الإشهار في الحجر.. هل يستعيد الإنسان نفسه؟

الإشهار في الحجر.. هل يستعيد الإنسان نفسه؟

(Getty) ساحة التايم في نيويورك

يقول المفكر اللبناني علي حرب: "إن التاريخ البشري غير المظفر يكتب النهاية الفاشلة للإنسان المؤنسن، أي إنسان المثل العليا والعقائد المستقيمة والأفكار المجردة"، ويطلق في كتابه "حديث النهايات" صورة لإنسان بلا ملامح، يسميه بالفاعل البشري الجديد "الذي لا يدعي أنه منقذ البشرية ومخلصها، كما لا ينتظر أن ينقذه سواه، وإنما يتصرف بوصفه مسؤولًا عن نفسه"، ويسميه أيضًا بالخلاق لأنّه "متحرّر من كل هوية أو صورة وأصل أو اسم أو نموذج". 

إن هذا الإنسان الذي سُمي أيضًا الإنسان العددي والكواكبي والمعولم والإنسان الأخير والعابر الذي قدمه علي حرب بنبرة المتفائل، واختار تسميته في الأخير بالإنسان الوسيط، يبدو أنه وصل إلى نهايته بسرعة عندما وجد نفسه اليوم في مواجهة إخفاقه الكلي أمام فيروس الكورونا، الذي ارتد به إلى خطاب الإنسان القومي، واستعاد خطاب نقاوة العرق من خلال اتهامات بمسؤولية إنتاج الفيروس وبضرورة التخلص من المهاجرين واللاجئين، بينما اقترح بعض المتعصبين والعنصريين من عالم الطب إجراء التجارب الأولى للأدوية والتلاقيح على الأفارقة دون غيرهم من البشر.

إحدى الكوى المضيئة في زمن الكورونا هي تراجع سطوة الإشهار التجاري، بسبب إغلاق المحلات

بعيدًا عن هذه النظرة التشاؤمية، وهي في وجه من وجوهها واقعية جدًا وقد تورطنا فيها كغيرنا بإنتاج خطابات فجائعية، تطلّ علينا أحيانًا كوى من الضوء في تلك السوداوية التي نعيشها وتجعلنا نتساءل إذا ما نجا هذا الكائن المسكين من هذا الوباء ماذا سيكسب؟ هل هذا الإنسان المهدور ما قبل الوباء من زمن العولمة وتوحش العالم الرأسمالي بعد أن فقد كل قيمة وتحول إلى سلعة وإلى عدد، هل سيستعيد إنسانيته وحريته من العبودية الجديدة: إدمان الاستهلاك؟ 

اقرأ/ي أيضًا: المؤامرة والعار في زمن كورونا.. نظريات أم فيروسات؟

إحدى تلك الكوى المضيئة هي تراجع سطوة الإشهار التجاري، بسبب إغلاق المحلات من جهة، وبسبب خطورة المرحلة وارتباطها بالحياة والموت.

الفرصة الذهبية للتحرر

يتحدث إتيان دولا بويسي في كتاب "العبودية المختارة" عن مسؤولية الشعب في تحديد مصيره: فـ"الشعب هو الذي يسرق نفسه بنفسه، وهو الذي يذبح نفسه بيده، إذ لما كان يملك الخيار بين أن يكون عبدًا أو يكون حرًّا، تخلى عن حريته ووضع القيد في عنقه".

أعطيت اليوم إلى هذا الإنسان الفرصة من جديد مع الظروف التي فرضتها عليه كورونا. فقد تخلص الإعلام اليوم في أغلبه من 90 % من الومضات الإشهارية التي عوضتها الومضات التوعوية. ويبدو الإنسان المعاصر كل يوم في حالة من الاستشفاء من إدمان كبير وثقيل احتله منذ عقود، وهو ذلك الانجذاب السحري نحو الماركات، وذلك الاستلاب العظيم، وذلك التذري أمام تلك الصور الإشهارية التي تهاجمه من التلفزيون ومن الإذاعات والصحف والمجلات واللافتات في الشوارع، وفي الطرقات السيارة ومن الهواتف الجوالة.

هذه الحالة من التفضية وغياب صورة المنتج قد تؤدي به إلى الجنون بفعل الفقد المباغت للقيود قد تجعله يركض بعد انتهاء الأزمة خلف أول الإشهارات شوقًا، وقد تجعله يمر عليها دون أي إحساس بعد أن يكون قد تخلص من آثارها الجانبية إلى الأبد، وتحرر كليًّا من سطوتها كأي إدمان آخر.

العيش دون ماركات

يقول الباحث والمترجم المغربي سعيد بنكراد: "لقد سقطت كل الوصلات في شراك شعارات تغتصب الحشود، وتشدهم إلى حاجة استهلاكية تفرضها طقوس قسرية"، وغياب الإشهار التجاري اليوم هو غياب تلك الصور وتلك الأصوات، تلك العلامات التي تأسرنا، وغياب العلامة ينجر عنه تفتت حدود الطبقة الاجتماعية، وتماسها مع الطبقة الأخرى التي فقدت بدورها حدودها وتصبح البيجاما، في حالة الحجر الصحي، اللباس الموحد للبشرية المحجوزة في البيوت، وإن كانت البيجاما أيضًا ماركات لكنها تظل بيجاما وتأثيرها التجاري محدود.

إن كورونا تعرض على البشر وبالعدل، اليوم، فرصة التخلص من عبوديتهم وخطف حرياتهم

إن كورونا تعرض على البشر وبالعدل، اليوم، فرصة التخلص من عبوديتهم وخطف حرياتهم، وكما العروض المرتبطة بالزمن يبقى العرض ظرفيًّا، وهو متاح للأذكياء من المغرر بهم الذين ينتظرون فرصة للخلاص وعندهم الاستعداد لذلك كالمقدمين على الإقلاع عن التدخين.

اقرأ/ي أيضًا: سيناريو شخصي لنهاية العالم

إن هذا الغياب لقصف الماركات هو إعلان إمكانية العيش خارج سطوة العين التجارية، وهذا من شأنه أن يدعم فكرة استعادة الذات ما قبل انتهاكها بتلك النظرة التي اختزلت الإنسان في صورته الاستهلاكية.

إلا أن التخلص من ملابس الماركات والغطس الجماعي في البيجامات والروب المنزلي، هو الآخر قد يجرنا إلى ما قبل التحضر إذا ما تواصل الحجر بلا أفق. 

الموضة المعاكسة

ليس خطاب الموضة، الذي خصه رولان بارت بكتاب كامل، بخطاب سهل، ففي إمكانه أن يعيد إنتاج نفسه من النفايات، لذلك لا يعبأ خطاب الموضة بأي تغيير سياسي أو مناخي أو أيديولوجي، وكما تحولت صور تشي غيفارا من أنطولوجيتها القيمية الإنسانية لتصبح أيقونة في خدمة الرأسمالية، واستخدمت هذه الصور شعارات في الأحذية والقبعات و"التي ـ شورتات".. ينسحب ذلك على صور فريدا كاهلو وتوماس سانكارا وانشتاين وجيمس دين علاوة عن مارلين مونرو أبناء الموضة نفسها. ووصل بخطاب الموضة أن يستولي على رمزية الهوية الثقافية للعدو، كما حدث في عروض الأزياء الاسرائيلية التي استولت على الكوفية الفلسطينية.

وقد سبقت الموضة الفيروس أيضًا وقدمت عروضًا للأزياء المرسكلة، ظهرت فيها النفايات والملابس القديمة والروب المنزلي والبيجاما كملابس للخروج وللسهرات وللعمل. 

ألم يخطف الخطاب الإشهاري التجاري حتى الفقر نفسه، عندما أطلق من سنوات واستمرت إلى الآن موضة الملابس الممزقة والمهترئة

يبدو أن سطوة الإشهار لا تتراجع لأن الإنسان صار في البيت، فقد كان الإشهار مع ربات البيوت، لذلك تجنب عبر تاريخه كما يرى بيرنار كاتولا التلميح إلى حرية المرأة فهو يفضل بقاءها في البيت على أن تخرج للعمل، إنما تتراجع سطوته لأن مجال تحركه أصبح محدودًا فالبشر اليوم مشدودون إلى مصادر الأخبار ومواقع الصحة ومخابر التحاليل.

اقرأ/ي أيضًا: الأرباح قبل الأرواح أحيانًا

ولكن هل سيبقى الاشهار بعيدا وهل سيرضى بالهزيمة؟ 

"الإشهار المخدر الجديد المصنوع من صور وكلمات وأصوات مجنونة"، كما يصفه بيرنار بروشان، له قدرة عجيبة على التأقلم والتغلغل، وفي إمكانه أن ينتزع حضوره أثناء الحروب، لذلك رأيناه يستولي بسرعة على المنتج الصحي، الكمامات مثلًا، ويحوله إلى إكسسوار جمالي ويلحقه بخطاب الموضة بإدماجه في طقم الملابس، كما دمج قبله الايشارب والنظارات الطبية والمحافظ وحتى عصي التوكؤ.

اجتياح الدليفري

انتعشت مع واقع عالم الكورونا سوق "الدليفري"، فسوق التوصيل إلى البيوت هي تطور لا للسوق بل لخطاب الإشهار الذي ازدهر مع الحجر الصحي، ولم يعد يكتفي برأسماله من الكسالى الذين لا يريدون بذل مجهود في الطبخ أو التنقل لاقتناء حاجاتهم، بل صار الجميع هدفًا للمستشهر لأن الجميع في بيوتهم. والإشهار كما يؤكد الفرنسي بيرنار كاتولا "مرآة ثقافية بالغة الحساسية لأنه مجهز بنسقه الخاص لتحديد موضوعه".

ألم يخطف الخطاب الإشهاري التجاري حتى الفقر نفسه، عندما أطلق من سنوات واستمرت إلى الآن موضة الملابس الممزقة والمهترئة، والتي لم يقف بها عند البناطيل، بل ذهب بها الى أقاصيها حتى أصبحت بعض الماركات التجارية الكبرى تعرض أسمالًا لا يجرؤ على ارتدائها حتى المتسولون والمشردون بالشوارع. تعرض تلك الأسمال بأثمان خيالية، ومع ذلك يتدافع الناس إلى اقتنائها ويظهر بها نجوم الغناء والسينما.

يبدو أن الإشهار يلاحق ضحاياه ما دام هناك بشر من ذوي المناعة الضعيفة مثلما يطارد كوفيد 19 اليوم ضحاياه

يبدو أن الإشهار يلاحق ضحاياها ما دام هناك بشر من ذوي المناعة الضعيفة مثلما يطارد كوفيد 19 اليوم ضحاياه، ولئن كان ضحايا كوفيد من العجائز والشيوخ فالإشهار ضحاياه من كل الأعمار ومن كل الطبقات، لأن" الاشهار، كما يرى كاتولا، ليس حكمًا قيميًا ثابتًا منحازًا إلى موقف دون سواه. إنه كل هذه المواقف مجتمعة ومتفصلة. إنه محافظ وطلائعي، رجعي وتقدمي، مرتبط بروح العصر ولكنه يستند دون خجل إلى المسكوكات".

اقرأ/ي أيضًا: البيت بوصفه اختبارًا للهوية

والإشهار كا يقول سعيد بنكراد في تقديمه لكتاب "الإشهار والمجتمع": "لا يتوجه في حالتنا إلى شعب محدد من خلال سقف ثقافي معلوم، بل يخاطب جزرًا منفصلة عن بعضها البعض في كل شيء". ومن ثم فعلى الكائن المحجوز والمحجور اليوم أن يكتسب ذاتيًا مناعة وافرة للتخلص منه عندما يعود إلى مهاجمته إثر انتهاء الوباء، فهو أول عدو سيجده على تعبات الأبواب.

إن ضرب ذلك الكوجيطو الجديد الذي أنتجه الخطاب الإشهاري؛ "أنا اشتري إذًا أنا موجود"، مؤذن بتغير جديد قد يحدث في العالم وظهور إنسان جديد بقيم جديدة، فما تمر به البشرية أقوى من أي حرب عالمية مرت بها. تلك الحروب التي كلما انتهت إلا وتغيرت موازين القوى في العالم وحدثت تغييرات جيوسياسية كبيرة وتحولات كبرى في طرق التفكير، تنعكس بدورها على المنتج الثقافي نفسه أشكالًا وأسئلة.

ولكن إذا اتفقنا ألا "أحد يستهلك على هواه، ولا أحد يشتري دون دافع أعمق من الاستهلاك، فنحن مستهلكو صور"، أفلا تكون تلك الأرقام التي نستهلكها اليوم، من إحصاء عدد الموتى وعدد المصابين وعدد الناجين، والتي حولت الإنسان الراهن إلى إنسان عددي، بعبارة علي حرب، تهيؤنا لمستقبل آخر، وليست سوى خطاب إشهاريّ جديد تنتجه البشرية، سيختطفه المصنع بسرعة ليحوله إلى منتتج يفرض من خلاله عبودية جديدة على الأضعف والأقل مناعة، ويجعله من جديد يضع القيد طوعًا في رقبته؟

يبدو أن النجاة من التشاؤم ليست سهلة اليوم، فـ"كلنا نعيش في قرارة جحيم وكل لحظة فيه معجزة". يطل متشائل إميل حبيبي من النافذة ليسأل: هل انتصر إميل سيوران؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

كورونا.. دروس في الدولة والإنسان

الأسفلت لا يساعد على التنفس