الإعلام العامل في ليبيا..

الإعلام العامل في ليبيا.. "من أنتم"؟

لم يكن مقص الرقيب يفوت شيئًا في الإعلام في حقبة القذافي (لؤي بشارى/أ.ف.ب)

شهدت ليبيا تطورًا ملحوظًا على مستوى المشهد الإعلامي والجمعياتي إثر التغيرات التي عرفها المشهد السياسي منذ مطلع شباط/فبراير عام 2011. إذ برزت مؤسسات ثقافية جديدة ومنوعة بعد أن كان العمل الأهلي مقتصرًا على مجموعة الجمعيات الخيرية التابعة لأبناء العقيد معمر القذافي، والإعلام مقتصرًا على بعض المطبوعات الحكومية "البائسة" التي تختص بنشر أخبار حكومية ومقالات مسيّسة في ظل النظام الشمولي الذي كان يحكم البلاد منذ عام 1969.

لم تنجح ليبيا إلى الآن في كبح جماح الانفلات الإعلامي الذي اجتاحها

وتزامن انطلاق المشاريع الثقافية المختلفة مع المعارك التي كانت تدور رحاها على الأرض قبل تحرير كامل تراب الوطن. برزت الجمعيات النسوية والنوادي الشعرية ونوادي التصوير الفوتوغرافي والغرف الإعلامية والجرائد والمطويات المساندة للحراك الشعبي المضاد لنظام القذافي آنذاك وتنوعت مشاركاتها. تشارك كل مؤسسة بطريقتها من خلال الأمسيات الشعرية التي توثق ملاحم المعارك أو عبر معارض الصور التي توثقها أو بإقامة أنشطة تعبوية للمحاربين. ويفسر هذا الزخم الذي صاحب الثورة كرد فعل على السيطرة المفرطة للنظام السابق على كل وسائل الإعلام ومنعه للأحزاب السياسية والمؤسسات المدنية واحتكاره كل المنابر.

بمجرد إعلان تحرير البلاد في العشرين من تشرين الأول/أكتوبر عام 2011، كان في ليبيا ما يزيد عن 380 مطبوعة و14 محطة تلفزيونية وأصبحت موجات البث القصيرة مكتظة بالقنوات الإذاعية مجهولة الهوية. ولم تنجح البلاد إلى الآن في كبح جماح الانفلات الإعلامي الذي اجتاحها.  

ساهم الانفلات الإعلامي في انعدام الاستقرار وتعزيز خطاب الكراهية وإيقاظ النعرات الجهوية والقبلية والسياسية، ولعب المال السياسي الفاسد دورًا كبيرًا في تضليل الرأي العام، إضافة إلى عدد من القنوات المسموعة ذات الصبغة الدينية الطائفية التي لا يعرف مكان بثها والتي تروج لأفكار الجماعات التي تتبعها.

ساهم الانفلات الإعلامي في ليبيا في تعزيز خطاب الكراهية وإيقاظ النعرات الجهوية والقبلية والسياسية

وفي ظل هذه التغيرات برزت أيضًا مجموعات منظمة من الشباب المتعلم والطموح من خلال مبادرات خلاقة تحمل معاني جميلة كنوادي القراءة والمناظرات الثقافية، والتي رغم قلتها إلا أنها لاقت رواجًا وقبولًا لدى الشارع الذي أصبح وبعد قرابة 4 سنوات منذ قيام الثورة أكثر يقظة وفطنة. فحالة التعطش التي كان يعيشها الشارع الليبي جعلت منه فريسة سهلة يتلقف الغث والسمين ثم بدأ هذا التعطّش يتلاشى بعد أن صار سقف الاطلاع لا حدود له.

يواجه المجتمع الليبي اليوم إشكالية كبيرة تتمثل في سن تشريعات تحمّل أصحاب المنابر الإعلامية والمؤسسات الأهلية وناشطي المجتمع المدني مسؤولية وتبعات ما يصدر عنهم، بالإضافة إلى إشكالية غياب الأطر القانونية التي تنظم عملهم. فالقانون الليبي قاصر بشكل كبير في هذه الجوانب، إذ إن الساحة خلت من مثل هذه المؤسسات منذ ما يربو عن 40 عامًا وكل المؤسسات كانت حكومية تتبنى خطابًا موجهًا ولا تبث برامجها ونشراتها وتغطياتها إلا بعد المرور على مقص الرقيب الصارم الذي كان يعاقب، بالموت، كل من يفكر في مخالفته.

يعاني المجتمع الليبي من غياب تشريعات تحمّل وسائل الإعلام والجمعيات مسؤولية ما يصدر عنها

ويتواصل غياب قانون يعاقب القنوات المسموعة والمرئية التي لا تلتزم المهنية في عملها اليوم، خاصة الإذاعات التي لا تحتاج إجراءات رسمية أو تراخيص بث من الحكومة، وبالتالي يمكن اعتبارها خارج السلطة الفعلية للدولة "الوليدة". ولا يزال الإعلام الحكومي يتبع نفس الأسلوب من تمجيد لإنجازات الحكومة.

وعلى صعيد منظمات المجتمع المدني، فلا يزال الغموض يكتنف مصادر تمويل أغلبها، كما لا يزال القانون قاصرًا في جوانب عديدة كتحديد سقف الصرف ومصادر التمويل والإقرارات المالية والتراخيص التي تعمل بها، وتكاد تكون المؤسسات المسجلة فعليًا في سجلات وزارة الثقافة والمجتمع المدني لا تتعدى ثلث الناشطة فعليًا على أرض الواقع.