الإشراقة الأبدية لعقل لا تشوبه شائبة

الإشراقة الأبدية لعقل لا تشوبه شائبة

من بوستر الفيلم

(1)

فيلم Eternal Sunshine of the Spotless Mind هو فيلم للمؤلف "تشارلي كوفمان" وإخراج "ميشيل جوندرى" ومن بطولة جيم كاري "جول" وكيت وينسليت "كلمنتين" يرد:

"ما مدى سعادة الراهبات الطاهرات
إشراقة أبدية لعقل ناصع
قبلت كل الصلوات ورفضت كل الأمنيات".

يبقى الحل دومًا في يد حبيب، حبيب يستطيع أن يحب أغرب ما فينا، فينقذنا من غربتنا

"كلمنتين" فتاة مندفعة ومتمردة، غريبة الأطوار تقريبًا، تحاول أن تكون صاخبة طوال الوقت لأنها تسعى جاهدة أن تخفي قلقها حيال شيء ما هي غير واثقة منه أصلًا، وفي بعض الأحيان غير مفهومة حتى لنفسها، لا تكف عن الحركة وفي توق دائم للتجربة، بينما "جول" شخص عادي جدًا، خجول، وحيد، وغير ملحوظ، يحاول الوقوع في الحب لكنه لا يجرؤ على النظر في عين امرأة لا يعرفها لذلك يقع في حب أي امرأة تعطيه الحد الأدنى من الاهتمام، لا يتحدث كثيرًا لأن حياته غير مثيرة ولا تستحق الحديث عنها -كما يعتقد هو- فهو لا ينخرط في مغامرات غريبة وغير مهتم بإنقاذ العالم! جويل لا يحتاج لأكثر من امرأة تحبه لكنه لا يمتلك الجرأة لإقامة علاقة لأنه لا يعرف تحديدًا ما يجب أن يقوله في البداية -وما لا يجب- يخطط كثيرًا كيف يصوغ حديثه بطريقة ملفتة وذكية لدرجة لا يبدو معها التصنع والارتباك "ليبقى الحل دومًا في يد حبيب، حبيب يستطيع أن يحب أغرب ما فينا، فينقذنا من غربتنا، يقلب الآية فيجعلنا لا نخجل، بل نفرح لا لشيء سوى أننا هكذا" - طارق حجي

وماذا نريد نحن أكثر من حبيب يشاركنا الجري تحت المطر لا يشغله احتمال انهيار البحيرة المتجمدة التي نقضي ليلتنا عليها ما دمنا معًا؟

"- متى نبصر مرآة الحب؟
- إذا أراد الحب أن يغادر مكانه".

(2)

طبيب يدعى هاورد موزرياك ابتكر عملية يمكن من خلالها مسح الذكريات غير المرغوب فيها، علاقة سيئة، إحساس بالذنب تجاه حدث ما، "جول" يعرف عن طريق الخطأ أن حبيبته "كلمنتين" قامت بمحو ذكرياتهما المشتركة، بعد شجار عنيف بينهم، وأنه أصبح شخص غريب تمامًا عنها، وأنها لن تكون قادرة على التعرف عليه حتى، فكرة مرعبة أن شخصًا ما هو كل الحياة بالنسبة لك يتركك عالقًا وحيدًا تعاني أثر علاقة لا يتذكر حتى أنه كان طرفًا فيها، لا شيء أكثر قسوة من وحشة خلفها غياب حبيب.

اقرأ/ي أيضًا: أليس" على طرف الجحيم"

يقرر جول القيام بالشيء نفسه ويمسح ذكريات كلمنتين كنوع من الانتقام طالما استطاعت هي أن تفعل، أثناء العملية يكون "جول" فاقدًا للوعي تمامًا، ويحاول استرجاع الذكريات المشتركة بينهما حتى تتم عملية المسح بنجاح، لحظة استعادة جول للقاءات الأولى ولحظات الشغف يشعر أن قراره بمسح ذكريات كلمنتين كان قرارًا متسرعًا وغبيًا ويحاول إيقاف عملية المسح لكن المعضلة أنه فاقد لوعيه ويعيش داخل عقله حرفيًا ويفقد ذكرياته مع كلمنتين تباعًا، لكنه يحاول المقاومة بشدة، مشاهد تهاوي ذكريات جول وفزعه الشديد بتلاشي كلمنتين من ذاكرته أشبه ما يكون بفقدان شانطال لأنها بمجرد فقدانها لحبيبها مارك في رواية الهوية لكونديرا، يصرخ جول مستجديًا:
"Please let me keep this memory, just this one ..".

(3)

النسيان رديف للموت

"يبدو أن في الدماغ منطقة خاصة تمامًا ويمكن تسميتها بـ"الذاكرة الشعرية"، وهي التي تسجّل كل الأشياء التي سحرتنا أو التي جعلتنا ننفعل أمامها، وكل ما يعطي لحياتنا جمالها. مذ تعرّف توماس إلى تيريزا، لم يعد لأي امرأة الحق في أن تترك أثرًا ولو عابرًا في هذه المنطقة من دماغه" - ميلان كونديرا.

الشخصية الرئيسة في رواية الضحك والنسيان لكونديرا هي شخصية تامينا التي ظلت تصارع النسيان وتحاول استعادة دفتر رسائلها ومذكراتها، بقيت تامينا تعاني حالة من التيه وفقدانها لجوهرها، تحاول مقاومة ذلك من خلال استعادة دفتر رسائلها ومذكراتها القديمة وملامح زوجها المفقودة.

قيام كلمنتين بإزالة جول من ماضيها خرب ذاكرتها تمامًا، لقد دمر تاريخها الشخصي، ووعيها بذاتها وأناها لدرجة شعورها بالاغتراب وتملكها شعور التقدم في العمر، فيما يبدو أن الحب هو سر الوجود وأكثر الأمور الإنسانية حقيقة.

يحاول "تشارلي كوفمان"، الفائز بأوسكار أفضل نص أصلي عن الفيلم نفسه، إخبارنا بأن الحب والمشاعر الإنسانية مختبئة في مكان أعمق بكثير من الدماغ وأبعد عن الذاكرة وأن العمليات المادية غير مؤثرة بشكل كافٍ، ودائمًا توجد أشياء لا يمكن انتزاعها أو تغييرها في الإنسان مهما رغب في تغييرها بشدة، كذلك مشاعرنا وعلاقتنا الإنسانية أكبر من مجموع ذكرياتنا، هل الحب مرتبط بالصدفة أم بالقدر؟ إذا عادت الفرصة مجددًا هل تعود دورة مشاعرنا لتكرار ممل ورتيب؟ هل خيارتنا تعبر عنا في كل الأحوال؟ يخبرنا كوفمان في النهاية أن حتى ماري عادت لتحب دكتور هاورد نفسه مرة أخرى.

اقرأ/ي أيضًا:

ميريل ستريب: أنا لست دومًا سعيدة

كيف تشاهد فيلمًا لتكتب عنه؟