الإعلام التونسي ونظرية

الإعلام التونسي ونظرية "المؤامرة" العربية

فوضى في الإعلام التونسي (محمد كريت/باركروت/Getty)

ربما ليس من قبيل الصدفة أن يسيطر خبران على المشهد الإعلامي التونسي، يتعلقان بـ"اتهام" بلدين عربيين بالوقوف وراء التفجيرات الإرهابية التي ضربت البلاد أخيرًا، وخلفت عشرات الضحايا، وبددت الآمال في إنعاش قطاع السياحة الذي يشكل عماد الاقتصاد التونسي.

الخبر الأول نشره موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، وتنقلته عدة مواقع تونسية، ويتحدث عن تهديد الإمارات العربية المتحدة بزعزعة استقرار تونس بسبب عدم خدمة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي لمصالحها!

الموقع نقل عن مصدر سياسي بارز في تونس (لم يذكر هويته) تأكيده أن المسؤولين الجزائريين حذروا نظراءهم التونسيين في بداية تشرين الثاني/نوفمبر، من الخطة الإماراتية للتدخل في شؤون بلادهم، محاولًا الربط بين "الخطة الإماراتية" والهجوم الإرهابي الأخير على حافلة الأمن الرئاسي في العاصمة، والذي ذهب ضحيته ثلاثة عشر قتيلًا وعشرون جريحًا.

الخبر الثاني يتعلق بلقاء بثته قناة "تونسنا" الخاصة، في مقابلة مع ضابط مغربي منشق يُدعى هشام بوشتي عبر برنامج "بلاك ليست"، اتهم فيه بلاده بتدريب عشرات العناصر من تنظيم "أنصار الشريعة" الإرهابي، واستخدامهم لاحقًا في عدد من الهجمات الإرهابية ضد منشآت سياحية، وخاصة الهجومين على متحف "باردو" وفندق "امبريال مرحبا" اللذين خلفا عشرات القتلى والجرحى، أغلبهم من السياح.

اتهم الضابط المغربي المنشق هشام بوشتي بلاده بتدريب عشرات العناصر من تنظيم "أنصار الشريعة" الإرهابي واستخدامهم

الضابط المزعوم عرض عددًا من "الوثائق" التي تحمل ختمًا ملكيًا وقال إنها من أرشيف الاستخبارات المغربية، وتُظهر وجود "صفقة" أبرمتها الاستخبارات المغربية لتهريب السلاح من ليبيا إلى تونس، والاتصال بالإرهابي الجزائري "لقمان أبو صخر" قائد كتيبة عقبة بن نافع (قُتل في عملية أمنية بولاية قفصة) لتنفيذ عمليات إرهابية في عدد من المدن التونسية وخاصة ولاية "سوسة" الساحلية بهدف ضرب السياحة التونسية.

ما يثير التساؤل حقيقة هو توقيت بث ونشر الخبرين اللذين يأتيان بعد أول هجوم انتحاري في قلب العاصمة التونسية وضد الأمن الرئاسي، في ظل وجود معلومات غير مؤكدة تشير إلى أن منفذ الهجوم حسام العبدلي كان ربما يفكر في استهداف الرئيس التونسي شخصيًا.

اقرأ/ي أيضًا: تونس.. لوبيات السياسة والإعلام تعلن الحرب

كما أن الخبرين المتزامنين (خلال أسبوع واحد) يعتمدان أساسًا على مصادر "مشبوهة" وغير مؤكدة، فالموقع البريطاني أشار إلى مصدر مجهول لا يمكن التأكد من مصداقيته، كما أن الضابط المغربي السابق ملاحق من قبل القضاء في بلاده وعدة دول أخرى بتهمتي "الخيانة" و"التجسس" وغيرهما، بالتالي لا يمكن التأكد من صحة الوثائق التي عرضها.

المراقبون يتحدثون عن احتمال توظيف مروجي الخبر الأول للعلاقات "الباردة" نسبيًا بين تونس والإمارات على خلفية النزاع القائم حول مشروع "سما دبي" المتعثر، وذلك بهدف زيادة التوتر بين الدولتين، وخاصةً في ظل امتعاض إماراتي من مشاركة حركة "النهضة" الإسلامية في الحكم.

يحذر البعض من محاولة "توريط" المغرب بالشأن التونسي اعتمادًا على المنافسة السياحية بين البلدين الشقيقين

فيما يحذر البعض من محاولة "توريط" المغرب بالشأن التونسي، اعتمادًا على فرضية أن تردي الأوضاع الأمنية في تونس ساهم في إنعاش السياحة المغربية، مؤكدين أن المغرب الذي يحتفظ بعلاقات جيدة مع تونس، مشغول بالدرجة الأولى بتأمين حدوده من الجماعات الإرهابية الآتية من ليبيا وعدد من دول الجوار. في السياق، السياسيون التونسيون انتقدوا الفوضى الإعلامية في البلاد والتي دفعت عددًا من الوسائل لمحاولة كسب الجمهور عبر الإثارة وتقديم معلومات مغلوطة، فيما قررت هيئة الاتصال السمعي والبصري إيقاف إعادة بث الحلقة التي تتضمن تصريحات الضابط المغربي وسحبها من الموقع الإلكتروني للقناة.

الكرة الآن في ملعب الحكومة التونسية، والتي لا يبدو أنها بحاجة للمزيد من "الأعداء"، في ظل الأداء المتواضع والتخبط المستمر للدبلوماسية التونسية، والذي تسبب بعدة أزمات مع الدول المجاورة وعدد من بلدان المنطقة.

اقرأ/ي أيضًا: "المنظّمة السوداء" في تونس