الإعلام.. جندي لصالح

الإعلام.. جندي لصالح "إسرائيل"؟

للإعلام قدرة هائلة أحيانًا على تزييف الحقائق(أحمد الغرابلي/أ.ف.ب)

كلما كانت القضية الفلسطينية مدار حوارنا، ترانا نتوجس خيفة، فنرتاب ونتردد في انتقاء مصطلحاتنا المناسبة. وإن أردت أن تستخلص موقف أي وسيلة إعلامية من القضية الفلسطينية فراقب مفرداتها، إذ تعرف المصطلحات حربًا ضروسًا لا غلبة فيها إلا لمن يمسك بمقاليد الإعلام بل أصبحت وسائل إعلامية عربية تستخدم بعض المصطلحات المطبعة، عن قصد أو غير قصد، في خطها التحريري، فطالها ذراع الجلاد وضرب بالسوط ألسنتها وغيّب عقولها ليجعلها تحرّف الحقائق وتشوّه تاريخنا.

لقد بدأت حرب المصطلحات في الإعلام إثر زيارة هنري كاسنجر إلى المنطقة العربية بعد حرب 1973 فاستخدم حينها مصطلح "عملية السلام" في الشرق الأوسط لأوّل مرّة ثم تتالت التحريفات لخدمة التوجهات الإعلامية الإسرائيلية. ويمكننا عرض أبرز المصطلحات التي تتواتر في مختلف الوسائل الإعلامية حتى أضحت مألوفة مثل "الفلسطينيون" عوض الشعب الفلسطيني لحصر وجودهم في أقلية قومية تبحث عن حقوقها  و"إسرائيل" التي كان يعبر عنها في السابق بالكيان الصهيوني ثم تغير ذلك إثر اتفاقية أوسلو سنة 1993، و"أرض الميعاد" وهو مصطلح توراتي ولم يمنح اليهود تحديدًا جغرافيًا رسميًا لحدود هذه الارض، و"حائط المبكى" وهو في الأصل حائط البراق، و"جبل الهيكل" وهو جبل بيت المقدس و"قدس الأقداس" دلالة على صخرة بيت المقدس و"عرب إسرائيل" وهي عبارة، في نظري، تطلق لتمزيق وحدة الشعب الفلسطيني. و"الجدار العازل"  هو في الواقع جدار الفصل العنصري.

لقد بدأت حرب المصطلحات في الإعلام إثر زيارة هنري كاسنجر إلى المنطقة العربية بعد حرب 1973 فاستخدم حينها مصطلح "عملية السلام" في الشرق الأوسط

إضافة إلى ذلك، ثمة نية لطمس أسماء المدن بترجمتها إلى العبرية مثل استعمال "أورشاليم" عوض القدس و"عكو" عوض عكا. وتستخدم وسائل الإعلام صيغ المبني للمجهول لإخفاء هوية المجرم كأن تقول مثلًا: "قٌتل فلسطيني إثر الردّ الإسرائيلي على عملية نفذها مخربون مسلحون فلسطينيون".

وساهم كل ذلك في تمرير عدة رسائل آتت أكلها في صفوف النخب والبسطاء. وفي هذا الصدد يقول المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد: "إن الخطوة الأولى لتجريد الآخر المكروه من صفاته الإنسانية تتمثل في اختزال وجوده إلى بضع عبارات وصور بسيطة تتكرر بإلحاح. وهذا يجعل أسهل بكثير أن يقصف العدو دون وخز الضمير". وبذلك يكون التضليل أحد أهم ركائز السياسة الإسرائيلية، إذ تتوفر على قسم لاستخبارات التضليل الإعلامي بمكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي وقسم آخر في الوكالة اليهودية إضافة إلى الملاحق الإعلامية في السفارات بالخارج.

فتعتبر قوة الاحتلال ماهرة في استغلال الإعلام لترويج مواقفها، فهي تسخر ملايين الدولارات في الدعاية الموجهة للرأي العام الخارجي فتراقب التقارير الأجنبية عن إسرائيل وتدرسها أسبوعيًا لتعديل أيّ تشويش، كما تدفع مئات الآلاف شهريًا لشركتين متخصصتين في العلاقات العامة بنيويورك لرصد نقاط الضعف في استراتيجيتها، وخصصت مركزًا للإعلام لمتابعة المعلومات المراد نشرها في مكاتب المؤسسات الإعلامية الغربية.

تعتبر قوة الاحتلال ماهرة في استغلال الإعلام لترويج مواقفها

وتعود نشأة الدّعاية الإسرائيلية إلى مؤتمر بال بسويسرا 1897 مع بداية التخطيط للاحتلال، فجُعل الإعلام درعًا وسلاحًا للشعب اليهودي، يستعمل ضد أعدائهم كما جاء في افتتاحية جريدة "دي وولت - العالم"، التي أنشأها هرتزل. لقد أصبح الإعلام ذراع الجلاد الذي يتفنن في بسط نفوذه وسيطرته الإعلامية لحجب الحقائق التاريخية للقضية الفلسطينية والتلاعب بالمفردات استدرارًا للعطف واستجداء لشرعية إقامة كيان غاصب يحمل بذور فشله منذ نشأته، لكن بذور الفشل لا يمكنها نفي ما قاله ديفيد بن غوريون قبل سنوات: "لقد أقام الإعلام دولتنا على الخارطة واستطاع أن يتحرك للحصول على مشروعيتها الدولية". فهل سنرى إعلامنا العربي يومًا يحمل معاول الهدم لنسف كل الأكاذيب والإطاحة بالأصنام التي أقيمت حول عقولنا؟

اقرأ/ي أيضًا:

تونس فلسطينية أيضًا

السكاكين في قلوبنا أيضًا..