الإعلام الإسرائيلي: ولد يَكذبُ على أمه

الإعلام الإسرائيلي: ولد يَكذبُ على أمه

مسعفون فلسطينيون يحملون متظاهرًا مصابًا (Getty)

مَشهدَت وسائل الإعلام الإسرائيلية واقع اشتباكات القدس من زاوية "شكاوى الافتراء" الرائجة شعبيًا على مبدأ "ضربني وبكى، سبقني واشتكى"، ذلك أن موقف المحررين والمذيعين والصحفيين الإسرائيليين، والمؤيدين لهم، قد أثار إشكالية لدى الرأي العام العالمي في فهم المجريات. كانت المشاهد الحقيقية توضع على طاولة التحريف، مشهدًا تلو الآخر، إلى أن قصف الفلسطينيون تل أبيب بصواريخ بالستية من غواصات منظمة التحرير المتمركزة في بحر يافا.

ليست الأخبار العبرية حول الهجمات التي تشنها الحكومة الإسرائيلية على القدس هي التي يتم تصويرها بأسلوب احتيالي فحسب، إنما كل مشاهد الصراع على قِدَمها

تخدم وسائل الإعلام الإسرائيلي قضية تشويه الحقيقة، لدرجة أنك تفقد أنفاسك عند مقارنة الملفق مع الأصلي. وليست الأخبار العبرية حول الهجمات التي تشنها الحكومة الإسرائيلية على القدس هي التي يتم تصويرها بأسلوب احتيالي فحسب، إنما كل مشاهد الصراع على قِدَمها، حيث يسوق أسطول الإعلام الإسرائيلي صحفيين ومذيعين من كل الانتماءات، ومنهم عرب يشاركون في عملية الاتجار بالنسخة الإسرائيلية من الصراع، تلك التي تفترض أن إسرائيل هي الطرف الضعيف، الساذج.

اقرأ/ي أيضًا: التصعيد الإسرائيلي يستمر والهبة تتوسع على طول الأرض الفلسطينية

مثال ذلك، ما نُشر في موقع "واي نت" الإخباري الإسرائيلي: "قامت الشرطة بإحضار صهريج ماء مجهز، وأفادت أن بعد السماح للمتظاهرين بالتعبير عن احتجاجهم لعدة ساعات، بالرغم من عرقلتهم لحركة المرور، شرعت مجموعة من المتظاهرين في إطلاق الشتائم والصراخ بأسماء مثل هتلر، ثم قاموا بإلقاء قنبلة دخانية على الشرطة الإسرائيلية".

ضمن هذا الإطار، في الوسط العربي، تُصوّر مؤسسات إعلامية مشهد الصراع كما لو كان مواجهة بين طرفين متساويين، بتجاهل أن الفلسطينيين في حبس داخل القدس ويتعرضون لهجمات من أحد أقوى الجيوش في العالم ناحية التسليح والمعدات. ذلك بهدف أن تبدو مهنية، حيادية، فترسّخ في أخبارها دلالةَ أن إسرائيل هي في الواقع قوة احتلال، لكن الفلسطينيين هم من أشعل الصراع الأخير! أيضًا يحب مذيعون آخرون "الدَوخان" في استفهاماتِ من كان سببًا بإشعال الصراع الأخير: "إسرائيل أم الفلسطينيين"!؟ الدائرة ليس لها بداية، كما يقولون.

عندما وقف الفيتناميون في وجه الأمريكيين، وبدأ السود في جنوب أفريقيا المعركة ضد حكم البيض، كان هناك ثقافة تذيع مضمونها بأن كل شعب أعزل يُحارِب، يكون دومًا على حق. ولكن يبدو أن هذا لا ينطبق على الفلسطينيين، حيث قدمتهم الأجندة الإعلامية الكولونيالية إلى العالم بصفتهم إرهابيين محتملين. وعليه، فإن هذه المعاملة ذات العين الواحدة في الصراع، تدعو للتساؤل، بأنه كيف يمكن لهذا العدد الكبير من الصحفيين والمحررين أن يتفقوا، وبلباقة، على صياغة نفس التشوهات وتقديمها إلى المشهد العالمي بالوقت نفسه؟

الأكاذيب، يمكن أن تخدم في كثير من الأحيان حين تتكرر، بحيث يُنظر إليها في نهاية المطاف على أنها حقيقة

الأكاذيب، يمكن أن تخدم في كثير من الأحيان حين تتكرر، بحيث يُنظر إليها في نهاية المطاف على أنها حقيقة. لكن النقاش برمّته حول إسرائيل يلفظ إلى جانب الحديث سؤالًا: لماذا نصدق آلة الدعاية الإسرائيلية؟ لماذا لا إمكانيات تخوّل أي وسيلة إعلامية عربية، إلى ارتقاء تقني مواز لحكومة اليمين المتطرف في تل أبيب، تلك التي تهدد الفلسطينيين بوجودهم دومًا؟

اقرأ/ي أيضًا: فلسطين؟ لنمرر تلك الجينة على الأقل

في سياق آخر. لا أعتقد أن هناك سبعة رجال ملتحين يجلسون في قبو يتآمرون ضد السلام. ولكنني أثق أن هناك أفرادُ نخبة، راقيين، يُحاربون على مدار الساعة لجعلنا نؤمن بأن لإسرائيل حق التصرف الحر بالأرض الفلسطينية. ففي ظل فداحة الفشل المؤسسي الإعلامي الفلسطيني، الغارق في خطبه الحزبية، شردَ منّا الخط الطويل من المثقفين الفلسطينيين الذين اعتادوا قيادة المعركة فورَ تعلق الأمر بالوقوف وجهًا مقابل وجه ضد الاحتلال.

 

اقرأ/ي أيضًا:

فلسطين: خبران وواقع واحد

مشروع إسرائيلي قديم: خلق قيادة فلسطينية مدجنة