الإعلام الموريتاني.. تنوع وانفتاح وفوضى أيضًا

الإعلام الموريتاني.. تنوع وانفتاح وفوضى أيضًا

وقفة احتجاجية للصحفيين الموريتانيين(ألترا صوت)

تميزت الساحة الإعلامية الموريتانية في السنوات العشر الأخيرة بتنوع المنابر الإعلامية إضافة إلى هامش نسبي من الحرية ساهم ولو جزئيًا في إيصال أصوات الطبقات المحرومة وبث مفاهيم العدالة والحرية. لكن لا يمكن التغاضي عن جملة من المآخذ، والتي تهم الإعلام الحكومي والخاص على حد سواء، وهي نتيجة حتمية، حسب بعض المراقبين، للعديد من المصاعب والعقبات التي عانى منها القطاع في مختلف مفاصله ووسائله السمعية والمرئية إلى جانب الورقية والإلكترونية.

اقرأ/ي أيضًا:  إيقاف أشهر برنامج إذاعي بموريتانيا

وقد أوضحت دراسة حول أوضاع الحريات وتطبيق القوانين في 152 دولة بالعالم، من إعداد ثلاثة مراكز بحث أمريكية، تأخر موريتانيا في مجال الحريات إلى المرتبة 127. وهو ما يعكس وجود إشكالية رغم الحديث المتواتر في البلد عن حرية مطلقة للإعلام وللصحفيين، والذين يعانون، في الحقيقة، وفي كثير من الأحيان من الملاحقة الأمنية والاعتقال والمضايقة أثناء أداء مهامهم الصحفية.

الإعلام الخاص في موريتانيا نسخ مقلدة من الإعلام الحكومي 

يرى أغلب الصحفيين الموريتانيين أن قلة الدعم الحكومي للمؤسسات الصحفية ومنعها من الحصول على المعلومة في أحيان كثيرة، "ساهم في عجزها عن توفير طواقم مهنية وآليات عملية ناجحة للقيام بعملها على أكمل وجه، بل قام النظام الموريتاني بتمويل جهات قبلية وعناصر مرتزقة لتمييع القطاع ومنافسة الجادين، ولجعل المهنة مبتذلة ومنتشرة على أوسع نطاق ويظهر ذلك خاصة في الصحافة الإلكترونية"، حسب تصريحات البعض من الصحفيين.

يقول عبد الله الخليل، صحفي موريتاني، لـ"ألترا صوت": "بعد أعوام من تحرير الفضاء السمعي البصري (تمكين الخواص من إمكانية فتح مؤسسات إعلامية مرئية وسمعية)، تبين أن هناك عدة تحديات تهدد مسار هذه التجربة الوليدة، خاصة فيما يتعلق بعدم وجود ضوابط مهنية تحكم المحتوى".

وكانت الحكومة الموريتانية، من خلال الهيئة العليا للصحافة والسمعيات البصرية (الهابا)، قد رخصت لخمس قنوات تلفزيونية وخمس إذاعات خاصة عام 2012، محددة جملة من القرارات التي أوردتها بدفتر شروط تعهدت بتطبيقه المحطات الحاصلة على الترخيص.

ووصف الحسين ولد امدو، نقيب الصحفيين آنذاك، هذا الإجراء "ببداية التجسيد الفعلي للقانون الصادر عن البرلمان عام 2010"، مشيرًا إلى أن "هناك الكثير من التحديات الفنية والاقتصادية أمام الفتح الكامل لهذا المجال". وكان نبه "إلى أن الحكومة استثنت الإذاعات والتليفزيونات ذات الطبيعة الجمعوية، وفتحت المجال فقط أمام تلك التي تحمل طبيعة تجارية".

يقول عبد الله، والذي جرب العمل في الإعلام الإذاعي والتليفزيوني الخاص، "القطاع الإعلامي الخاص يحتاج للتنظيم وقد أدت الفوضى الحاصلة إلى ضياع مصداقية الإعلامي في نظر المتلقي وأصبحت المهنة وسيلة للابتزاز والاستفزاز كما لا تزال المؤسسات الخاصة مصرة على استغلال الصحفي ماديًا". ويفسر محمد الأمين سيدي مولود، وهو كاتب صحفي موريتاني، الفوضى التي يشهدها القطاع ب"منح العديد من رجال الأعمال امتيازات لفتح مؤسسات لا تخضع للضوابط الإعلامية ولا لأخلاقيات المهنة الصحفية".

قام النظام الموريتاني بتمويل جهات قبلية ودعم رجال أعمال لتمييع قطاع الإعلام ومنافسة الجادين

يرى محمد الأمين أن "وضع الإعلام بصفة عامة كان أفضل قبل فتح الحكومة الباب للخواص لامتلاك مؤسسات إعلامية"، ويضيف، خلال حديثه لـ"ألترا صوت": "شهد الإعلام الحكومي تطورًا إيجابيًا خلال فترة الحكم الانتقالي الأول 2005ـ2007، وفترة الرئيس المدني المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، وتمثل ذلك في إتاحة الفرصة في التليفزيون الرسمي والإذاعة، وفي جريدة الشعب الرسمية للمعارضين بشكل مستمر ومنتظم، وبهامش كبير، وقد تراجع ذلك كثيرًا في ظل الرئيس الحالي محمد ولد عبد العزيز".

ورغم ما قد يلحقها من فوضى، فإن المؤسسات الإعلامية الخاصة قد ساهمت في إثراء وتنوع المشهد الإعلامي الموريتاني، حسب العديد من المراقبين للقطاع. لكن لا يغطي التنوع ارتهان بعضها لقبائل أو أشخاص معينة وتعويلها أحيانًا على من لا تتوفر فيهم الكفاءة لتقديم أداء إعلامي مقبول.

ويعتبر أحمد محمد المصطفى، رئيس تحرير جريدة "الأخبار إنفو" الأسبوعية الأكثر انتشارًا في موريتانيا، أن "حرية التعبير متوفرة في موريتانيا لكن حرية الإعلام مفقودة لأنها تفترض وجود قوانين واضحة، وتطبيقها بصرامة، وهذا ما يفتقده المجال".

يقول الصحفيون أن من السهل في موريتانيا "أن تجد من لا يحسن كتابة اسمه ومع ذلك يدير مؤسسة إعلامية أو هو رئيس تحريرها" ورغم وجود تشريعات قانونية في هذا الإطار فإن السلطات تتغاضى عن تطبيقها. كما لا يتوفر في البلد قانون يفرض على السلطات توفير المعلومات للصحافة والشفافية في التعامل ولا توفر السلطات الدعم للمؤسسات الخاصة التي تبقى حبيسة تمويل مالكها وميوله.

كما يعرف مجال الإعلانات حالة من الفوضى والتي تحولت حسب أحمد إلى أداة "لشراء ذمة مالك وسيلة الإعلام، أو حتى لشراء وسيلة الإعلام نفسها، وهو ما انعكس على الحرية الإعلامية".

ويعتبر محفوظ ولد السالك، صحفي بقناة المرابطون الخاصة، أن "الإعلام الخاص في بلاده لا يختلف كثيرًا عن الإعلام الحكومي وأن أغلبه نسخ مقلدة منه"، ويستدرك: إن ذلك "لم يمنع من وجود بعض الاستثناءات الجادة التي يحاول أصحابها أن تكون لهم بصمات مختلفة، تتجنب رؤيتها وخططها الإقصاء والأحادية في الرأي، وتعتمد التعدد والتنوع والانفتاح".

اقرأ/ي أيضًا: موريتانيا.. مبادرة لدعم مكتبات المعاهد والمدارس