيران وضبط نفوذها دون التورط في حرب شاملة.
- تعزيز التحالف مع إسرائيل وتوسيع "اتفاقيات أبراهام" مع دول عربية جديدة.
- الانخراط الانتقائي في أزمات المنطقة فقط إذا مست المصالح الأميركية أو أمن الطاقة.
- أولوية الاستقرار الاقتصادي والطاقة على حساب الإصلاحات السياسية أو الديمقراطية.
وبالتالي، تقوم الاستراتيجية العسكرية الأميركية الجديدة في شن الحروب على أسلوب يهدف إلى الانتصار السريع بأقل قدر ممكن من الخسائر، معتمدًا على قوة جوية هائلة ودقيقة التوجيه، إلى جانب السرعة والمناورة والمرونة والمفاجأة والقدرة العالية على إصابة الأهداف (كما حصل في فنزويلا باعتقال الرئيس مادورو). كما تعتمد هذه الاستراتيجية على القوات الخاصة والحرب النفسية، والاستفادة القصوى من تكنولوجيا المعلومات والفضاء لتعزيز فاعلية القيادة والسيطرة والاتصالات.
وبعبارة أخرى، اعتمد ترامب سياسة "القوة الذكية منخفضة الكلفة" في الشرق الأوسط، عبر ضبط النفوذ الإيراني وبرنامجه النووي، وتقليل الأعباء الأميركية المباشرة لدعم الحلفاء. ووفق بيانات "غلوبال فاير باور"، تصدّرت الولايات المتحدة قائمة الدول الأعلى إنفاقًا على الدفاع لعام 2025، بميزانية بلغت 895 مليار دولار، متفوقةً بفارق كبير على بقية الدول.
تأثيرها على القانون الدولي وعمل المؤسسات الدولية
أحدثت السياسة "الترامبية" في 2025 تصدعات عميقة في منظومة القانون الدولي، أبرزها:
- تآكل مبدأ الالتزام بالاتفاقيات الدولية، عبر الانسحاب أو تجميد الالتزامات القانونية، سواء البيئية أو التجارية أو الحقوقية، مع أولوية مطلقة للتشريع والسيادة الوطنية.
- تسييس العقوبات الاقتصادية، عبر استخدام الرسوم أداةً سياسية خارج إطار القانون الدولي، ما أضعف شرعية النظام الدولي.
- إضعاف المؤسسات الدولية، من خلال الانسحاب من 66 منظمة دولية، وتقليص التمويل، وتهميش دور الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية.
يتضح أن الغطرسة الأميركية تنطلق من منطق القوة والنفوذ لا من حكم القانون الدولي، في مقولة مفادها أن "القوة تصنع الشرعية". ويعيد هذا التحول العالم إلى ما قبل قيام الأمم المتحدة، ما يؤدي على المدى الطويل إلى تآكل الشرعية القانونية وتفكيك المنظمات الدولية.
شكّلت سياسة ترامب خلال عام واحد محطة مفصلية في التاريخ الأميركي الحديث، إذ كشفت عن تحوّل بنيوي في علاقة الولايات المتحدة بالنظام الدولي
استشراف مستقبل السياسة "الترامبية" وتداعياتها على خارطة النظام العالمي
استمرار الترامبية كنهج سياسي للهيمنة والنفوذ يطرح عدة تحولات على خارطة النظام العالمي، أبرزها:
السيناريو الأول – نظام دولي متعدد الأقطاب: تدفع السياسة "الترامبية" نحو تسريع التوجه إلى نظام متعدد الأقطاب بفعل تآكل الثقة بالتزاماتها الدولية وكسر جميع القواعد والأنظمة والقوانين الرادعة الدولية، مما يعزز دور دول "بريكس"، وأبرزها الصين، التي تسعى لبلورة سياسة بديلة عن السياسة الأميركية.
السيناريو الثاني – هيمنة أميركية أحادية: اعتماد نهج السياسة "الترامبية" الحالية قد يدفع إلى إعادة تعريف العولمة من نموذج ليبرالي مفتوح إلى عولمة مجزأة قائمة على الكتل الجيوسياسية، وسباق تسلح اقتصادي وتكنولوجي، عبر إعادة تشكيل السياسات الخارجية والداخلية.
سياسة ترامب وتفكك النظام العالمي
شكّلت سياسة ترامب خلال عام واحد محطة مفصلية في التاريخ الأميركي الحديث، إذ كشفت عن تحوّل بنيوي في علاقة الولايات المتحدة بالنظام الدولي. فقد أسهمت هذه السياسة في إضعاف القانون الدولي وضرب النظام الذي أسسته واشنطن نفسها منذ عقود، من خلال تقويض العمل المؤسسي وتسريع تفكك النظام الليبرالي العالمي.
ويتجلّى التناقض المركزي في السياسة "الترامبية" في السعي إلى تقليص التزامات أميركا الدولية مقابل توسيع طموحها في فرض السيطرة بالقوة.
وفي المقابل، فتحت هذه التحولات المجال أمام عالم أكثر تعددية، لكنه في الوقت ذاته أكثر هشاشة وصدامية. وعليه، فإن التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة لا يكمن في صعود "الترامبية" بحد ذاتها، بقدر ما يتمثل في قدرة النظام الدولي على إعادة إنتاج قواعد جديدة تمنع الانهيار الشامل للقانون الدولي ومنظومة الردع، دون الانزلاق إلى فوضى شاملة قد تغيّر ملامح العالم.