الإسلام  المغربي.. تسييس وأصولية

الإسلام المغربي.. تسييس وأصولية

نحن اليوم أكثر مما مضى في مسيس الحاجة إلى تجاوز ترديد المناهج القديمة (Getty)

حظيت الظاهرة الأصولية أو الإسلام السياسي في السنوات الأخيرة باهتمام كبير، سواء من طرف الباحثين أو من طرف رجال السياسة والاقتصاد في العالم أجمع. ولعل ازدياد الاهتمام بالموضوع راجع إلى ما عرفه العالم من أحداث ارتبطت بهذه الظاهرة وعلى رأسها ما وقع في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية، وانتماء المهاجمين إلى العالم الإسلامي وتبني تنظيم القاعدة لذلك الحدث باعتباره ردا جهاديا على طغيان أمريكا ومحاولة سيطرتها على العالم ودفاعها عن إسرائيل.

يرى الباحث المغربي عكاشة بن المصطفى" بأن عودة "التيار الديني لا يمكن تفسيرها ببساطة على أنها مجرد رد فعل ضد الحداثة الغربية وإخفاقاتها، لأن البعد الديني هو أحد مكونات التاريخ الإنساني، فالفرد يحس بحكم محدوديته في هذا العالم فيلجأ للدين للبحث عن مصيره الدنيوي والأخروي والإجابة عن تساؤلاته الوجودية". أما أزمة الحداثة فما هي إلا عامل ساهم في تسريع يقظة هذا البعد الروحي في مجتمعات تهتم أكثر بماهو مادي وتقني. ويبقى توظيف الدين أيديولوجيًا وسياسيًا مرتبطًا بالتيارات الحركية والتنظيمية التي تحاول قراءته حسب منظوراتها للواقع والأوضاع السائدة في كل مجتمع. كما أن الحركات الدينية في الإسلام ليست جديدة، بل هي قديمة قدم الدين نفسه وليست مرتبطة بظرفية حالية.

إن مواجهة الخطاب الأصولي ينبغي أن تكون على أرضيته، أرضية الفكر الإسلامي، والبدء بتأويل آخر للإسلام

بينما هناك ثلاثة تيارات برزت داخل الحركات الإسلامية، تبدأ بتيار يدعو إلى إحداث قطيعة مع النظام السياسي القائم بل حتى مع المجتمع، والمناداة بالعنف من أجل تحقيق دولة دينية أو نظام سياسي إسلامي، وهو تيار ينشط بالخارج خصوصًا. وتيار يسعى إلى التأثير على النظام السياسي والاجتماعي بالمغرب من الداخل وذلك باعترافه بالملكية وانخراطه في المشهد السياسي المغربي، ويمثله حزب العدالة والتنمية. في حين يبقى تيار راديكالي يدعو إلى الرجوع إلى الإيمان والإسلام الحقيقي، وينتقد بشدة النظام السياسي المغربي متهمًا إياه بجعل الإسلام مسالة فردية، ناكرًا بعده الشمولي الذي يضم السياسة والدين. ويمثل هذا التيار جماعة العدل والإحسان التي تزعمها الشيخ عبد السلام ياسين الذي ما فتىء يصدر بين الحين والأخر مجموعة من الكتب ينظر فيها لهذا التيار أيديولوجيا وسياسيا.

أما على المستوى المنهجي، فهناك ثلاثة مناهج لتفسير الحركات الإسلامية، منها منهج يركز على الجانب الراديكالي أي على الخطاب الإسلامي، وفشلت تلك الحركات ما دامت لم تصل إلى السلطة. في مقابل منهج نيو ماركسي يركز على السياق السوسيولوجي، أي البنيات الاجتماعية والسياسية للحركات الإسلامية. وثالث يركز على الجانب الثقافي والهوية ويرى بأن الجزء الراديكالي هامشي وغير مؤثر.

نحن اليوم أكثر مما مضى في مسيس الحاجة إلى تجاوز ترديد المناهج القديمة، وتحويل البحث نحو مورفولوجيا عقدية اجتماعية، وفق فهم إنساني متأن، بعيدًا عن اجترار الطروحات المتقادمة وتوسيع دائرة فاعليتها وأثارها لتشمل واقعنا الحالي، وذلك بعدم إظهار الموالاة لا للتسنن ولا للتشيع، لا للمعتزلة ولا للأشاعرة، لأن أفكار تلك الفرق والمذاهب منبثقة من ظروفها التاريخية والمعرفية. وذلك بإحلال الرؤية الإنسانية العقلانية للعالم والإنسان بدل الرؤية اللاهوتية المغلقة، وهذا يقتضي إعطاء قيمة للإنسان واعتباره غاية ومصدرًا لمعرفة تفتح آفاقا جديدة لمعنى السعي البشري لإنتاج التاريخ.

هذا هو الشرط الأساس لتحرير العقل الإسلامي من القيود التي كبلته على مر العصور، وبالتالي فتحه على التأويل الحر لذاته وللعالم. لأن مواجهة الخطاب الأصولي ينبغي أن تكون على أرضيته، أرضية الفكر الإسلامي، والبدء بتأويل آخر للإسلام، تأويل تاريخي ونقدي مستنير يواجه التأويل التقليدي الذي يحتل الساحة الآن، فالمعركة المادية بالسيف غير كافية لأنها تزيد من قوته، لذلك ينبغي أن تكون المواجهة فكرية عروبية، تضع فلسطين وحرية المنطقة وقضايا المغرب والعرب في عين الاعتبار  بشكل حقيقي وجدي.