الإعلانات مرة أخرى

الإعلانات مرة أخرى

محمد صبرة/ مصر

هناك جملة أثيرة لدى رجال الدعاية والإعلان تقول إنه "لا وجود للواقع، بل نحن من يصنعه"، والخطاب الإعلاني يعتمد على الصورة بشكل كبير لما لها من قوة تأثيرية على المتلقي. وبما أن الغاية من الإعلان هي إقناع المستهلك وحثه على الإقبال على السلعة أو الخدمة المعروضة، فإننا نلمس تطورًا وتنافسًا كبيرين على مستوى الدعاية والترويج من أجل الوصول إلى إقناع المتلقي وتحقيق أكبر قدر ممكن من المبيعات. 

الصورة بدلالتها المتعددة كافية لتنظم للمتلقي مسارًا محددًا لكي يتوصل إلى معنى أحادي الدلالة

وفي هذا الصدد يمكن القول إن الصورة بدلالتها المتعددة كافية لتسمح للمتلقي أن يفكر بحرية في قراءة الخطاب الإعلاني، لكنها أيضًا كافية لتنظم لهذا المتلقي مسارًا محددًا لكي يتوصل إلى معنى أحادي الدلالة. بهذا فإن القوة البلاغية للصورة تكمن في كونها تتيح للمتلقي الحرية في التوصل إلى المعنى الذي يسعى الإعلان إلى إيصاله، وتبقى الصورة موجهًا لهذا المتلقي لإقناعه بالإقبال على المنتج. ولما كان الإعلان يعتمد على السرعة والدقة والإيجاز في الأداء، فإن المتلقي يصاب بنوع من الدهشة للوهلة الأولى، ثم يحاول أن يفهم أبعاد ومرامي هذا الذي يراه فيُلقي في الصورة الإعلانية بنفسه وتاريخه وأحلامه، وهذا هو مكمن إقناع وتأثير أي صورة إعلانية.

اقرأ/ي أيضًا: نم على بطنك.. أنت من "عبيد إحساناتهم"!

إلى جانب الصورة هناك الرأي أو وجهة النظر في سياق الإعلان نفسه، وهو يلعب دورًا بالغ الأهمية في الإقناع من حيث هو خليط من التمثلات والمعتقدات والقيم التي يبلورها الفرد لكي يتحدد من خلالها باعتباره كينونة مستقلة. من هنا يعتبر الإعلان مضمونًا بصريًا ولسانيًا يحمل واقعة إبلاغية، تمت بلورتها داخل إطار تتداخل فيه عوامل متنوعة منها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والنفسي.. إلخ. ومن هنا فإن كل تمثيل يتم في سياق الإعلان -أيا كانت أدواته- هو تأويل، من خلال ما يظهره وما يخفيه، ومن خلال تقطيع الزمان والمكان ورصد العلاقات بين الكائنات والأشياء. 

وهذا ما يجعل من المعنى المستخلص من الإعلان حدثًا ثقافيًا، كيانًا ممتدًا في ذاته، ولا يمكن إدراكه كله إلا من خلال تجسّده في سلسلة من الأحداث التي تكشف عن جوهر تجلياتها. والتفكير بالصورة الإعلانية عادة يتجاوز الواقع المدرك المباشر إلى استدعاء المتلقي لماضيه -أو لاوعيه أو طموحه- ومعايشته كما لو كان يحدث هنا والآن. عملية التحويل هذه للمعنى إلى حدث ثقافي هي وسيلة الإعلان للوصول إلى مستهلكيه المحتملين، والصورة بهذا المنظور تتمكن من إقناع المتلقي والتأثير فيه من خلال مخاطبة اشتهاءاته ورغباته بعد صياغتها في قالب جذاب يتم مع الترويج لمنتج معين يمكّن المستهلك أن يحقق ما يريده وأن يتصالح مع ماضيه، أو لاوعيه أو اشتهائه، من جهة، وأن ينفض عن كاهله مشقات الحاضر ويسافر بعيدًا في المستقبل وما ينتظره من أشياء جميلة، من جهة أخرى.

حسنًا، ولكن ماذا عن الإعلانات التلفزيونية التي تلاحقنا الآن وتحتل الجزء الأكبر من زمن البث الفضائي؟ هل من الضروري القول إنها تحتاج إلى حزم وضبط؟ أعتقد أن هذا أصبح باديًا للجميع على اختلاف أسباب كل واحد منهم. ولكن التذكير من وقت لآخر بما هو لازم وعاجل يمكن أن يضع أيدينا على بعض النقاط للنظر والتفكير بشأنها، والحديث هنا مقتصر على الإعلانات المصرية أو التي تذاع على قنوات مصرية.

منذ سنوات عوّدتنا الشاشات التلفزيونية على التعامل مع شهر رمضان كموسم للاستهلاك

منذ سنوات عوّدتنا الشاشات التلفزيونية على التعامل مع شهر رمضان كموسم للاستهلاك، استهلاك متلاحق ومتسارع لكل شيء تقريبًا بدءًا من الطعام وحتى الصور. يقوم على بناء هذا النمط الاستهلاكي مجموعة من شركات الدعاية والإعلان التي تعهد إليها الشركات والمؤسسات بمهمة الترويج لمنتجاتها وخدماتها أو كان ما تريد الترويج له، ثم تقوم شركات الدعاية بعرض بعض الأفكار وانتقاء إحداها لتنفيذها بعد موافقة المُعلِن، ثم ها هو الإعلان يولد كائنًا جديدًا في الدنيا ويريد أن يظهر على الناس، فتكون مرحلة الإشهار عبر وسائل الإعلام المختلفة ويأخذ الإعلان طريقه إليها، وفي الصدارة منها شاشات التلفزيون.

اقرأ/ي أيضًا: عراق ما بعد داعش

هذا التتابع البديهي لدورة المنتج وإعلانه يجب ذكره قبل الحديث عن فوضى الإعلانات التي تداهمنا مع كل رمضان. يأتي شهر رمضان وكأن معه كلمة سحرية تفك الإعلانات من أسرها، لتخرج كي تسيطر على العالم. ربما تحاول كمشاهد طلب المساعدة من الدولة فتجدها غائبة عن المشهد وقد أطلقت يد الشركات لاحتلال الشاشات وبسط نفوذها داخل البيوت، وربما تحاول -بحسن نية ساذجة- طلب المساعدة من القناة نفسها التي تحتلها الإعلانات فتدرك أنك تحاربها في "أكل عيشها"، وربما أسعفتك البديهة بطلب العون من "الريموت كنترول" الذي تمسكه في يدك ليأخذك إلى قناة أخرى، فترتطم عيناك بإعلان ما، ولا تدع اليأس يفت من إصرارك فتغيّر القناة لتجد إعلانا آخر، وهكذا، حتى تبدو الشاشات كأنها مفخخة بإعلانات لن تتركك سليما أبدًا.

الأكثر استفزازًا هي إعلانات الوحدات العقارية الفاخرة في بلد أكثر من 40% من سكانه تحت خط الفقر 

إن ما تقوم به ميليشيا الإعلانات من قنوات وشركات وأفراد، معلنين ومنتجين ومسوقين ومروجين، من احتلال الشاشات لأطول وقت ممكن، وحشو تلك المدة برسائل سلبية واستهزائية تعبث بالسلام الأهلي والاجتماعي من دون مواربة ولا بادرة مراجعة، هو منطق فاسد ومرفوض. أما فساده فسببه غياب كبير للرقابة على الإعلانات المذاعة، وعلى مُددها الطويلة جدًا. 

ليس مقصودًا بذلك الدعوة إلى ما يروجه حاملو مشاعل الفضيلة المجتمعية وحماية الحياء العام من الخدش من مصادرة الحريات ورقابة على التعبير، أو اجتزاء مكاسب رجال الإعلان وأصحاب القنوات من رجال الأعمال، ولكن غاية القصد هو أن يتم الأمر وفقًا للقاعدة البلاغية التي تقول "مراعاة الكلام لمقتضى الحال" فليس معقولاً أن يجد أطفال ومراهقو أسرة مصرية، أو أيا كانت هويتهم وجنسيتهم، لم يتأسسوا بعد جنسيًا ولا اجتماعيًا، أنفسهم أمام إعلانات تقوم بالكامل على استعارات جنسية أو إيماءات ذكورية أو دعاوى تنميطية للآخرين أو خطابات طبقية لا تراعي بقية أفراد المجتمع.

وأما مبعث الرفض لمنطق هذه الإعلانات فهو أنها تروّج، قبل كل شيء، فكرة غير صحيحة عن المجتمع المصري كمجتمع استهلاكي لأنواع سلع ومنتجات غالبًا ما تكون كمالية وغير ضرورية. هذا المجتمع الذي تُظهره الإعلانات مجتمع مريض وغير حقيقي. ولكن الأكثر استفزازًا هي إعلانات الوحدات العقارية الفاخرة في بلد أكثر من 40% من سكانه تحت خط الفقر ويبحثون عن أربع جدران وسقف. 

اقرأ/ي أيضًا: حادثة أورلاندو ودعاية مكافحة الإرهاب المسلم

لا يزال السباق الإعلاني الرمضاني مستمرًا في تحويل كل شيء إلى أرقام وسلع، ولا يزال مستمرًا في زيادة سرعة الانحدار 

يتصادف أن تسبق -أو تأتي بعد- تلك الإعلانات إعلانات الشحاذة أو التبرعات والأعمال الخيرية التي تكثر في رمضان، فيقف المتفرج على حالة من التناقض الفاجر والسافل، وربما يجد ممثلاً أو مغنيًا في كلا الإعلانين فينتحر المنطق.

بعد حملة جماهيرية شديدة الهجوم على إعلانات الاستعارات الجنسية، قام جهاز حماية المستهلك بإصدار قرار بمنع بثها ولكن الشركات والقنوات تحايلت على القرار وقامت بحذف الأجزاء التي أثارت "الرأي العام" وظلت تذاع على القنوات بصورتها الجديدة، وبالطبع لا تزال موجودة على الإنترنت بصورتها الأصلية. أما تلك الإعلانات شديدة البجاحة، إعلانات الفيلات والمنتجعات الفاخرة، فلم يمسسها سوء ولا تزال تُبث على القنوات.

الأمر مريب ولكنه ليس غامضًا، فالمال هو الذي يتحدث الآن في وقت تمر صناعة الإعلام المصري بأزمة اقتصادية ولذا يبدو مفهومًا هذا الاستمساك بالإعلانات وما تحمله من خروقات وتجاوزات. وبما أننا لا نزال في منتصف الشهر الكريم، فلا يزال السباق الإعلاني الرمضاني مستمرًا في تحويل كل شيء إلى أرقام وسلع، ولا يزال مستمرًا في تدمير المنطق وزيادة سرعة الانحدار نحو هوة مجتمعية ليست الإعلانات سوى قمة جبلها الجليدي المتطاول.

اقرأ/ي أيضًا:

عن المطران الغائب يوحنا إبراهيم

لا أحد سينسى "الداندو"